النظرية التربوية عند أبن خلدون
التعلّم بالتدريج ومراعاة المقدرة العقلية للمتعلم
ربط العلم بالعمل والإهتمام بالنواحى السلوكية
بقلم : أسامة فوزى
نشر في جريدة البيان - دبي عام 1984

 
إذا كان رجال التربية العرب قد تجاهلوا نظريات الغزالى التربوية لأنها وردت مختصرة فى كتابه " إحياء علوم الدين ط ولأنّ الغزالى أشتهر فى الفلسفة وعرف بها أكثر من غيرها فإننا لا نرى مسوّغاً واحداً تجاهل تربوى عملاق مثل ابن خلدون ؛ على الأقل لأنه أفرد فى مقدّمته باباً كاملاً " فى العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه " يتضمن وحده خمسين فصلاً تقع فى 101 صفحة من القطع الكبير جداً ( 2330 ) وهو القطع الذى صدرت فيه المقدمة مؤخراً ـ عام 1983ـ عن دار الهلال البيروتية.
فى المقدمة
ومع أن ابن خلدون اشتهر وذاع صيته لا لأدواره السياسية والإدارية التى لعبها فى الشرق و الغرب و إنما لأنه وضع كتاباًَ فى التاريخ يعتبر من أهم الكتب فى ميدانه وهو كتاب العبر و ديوان المبتدأ و الخبر فى أيام العرب والعجم و البربر و من عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر , الا أن مقدمة هذا الكتاب هى التى جعلت منه نجماً فى سماء الأدب و العلوم حتى أن المؤرخ الشهير أرنولد توينبى ذكر أنّ " أبن خلدون فى المقدمة التى كتبها لتاريخه العام قد أدرك وتصوّر وأنشأ فلسفة التاريخ وهى بلا شك أعظم عمل من نوعه خلقه أى عقل فى أى زمان ومكان بل وقيل إنّ فضل السبق يرجع إلى أبن خلدون فيما يتعلق بكثير من النظريات والآراء التى وردت فى كتاب الأمير لميكافللى.
أبن خلدون التربوى
ويبدو أن شهرة أبن خلدون فى العالم ؛ والتى نجمت عن ريادته فى وضع أسس علم الإجتماع ، صرفت الباحثين العرب عن الإهتمام بجانب آخر طرقه أبن خلدون فى مقدمته وهو جانب التعليم والتربية مع أنّ هذا الجانب ـ كما أسلفنا ـ غطى باباً كاملاً فى المقدمة وأحتل مائة صفحة من المقدمة التى تقع فى 374 صفحة ، ومن هنا فإن الباحث المهتم يقلّب كتب التعليم والتربية لعشرات المؤلفين العرب وأساتذة الجامعات منهم على وجه التحديد فلا يرى ذكراً لأبن خلدون وإن كان يقع على جوانب من نظراياته منسوبة إلى خواجات نقلوها بدورهم عنه.
نظريات معاصرة
والأمر الذى يجب الإشارة اليه هو أنّ نظريات أبن خلدون فى التربية والتعليم قد غطت جانباً كبيراً من النظريات المعاصرة ، وأن ما ذكره أبن خلدون يصلح الآن لأن يكون محوراً لفلسفة تربوية عربية مشتركة لأنه انطلق فى نظرياته من بيئة عربية إسلامية تحتكم إلى العقل والمنطق وعلوم النفس فى مناقشة ومعالجة قضاياها.
ففى صفحة 331 من المقدمة وفى باب " فى وجه الصواب فى تعليم العلوم وطريق إفادته" يشير أبن خلدون إلى أهمية مراعاة المقدرة العقلية للمتعلم من باب أنّ الإستعداد للتعلم عنده ضرورى وهو يتم تدريجياً.
تلقين العلوم
يقول أبن خلدون " أعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدريج شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً يلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هى أصول ذلك الباب ويقرّب له فى شرحها على سبيل الإجمال ويراعى فى ذلك قوة عقله وإستعداده لقبول ما يرد عليه حتّى ينتهى إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة فى ذلك العلم الاّ أنّها جزئية وضعيفة وغايتها أنّها هيّأتها لفهم الفن وتحصيل مسائله ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه فى التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ويستوفى الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهى إلى آخر الفن فتجود ملكته ثم يرجع به وقد شدّ فلا يترك عويصاً ولا مهماً ولا مغلقاً إلاّ وضحه وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد إستولى على ملكته "
إدراك مراحل النمو
من الواضح أن أبن خلدون يشير فى الفقرة السابقة إلى ضرورة إدراك المربى لمراحل النمو عند تلاميذه بحيث لا يتحمل المتعلمون أعباء تزيد عن إحتمال قدراتهم العقلية فى الفهم والإستيعاب ولكل مرحلة سنيّة قدراتها كما نعلم ومراعاة هذه القدرات شرط أساسى ليس فقط فيمن يقوم بعملية التعليم وإنما ـ وهذا المهم ـ فيمن يضع المنهاج المدرسى ومفرداته فى الكتب المدرسية المقرّرة ؛ بحيث يتم التدرّج فى تلقين العلوم من الأسهل إلى الأصعب ولعلّ أبن خلدون يوضح هذا أكثر فى فقرة السابقة يقول فيها :
ثلاث تكرارات
" هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل فى ثلاث تكرارات وقد يحصل للبعض فى أقل من ذلك بحسب ما ـ يخلق له ويتيسر عليه وقد شاهدنا كثيراً من المتعلمين لهذا لهذا العهد الذى أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته ويحضرون للمتعلم فى أوّل تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه بإحضار ذهنه فى حلّها ويحسبون ذلك مراناً على التعليم وصواباً فيه ويكلفونه رعى ذلك وتحصيله ويخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون فى مبادئها وقبل أن يستعد لفهمها0000 إلى أن يقول : " لا ينبغى للمعلّم أن يزيد متعلمه على فهم كتابه الذى أكب على التعليم منه بحسب طاقته وعلى نسبة قبوله للتعليم مبتدئاً كان أو منتهياً ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوّله إلى آخره ويحصّل أغراضه ويستولى منه على ملكة بها ينفذ فى غيره لأنّ المتعلم إذا حصّل ملكة ما فى علم من العلوم أستعد بها لقبول ما بقى ".
لقد تنبّه أبن خلدون المتوفى سنة1406م إلى آلية التعليم والتعلّم حين أشار إلى التدرج فيها مما يعنى أنه أدرك علاقة النمو الإنسانى العقلى بالنمو المعلوماتى ؛ وتسير آلية التعلم هذه وفق تسلسل منطقى يبدأ بالمعلومة البسيطة ، أو البدهية ، ثم تربط هذه بجوامع العلم وتكون المرحلة الثالثة خاصة بتحليل وتفسير ما يعترضه من مشكلات معتمداً على ذخيرة سابقة من المعرفة فى الموضوع نفسه.
محاور فلسفته التربوية
لقد تضمنت مقدمة أبن خلدون نظريات أٌخرى فى التربية والتعليم تمثل فلسفة أبن خلدون التربوية يمكن أن نلخصها بما يلى : ـ
أولاً : ـ يجب إستيفاء الموضوع فى فصل واحد وعدم تقطيعه إلى عناصر متناثرة فى فصول متفرقة لأن فى هذا مدعاة للنسيان000 يقول أبن خلدون فى صفحة 332 من المقدمة " وكذلك ينبغى لك أن لا تطوّل على المتعلّم فى الفن الواحد بتعريف المجالس وتقطيع ما بينها لأنه ذريعة إلى النسيان وإنقطاع مسائل الفن بعضها من بعض ".
ثانياً : ـ لا يجوز خلط علمين معاً فى موضوع واحد بمعنى أنه يدعو إلى نوع من التخصص فى العمل التربوى وهى نظرية حديثة00 يقول أبن خلدون " أن لا يخلط على المتعلّم علمان معاً فإنه حينئذ قلّ أن يظفر بواحد منهما لما فيه من تقسيم البال و إنصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهّم الآخر فيستغلقان معاًً "
ثالثاً : ـ يرى ضرورة الإبتعاد عن العنف و الشّدة وقد خصص لذلك الفصل الثانى بعد الفصول الثلاثين الأولى ـ أنظر صفحة 335 من المقدمة ـ وجعله بعنوان " فى أنّ الشّدة على المتعلمين مضّرة بهم " حيث يقول : " إنّ رهاف الحد بالتعليم مضّر بالمتعلم سيمّا فى أصاغر الولد " .
رابعاً : ـ وقد أهتم ابن خلدون بالناحية التطبيقية فى العملية التعليمية وهى نقطة أشار اليها الدكتور/ أحمد الفنيش فى وقفته السابقة مع الغزالى ؛ فليس المهم عند ابن خلدون معرفة القواعد و القوانين والإصطلاحات فى حد ذاتها وأنما المهمه المقدرة على استخدامتها و الإستفادة منها علمياً فقد فرق بين صناعة اللغة التى تكون قواعدها وقوانينها وإصطلاحاتها وبين ملكة اللغة والشخص الذى يستوعب هذه القواعد والمصطلحات بدون أن يطبقها يكون مثل الشخص الذى يتقن صناعة من الصناعات علمياً ولا يكون له أى دراية بهذه الصناعة عملياً .