الصراع بين الموجهين والمدرسين
واثره على العملية التربوية
بقلم : أسامة فوزى
نشر في جريدة البيان - دبي عام 1984


أتابع بإهتمام كبير الصراع الذى يدور بين الموجهين والمدرسين ليس بحكم إنتمائى الوظيفى لهذا الوسط وإنما لأن قراءة مؤشرات هذا الصراع تقود إلى فهم التكوين الفكرى والثقافى المأزم للإنسان العربى فى هذه المنطقة من وطننا العربى الكبير وهو تكوين يساهم فى تشكيله طرفا الصراع بشكل أو بآخر ، وقد كنت إلى وقت قريب جداً أتعاطف مع هذا القطاع لظروفه ومناخاته الوظيفية التى يعيش فيها ، ولكنى لم أتمكن من تجاهل هذا التسطيح فى تناول قضايا التربية والتعليم ، والذى يظهر جلياً فى الندوات والأمسيات التربوية كما يظهر فيما ينشر هنا وهناك ، ومن الواضح أن التصارع الذى أنتقل إلى منصة جمعية المعلمين ثم تبلور فى حوار طرشان على صفحات الجرائد يعكس حالة من الأنانية لدى الطرفين اللذين ظهراوكأنهما يتصارعان من أجل مصالحهما الخاصة البحتة ، وليس من أجل التلميذ ، الذى هو الضحية فى كل الأحوال.
كفاكم تسطسحاً للقضية
واجب ـ قبل أن أتعرض لهذه القضية بالتفصيل ـ أن أشير إلى أن إختيارى للصفحة الثالثة فى الخليج ، لتكون منبر لعرض هذا الموضوع لم يكن إختياراً عشوائياً ، لا بل أن هذا الإختيار يأتى فى إطار إصرارى على وضع القضية التربوية فى موقعها الصحيح من حركة هذا المجتمع ، بصفتها قضية ذات تأثيرات مباشرة على تشكيل الفكر الثقافى والسياسى لدى الإنسان ، وليس مجرد قضية إجرائية حول ما يجوز وما لا يجوز فى الميدان التربوى وهو الإطار الضيق الذى يصر التربويون دائماً على وضع أنفسهم فيه ، كلما طلب منهم أن يدلوا بآراء فى مستقبل العملية التربوية فى الإمارات.
وكأنى بهؤلاء يهدفون ـ من خلال الطرح ـ إلى تهميش قضايا التربية وتسطيحها ، وعرضها فى إطار هزيل لا يتجاوز مسألة الصراع بين مدرس وموجه على تقرير موضوع أو لا لائحة تقويم مازالت تحتاج إلى تغيير فى مفرداتها.
ومن متابعتى لما دار من حوار هامشى مسطح فى جمعية المعلمين ، ومن ثم إنعكاسات هذا الحوار على الساحة التربوية ، ابدأ بمناشدة أطراف الحوار أن يكفوا عن هذا التسطيح والتهميش للقضية ليبدأو بطرحها وفق مداخيلها العملية والقومية والإسلامية الصحيحة.
الموجهون هم المتهم الأول
وبادىء ذى بدء أحب أن أقول أن جهاز التوجيه فى الوزارة يتحمل مسؤولية ما يدور الآن فى الوسط التعليمى من صراع ، ليس من خلال الممارسات غير التربوية التى يقوم البعض داخل المدارس فحسب وإنما ـ وهو المهم ـ من خلال تلك التصريحات والكتابات غير التربوية وغير المسؤولة ، التى يقوم بها موجهون تربويون نسوا فيما يبدو أنهم قدوة حتى فى صياغة ( دردشاتهم ) الصحفية00 وأظن أنه ليس من المنطقى أن نطالب المدرسين بالسكوت وعدم الرد بالقاضى ليس له الحق فى أن يشكو ( المتهم ) ـ وهو المدرس ـ فيما لو فكر بالرد00 وهذا ينسحب على مقولات الموجهين التى تعترف بتسرب غير المؤهلين لمهنة التوجيه أو التى تحاول أن تضفى شرعية تربوية على ممارسات لا تتسق وأية نظرية تربوية فى العالم مثل الإستماع والتنصيت من وراء الجدار00 فهؤلاء لا يحق لهم أن يطلقوا مثل هذه المقولات علنا ثم يتباكون بدعوى أنهم يتعرضون للهجوم من قبل المدرسين والمثل الشعبى ( ضربنى وبكى ، وسبقنى وإشتكى ) هو أفضل ترجمة لحال أصدقائى الموجهين ، وأقول أصدقائى لأنى أرتبط فعلاً مع عشرات منهم بصداقة قد لا أمتلك مثلها مع آخرين.
اللوائح هى المتهم الثانى
الا إننى بالمقابل أعذر الموجهين فيما يتعرضون له من نقدات لأن جهاز التوجيه مازال ـ فى شكله الحالى ـ يدور فى أطر بوليسية حيث لم يتطور فعلياً الا بالإسم ، عندما أستبدلت وظيفة عنصره من ( التفتيش ) إلى ( التوجيه ) كمسمى وظيفى وليس كمهمة تربوية فالتوجيه مازال ـ كما كان الحال فى السابق ـ يبدأ بمداهمات تفتيشية للمدارس تنتهى بكتابة تقارير فنية قد تهدد مستقبل المدرس وقد تعوق ترقيته00 ولا تكتسب زيارات الموجهين قيمة تربوية تذكر ، ومن ثم لا تنعكس على المدرسين أو الطلاب بأية صورة ملموسة00 وبهذا يفقد جهاز التوجيه فعاليته ودوره التربوى الريادى ويتحول إلى جهاز رقابة ، يمد الوزارة بمعلومات ضئيلة جداً عن بعض المدرسين غير الصالحين للعمل وهى مهمة مطلوبة على أى حال ولكن لا أظن أن الوزارة قد أوجدت جهازاً بهذه الضخامة من أجل تحقيق نتائج بهذا المستوى.
بيوتات الخبرة00 أين
لقد بات معروفاً فى أوساط التربويين أن جهاز التوجيه هو حلقة الوصل ( الفنية ) بين الميدان وبيوتات الخبرة التربوية العالمية وأن الموجه هو حقيقة الأمر خبير تربوى مهمته الأولى النهوض بمستوى الأداء عند المدرس من خلال مده بالخبرة التربوية وليس من خلال مطاردته وتصيد بعض ما يقع فيه من أخطاء ، ثم عليه أن يقوم بمهمة أخرى ( راجعة ) وهى نقل مشاكل الميدان إلى بيوتات الخبرة من خلال الوزارة طبعاً لوضع الحلول ومن ترجمتها على أرض الواقع وقياس مردودها التربوى تمهيداً لتعميم التجربة00 وهذه العملية تتطلب قدراً من الخبرة والإطلاع والدراسة عند الموجهين ، وليس فقط الركون إلى ما خبروه وعرفوه وجربوه فى حياتهم ، فقد تكون التجارب مختلفة وقد تكون البيئات متغيرة ، وقد يفشل الآن ما كان ناجحاً بالأمس وبالمقابل قد ينجح ما فشل.
تحقيقاً لهذه المهمة يجب أن يلغى جهاز التوجيه فى صورته الحالية بما فى ذلك إلغاء نظام التقارير ، كما يجب إلزام الموجهين بالعمل الميدانى فى المدارس ويفضل إستحداث وظيفة ما يسمى بالموجه التربوى المقيم ، الذى يكون دائماً فى المدرسة على تواصل يومى مع الميدان ، ولا بأس من أن يقوم بأخذ نصيبه من الجدول اليومى ، ليكون أكثر قرباً من المناخ النفسى للطلاب بخاصة وأن الموجهين فى مجملهم تركوا مهنة التدريس منذ زمن بعيد ، وإقتصرت خبراتهم الميدانية على أعمال شبه إدارية أفقدتهم القدرة على إكتشاف العناصر الجديدة فى العملية التربوية وفى الفصل الدراسى وعلى رأسها التكوين النفسى والإجتماعى الجديد للطلاب وهو تكوين لا يصلح معه بأى حال نظام التفتيش أو أسلوب الكتاتيب الذى يرفع شعار ( العصا ) كوسيلة تربوية ناجحة وهو الأسلوب الذى أعتاد عليه الموجهون وأخص منهم بالذكر الكبار فى السن.
البدائل
لكن هذا الطرح يستدعى إيجاد البدائل التى تضمن قياس الأداء عند المدرسين وفرز الصالح منهم وطرد الصالح ، بخاصة وأن إلغاء التقارير يفقد الوزارة وسيلتها الوحيدة فى معرفة الفروق الفردية بين المدرسين00 وهنا تبرز ضرورة التدقيق فى عملية التعيين ، لأنها المسؤولة عن تسرب أعداد كبيرة من غير المؤهلين لمهنة التدريس ومن ثم تجد الوزارة نفسها ملزمة نفسها ملزمة بالإعتماد على جهاز ( التفتيش ) وزيادة عدد عناصره من أجل مطاردة هذا التسرب وإكتشافه00 وغالباً ما يعجز جهاز التوجيه عن القيام بهذه المهمة لأن تفاصيل الميدان وحيثيات التركيبة غير المتوازنة فى القاعدة تسمح للعناصر المتسربة بالذوبان فى المجتمع المدرسى والتستر وراء النشاطات وتقارير النظار وربما شبكة العلاقات الإجتماعية التى ينجحون فى نسجها مع مراكز الثقل ، والتى تبدأ غالباً بالموجه ،
المتسربون من يكتشفهم ؟
وأظن أننا لو دققنا فى قنوات التعيين لمنعنا هذا التسرب أو قلنا منه ، وتصبح عملية إكتشافه سهلة ، شريطة أن توكل هذه المهمة لخبراء من خارج جهاز الوزارة ، ويفضل أن توكل لهؤلاء أيضاً مهمة إكتشاف المتسربين إلى التوجيه أيضاً بخاصة وأن بعض الموجهين قد أعترفوا بوجود تسرب فى أوساطهم والذى نعلمه الآن أن تقرير الموجه يوضع من قبل الموجه الأول ، فمن يضع ـ إذن ـ تقرير الموجه الأول ثم ما المعايير الفنية التى يحتكم إليها الموجهون الأوائل فى وضع تقاريرهم الفنية عن الموجهين بخاصة وأننا لا نرى زيارات مشتركة تجمع بين الموجهين ـ الميدانيين والأوائل ـ فكيف يتسنى للأوائل أذن قياس أداء الموجهين فى الميدان ؟!
المدرسون هم المتهم الثالث
ونعود إلى مشكلة تعيين المدرسين فنقول أنه بات من الواجب إعادة النظر فى القنوات التى تزود الميدان بهم وهى على أنواع 00 فهناك التعيين الفورى للمواطنين وهناك أسلوب الإعارة ثم أسلوب التعيين بعد إجراء المقابلات00 وكل هذه القنوات تحتاج إلى ضبط حيث ثبت أنها ليست الحل الأمثل لإيجاد المدرس المناسب فى زمن أصبح فيه المدرس الجيد من القطع النادر وأسلوب الإعارة على وجه التحديد هو أخطرها00
ذلك أن الإعارة لا تخضع لرقابة وإنما تترك لمواصفات تضعها الدول المعيرة والتى لا تهتم بمستوى المرشح للإعارة بقدر ما تهتم بتوافر شروط الأسبقية أو الولاء أو شروط ( الواسطة ) وكلها معايير تحتاج إلى غربلة من خلال لجان مختصة يجب تشكيلها بالإتفاق مع الدول المعيرة والا تكدست المدارس بالمعارين ، الذين يذبون فى الوسط التعليمى فور وصولهم ، تحميهم بذلك إتفاقات ثنائية من الواضح أن ضررها أكبر من فائدتها.
وهذا ينسحب على لجان المقابلات التى تطوف كل عام فى الأقطار العربية وتعود بعدد من المدرسين يتبين فيما بعد عدم صلاحيتهم للعمل وما يروى عن هذه اللجان وأساليبها فى إختيار المدرسين جدير بأن يعاد النظر فيه ، فالمدرس الجامعى الذى يطلب منه أن يعدد أسماء أخوات كان أمام اللجنة ليس بالضرورة أفضل من المدرس الجامعى الذى ينسى فى رهبة المقابلة هذه الأسماء وبالتالى من قال أن الذى نسى لا يصلح للتدريس ، بخاصة وأن رهبة الإمتحانات تجعل المرء ـ أحياناً ـ ينسى أسماء أخواته فكيف بأسماء أخوات كان ؟!!
الأبناء هم الضحايا
أن الحوارات الأخيرة التى دارت بين المدرسين والموجهين والتى أتسمت بتبادل الإتهامات كان يمكن لها أن تنضج وتتبلور لتتحول إلى قضية تربوية حية ترفد الساحة التعليمية بخبرات وآراء وإجتهادات جديدة ، لكن أطراف الحوار سرعان ما قاموا بتسطيح القضية وبتفريغها من مضمونها من خلال تهميشها والنظر إليها من زاوية المصلحة الخاصة والدفاع عن الوظيفة وليس من زاوية مصلحة الأبناء وهم الضحايا فى المحصلة ، وأظن أن الحوار اذا ما أستمر على سطحيته تلك سوف يؤدى إلى زعزعة الثقة بالجهاز التربوى00 ومن ثم سيؤدى إلى تكريس الصراع والشقاق بين طرفين أوجدتهما الدولة لخدمة الأبناء وليس للقضاء عليهم.
ومع أننا نتفق بأن هناك عدة أطراف أخرى تتحمل مسؤولية ما يدور على الساحة الآن ، مثل ( النظار ) إلا أن قطبى العملية التربوية وهما المدرس والموجه يتحملان الجزء الأكبر من المسؤولية فهل نعى ذلك , ونكف عن هذه الممارسات أم ندعو ألى تحييد القطبين و طرح مشكلتهما على خبراء التربية من خارج الكادر الوظيفى للوزارة وفى هذه الحالة يكون لزاماً على هؤلاء أن يلبسوا ما يفصله لهم الأخرون !
تلافياً للثنائية التى بدأت تظهر بين التعليم المهنى والنظرى فى أنظمتنا التربوية والتعليمية ، وإدراكاً لمسببات هذه الثنائية وعواملها وظروفها ، يطرح خبراء التعليم فى عصرنا الحديث مشروع " المدرسة الشاملة " كحل جذرى وأساسى وحيد لمشاكل التربية والتعليم المتوارثة منذ عهد الإستعمار.