المدرسة الشاملة
بقلم : أسامة فوزي
نشر في جريدة البيان - دبي عام 1984


لقد التفتت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم منذ عدة سنوات وفى معرض تصورها لإستراتيجية تطوير قدراتها وبواعثها وتكاملها وتجلى ذلك فى خبراتها وإنماط سلوكها مما يعنى أن الأنظمة التربوية الحالية القائمة على الفصل بين الجانب النظرى والجانب المهنى فى المدرسة تخالف نظريات علم النفس وتعارض أسس ومناهج التربية المعاصرة وتكرس الأنظمة التربوية المرتبطة بعهود التخلف والإستعمار.
من هنا ، أقر وزراء التربية العرب فى " المؤتمر الإستثنائى للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم " المنعقد فى الخرطوم عام 1978 مبدأ الدمج بين النظرى والعملى فى إطار واحد ، وقد أشارت مقررات المؤتمر إلى ضرورة عناية التربية بالربط بين الفكر والعمل بإعتبارها جانبين رئيسيين فى الخبرة الإنسانية وإعتبار العمل على تعدد أنواعه العملية والفكرية والإجتماعية ركيزة للتربية وجانباً رئيسياً فى محتواها وأساليبها وعناية التربية بترسيخ المواقف الإيجابية نحو العمل بإعتباره مزية إنسانية عالية وقيمة حضارية رفيعة وإهتمامه بتنظيمه والتعاون فيه وإحترام مواعيده وتحقيق الكفاية الإنتاجية له والإستماع البهيج به وعناية التربية بإعداد المتعلمين لمطالب العمل فى المجتمع وتطوراته المستقبلية وتوثيق صلاتها بمؤسساته والمساهمة فى الإستجابة لحاجات التنمية الشاملة.

أساسيات المشروع
وقد أنطلق وزراء التربية فى مقرراتهم تلك من أساسيات فرضت تفسها على العملية التربوية المعاصرة فى القرن العشرين ، منها ما يرتبط بجذور التربية فى المجتمع الإسلامى ، ثم أهمية العامل البشرى فى الإنتاج وآثار الثورة العلمية والتقنية فى تطوير أساليب الإنتاج وما أدت اليه من إستبدال طاقة الإنسان الجسمية بالطاقة المولدة من الآلات والإعتماد على القوى الإنسانية العقلية وقدراتها التنظيمية مما يتطلب حظاً وافياً من التنمية والإعداد بالتربية والتدريب المتواصل عدا عن واقع المجتمع العربى وما فيه من ضعف الإنتاجية ونقص فى الكفايات ونقص تقدير العمل وتنظيمه وواقع التربية العربية وما فيها من ضعف الصلة بمطالب العمل وضعف الربط بينه وبين الفكر وعنايتها بالجوانب اللفظية والنظرية فى التعليم والحاجة الملحة إلى أحداث تغيير ملحوظ فى هذه المجالات للوفاء بمطالب التنمية الشاملة.
التعليم المهنى
كما التفت إلى هذا الجانب وزراء التربية العرب ووزراء الإقتصاد وذلك فى مؤتمرهم الذى بدأ ينتشر فى دول أوروبا وأميركا ، فى حين لم يطبق فى عالمنا العربى الا بشكل محدود وحذر ، وفى مراكز تجريبية معدودة على الأصابع ، بخاصة بعد أن تبين أن هذه المدرسة هى الكفيلة برفد خطط التنمية القومية بالعناصر والكفاءات البشرية الفاعلة.
ويشترط فى " المدرسة الشاملة " أن تضم طلاباً من مختلف القابليات والإستعدادات والمهارات من مختلف الطبقات والبيئات بحيث تكون صورة مصغرة عن المجتمع بكل إتجاهاته ، ذلك أن هذا " الشمول " فى الكيان البشرى للمدرسة يساهم فى أحداث تفاعلات معرفية وإبداعية ، نظرية وعملية سرعان ما تخرج إلى المجتمع فى إطارها الصحيح ، الناضج ، محققة فرص التكافؤ بين الموهوبين ومستفيدة منهم إلى أقصى الحدود00 وبهذا التصور تكون المدرسة الشاملة إمتداداً طبيعياً للمجتمع وليست كياناً منسلخاً عنه.
شروط التكامل
وإلغاء للثنائية والإزدواجية التى نراها فى المدرسة الحالية متمثلة بالفصل بين ما هو نظرى وما هو عملى ، يشترط فى المدرسة الشاملة ـ ووفقاً لمناهجنا الجديدة ـ تحقيق الحد الأدنى من التكامل بين جميع الأنشطة التربوية الصفية واللاصفية وموضوعات الدراسة النظرية ، العلمية والعملية ، بحيث يساعد هذا التكامل على بناء إنسان سوى ، يفكر بعقله ويجرب بيديه.
وقد أشار الدكتور عبد العزيز البسام إلى ضرورة إكساب التلاميذ ـ فى المدرسة الشاملة ـ المهارات والإتجاهات الفكرية والفنية والعملية الممهدة للأعمال المهنية والإنتاجية00 وهذا يعنى أن تتوزع المواد الدراسية المدرسة الشاملة على عدة أقسام تشمل اللغات والإنسانيات والإقتصاد المنزلى والعلوم التجارية والفنون الصناعية والزراعية والدراسات الفنية بمختلف جوانبها.
المناهج
أن " المدرسة الشاملة " تطمح إلى الحد من الثنائية الفاصلة بين مناهج القسم العلمى ومناهج القسم الأدبى وذلك بتزويد الطالب بخلفية متينة فى الرياضيات والعلوم الطبيعية والإنسانية.
ومن المؤكد أن " المدرسة الشاملة " فى صورتها الجديدة المرجوة تحتاج إلى ثورة فى المناهج والأبنية المدرسية وطرائق التعليم أيضاً ، ومن هنا لا يمكن الإكتفاء بمدارس تجريبية ، لأن الطالب هنا سيشعر بأنه منعزل عن مجتمعه ، ولكن عندما يعتمد المجتمع كله هذا النظام ستغدو المدارس ورش عمل ، وستتغير المفاهيم والقيم بخصوص العمل اليدوى وسيتم تلاحم أكبر ، وطبيعى بين المجتمع والمدرسة ، وهذا يتطلب بالضرورة كوادر متخصصة من المدرسين ، ملمة بالأبعاد التربوية لمفهوم المدرسة الشاملة من ناحية ، وقادرة على تطويع تخصصها العلمى لخدمة المجتمع بعيداً عن التنظير البعيد عن الواقع.
أن نظام " المدرسة الشاملة " يحقق أكثر من مبدأ تربوى ومجتمعى ملح ، فهو يساعد على الجمع بين العمل والدراسة وهو يؤدى إلى تعميم التعليم مهما كانت إمكانات الطلبة وهو يربط بين التربية وخطط التنمية الإقتصادية ثم هو فى المحصلة نظام يؤدى إلى تشجيع الممارسات القيادية فى إطار مفهوم الجماعة.