دراسات تربوية
أهداف تدريس اللغة العربيّة فى المرحلة الإبتدائية " 1 "
بقلم : أسامة فوزى
الحلقة الأولى
نشر في جريدة البيان - دبي عام 1983

 


لا يمكن البدء فى تدريس اللغة العربيّة للأبناء فى المرحلة الإبتدائية قبل تحديد الأهداف التى يرجى تحقيقها منت تدريس هذه المادة ؛ غير هدف التفاهم اليومى مع المجتمع المحيط بالطفل ، فاللغة العربية ب النسبة للعربىليست أداة إتصال وتفاهم فقط ، مع بيئته ومحيطه وتاريخه ، وإنّما هى أداة لتشكيل فكره ووعيه أيضاً ، وبهذا تتميّز اللغة العربيّة وأهداف تدريسها عن أهداف تدريس اللغات الأجنبية فى هذه المرحلة وتلك.
الأهداف الخاصة والعامة
وغنى عن الذكرأنّ لكل مادة ندرّسها للأبناء أهدافها الخاصّة والعامة ، وغالباً ما تكون هذه منّفذة لتلك ومحققة لها ن فمعرفة قواعد اللغة ومفرادتها من الأهداف الخاصة لتدريس اللغة العربيّة ؛ لكن هدفاً مثل هذا لا يطلب لذاته وإنما يتوسّل به إلى ربط التلميذ بالبيئة والأسرة والمجتمع ، وهذه خطوة أساسية ينبغى التركيز عليها فى مناهجنا ؛ إذ لافائدة من قواعد اللغة إن لم تغرس الشواهد التى نتمثلها لتوصيل تلك القواعد إلى التلاميذ قيم ومفاهيم ومُثل البيئة فى نفوس التلاميذ.
وعليه يمكن القول : إنّ إكتساب الطفل فى سنواته الست الأولى القدرة على النطق باللغة العربية البسيطة ، ومعرفته بالمفردات العامة المتداولة ، خطوة نحو تحسسه لذاته كعربى ، وكلما نما قاموسه اللغوى اليومى ، فى البيت والحارة والمدرسة ، إزداد إرتباطه بمجتمعه ، وبدا يعتز به ، ويشعر بأن اللغة رابط لا غنى عنه ، يربطه بهموم بيته وجيرانه ومجتمعه ووطنه الكبير.
يدخل الطفل المدرسة وهو ملم إلى حد ما بمهارة النطق ، وتكون حصيلته اللغوية ومفرادته ذات علاقة مباشرة بما يسمعه ويتعلمه من محيطه ، وغالباً ما تكون هذه الحصيلة من المفردات العامية ، من هنا فإنّ المهمة الأولى الإبتدائية الأولى ( الصفوف الثلاثة الأولى ) يجب ان تتمحور حول هدفين اثنين هما : ـ
1ــ تعليم الطفل مهارة الكتابة والقراءة.
2ــ تنقية قاموسه اللغوى البيتى من المفردات العامية وتزويده بالمترادفات الفصيحة.
مهارة القراءة والكتابة
ومهارة القراءة والكتابة من المهارات الأساسية التى يجب الإهتمام بها ، حيث يعود الضعف العام تاتاافى اللغة العربية إلى سوء تعليم المهارتين السابقتين فى السنوات الأولى وغالباً ما يرتبط ذلك بالمنهج المدرسى ، والكتاب ثم طريقة المعلّم ، وغنى عن الذكرأنّ واضع الكتاب المدرسى عليه أن يحرص على ربط الطفل بالبيئة من خلال مفردات بسيطة غير مركبة ، ولاتترك لدى الطفل تساؤلات لا يمكن الإجابة عنها فى هذه المرحلة ، كما هو الحال مع كتاب القراءة للصف الأول الإبتدائى ( المؤلف محلياً ) ، ففى الكتاب ــ مثلاً ــ أسماء ممنوعة من الصرف مثل ( أحمد ) وأُخرى منوّنة مثل ( سعيد ) ، ومن الطبيعى أن يطرأ على ذهن الطفل تساؤل مشروع حول سبب وضع ضمة واحدة على الدال فى ( أحمد ) ووضع ضمتين على الدال فى ( سعيد ) وأظن أنه لا يمكن أن يستوعب الطفل فى هذا السن وفى هذه المرحلة موضوع الممنوع من الصرف حتى يفهم أنّ كلمة ( أحمد ) منعت من الصرف ( أى التنوين ) لأنها اسم على وزن الفعل ، وهذا يمنع من الصرف وجوباً.
إنّ أل التعريف وأدوات الوصل والهمزات والتراكيب التى يتقدم فيها الفاعل أو الخبر ، كلها يجب أن تفصل من كتاب الصف الأوّل الإبتدائى ، لأنّ قدرات الطفل العقلية وحصيلته من المفردات ومعايشته للكلمة المكتوبة أو المقرؤة لم تصل إلى مرحلة النضج ؛ التى يمكن منها فهم وتحليل معادلات ذات بعد فلسفى مثل الممنوع من الصرف مثلاً.
المحسوسات
إن التركيز على الأشياء المحسوسة يعطى للطفل إمكانية فهم وإستيعاب المفردة التى تصف هذه المحسوسات بينما تغرقه الأشياء المعنوية فى الخيال ، فلا يتمكن عقله الصغير من إيجاد العلاقة بين المفردة ومعناها لذا سرعان ما يسقطها من قاموسه وهذا يستدعى بالتالى من المدرّس فى هذه المرحلة الإستعانة بوسائل الإيضاح ، غير الكتاب المقررّ ، فهى أعلق فى الذهن وأدعى إلى المحاكاة والتقليد ؛ لأن التعليم يقوم فى هذه المرحلة على هذه القاعدة ، فالطفل يحاكى أستاذه بالقراءة وطريقته فى الكتابة والنطق أيضاً.
تعتبر البطاقات التى تعلّق على اللوحات الوبريّة من وسائل الإيضاح المهمة للمحسوسات المحيطة بنا ، حيث يبدأ الطفل بتعرّف الكلمة وطريقة رسمها وفق الشىء أو الجسم أو المادة التى تدل عليها ، وبهذه الحالة يمكن للطفل أن يساهم عملياً فى تعليم نفسه بجمع الصور والطلب من المدرس أن يقرنها ببطاقات تحمل الأسماء الصحيحة.
المفهوم القومى
إنّ من الأهداف العامة لتدريس اللغة العربية فى هذه المرحلة هو أن تحبب اللغة العربيّة للطفل ، كمادة سهلة ومساعدة له فى تعرّف الأشياء من حوله ، ثم كرابط قومى يمتد بالطفل من بيئته الخاصّة والعامة إلى البيئات العربيّة الأُخرى فى الوطن العربى الكبير ، وأخيراً كحلقة وصل أساسية بين الطفل ودينه ، فبغير تعرّف لغة القرآن ، أسرارها وقواعدها وأصولها ، لا يمكن للعقيدة أن ترسخ فى النفوس.
من هنا فإنّ تكريس المفهوم ( القومى ) فى هذه المرحلة يعتبر بداية لترسيخ المفهوم الإسلامى حيث لا تعارض بين الإثنين ، والإنسان الذى ينعزل عن هموم بيئته ، لا يمكن له أن يتصل بحلقات أوسع ، لأنه سيظل بمعزل عن الأفق الإنسانى الذى إفتقده فى البيت والأسرة والحارة والمجتمع والوطن.
ومن هنا فإن إختيار النصوص اللغوية المشرقة فى هذه المرحلة مسألة تبدو مهمة جداً ، لأنّها تساعد على تجيب الطفل بلغته ، وتجعله يسعى إليها خارج جدران المدرسة ، وتجيب اللغة إليه لا يكون بإختيار الردىء من الأدب ؛ لا بل إنّ مثل هذه الإختيارات اللامسئولة قد تنّفر الطفل من الإقبال على تعلّم لغته القومية ، وهذا موطن الداء فى تعليم اللغة العربية فى الإمارات ، وفى أقطار عربية أُخرى ، حيث ينتشر الضعف فى أساسيات اللغة العربية وفى مهارات القراءة والكتابة ليس بين تلاميذ المرحلة الإبتدائية فحسب وإنما تشمل المشكلة قطاع التلاميذ فى المراحل الثانوية أيضاً.
نموذج !!
ونعنى عن الذكر إنّ النص اللغوى المشرق ، ليس هو ذلك النص الجميل الأسلوب المحبوك الأفكار ، الملتهب العواطف ؛ وإنما هو ــ قبل كل شىء ــ النص الذى يحمل فى وعاء اللغة السهلة مضموناً وقيمة 000 وهو ما نفتقده فى الكثير من النصوص المختارة لطلاب المرحلة الإبتدائية.
انظر مثلاً إلى القصيدة التالية من كتاب القراءة للصف الثالث الإبتدائى ( الطبعة الأولى 1984 )
ألا طيرى ألا طيرى وغنى يا عصافيرى
ألا طيرى ألا طيرى وغنى يا عصافيرى
تعالى زقزقى عندى بلا خوف من الصيد
فإنى لستُ صياداً فغنى يا عصافيرى
تعالى لحظة نجرى ونلعب لعبة الطير
وطيرى بعدها طيرى وغنى يا عصافيرى
فى هذا النص ، قيمة معكوسة ، تخالف ما تعارف عليه العرب من أنّ الصيد رياضة ، لها آدابها، وممارسها ــ فى الغالب ــ يعتبر من " الشجعان " ، وإمّا شاعرنا فيتبرأ من كونه " صياداً " حيث يدعوا عصافيره إلى الإقتراب منه دون خوف ، ويدعوها أيضاً إلى أن تلعب معه " لعبة الطير " 000 لا ندرى 000 ولاحظ البيت الأخير الذى لا يحمل أى معنى 000 مثل هذه الأناشيد لا تتضمن قيمة أجتماعية ، لا بل إنّها تغرس فى النفوس نفوراً من رياضة حثنا عليها الدين ، والعرف وكانت إلى وقت قريب مضرب المثل فى البيئة العربية.
إنّ إختيار النصوص اللغوية يجب أن يتجاوز " اللفظة " إلى " المضمون " ؛ الذى يجب بدوره أن يركّز على الإمجاد والتقاليد العربيّة فى الماضى ، فيكرّس ما هو خيّر منها ويلفظ ما يراه إرثاً شاذاً ، وبسبب طبيعة المرحلة التاريخية التى تمر فيها فإنّ إختيار النصوص اللغوية التى تحمل مضمون مقاومة الإستعمار والصهيونية يبدو واجباً ؛ وهذه ليست بدعة جديدة فى التعليم فى أوروبا ــ أيان الحرب العالمية الثانية ــ كانت فى كل توجهاتها تدعوإلى القتال أو المقاومة ؛ وهذا ليس خروجاً على المقتضى التربوى بأى حال ، لأن التعليم يهدف فى كل مراحله إلى إنماء الإحساس عند الطفل ومن ثم التلميذ بمشاكله ومشاكل بيئته والأخطار المحدقة بها ودوره فى المجتمع أيضاً.