From : sari sammour <s_sammour@hotmail.com>
Sent : Thursday, October 14, 2004 5:23 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com

 


عملية طابا ... معلومات ودلالات
بقلم : سري سمور/جنين/فلسطين
14/10/2004م
 


إذا أردت الحصول على معلومة تتعلق بأي فرع من فروع المعرفة أو العلوم المختلفة فعليك بقراءة كتاب أو سؤال متخصص أو متابعة برنامج تلفزيوني يتعلق بالموضوع أو مراجعة أحد مواقع الانترنت ؛ولكنك لن تستطيع الحصول بالطرق المذكورة على أي معلومة تريدها حول حجم التغلغل الأمريكي والإسرائيلي في بلاد العرب إلا إذا حدث حادث كبير أو وقعت عملية كبيرة.

فمثلا حتى تعلم أن هناك قوات أمريكية ترابط في بلاد اليمن السعيد فعلى مجموعة من الشبان أن يبحروا بزورق ملغوم ويضربوا به المدمرة الأمريكية "كول" لينتشر خبر الحدث وتعلم تلقائيا بوجود مدمرة تبلغ تكاليف إعادتها إلى الخدمة حوالي عشرين مليون دولار فقط لا غير!

أما إذا أردت أن تعلم أن طابا لم تعد إلى السيادة المصرية الحقيقية ولا ما يحزنون وأن عشرات الألوف من "أبناء العم" يدخلون إلى سيناء لينعموا بالهدوء والراحة وليتمتعوا بالشمس ومياه البحر الأحمر ومنظر أشجار النخيل فما من سبيل لهكذا معلومة إلا بوقوع تفجيرات كالتي وقعت في الأسبوع الماضي ليلة الخميس/الجمعة 7-8 تشرين أول أكتوبر.

لقد أصبح اكتشاف الحقائق أو بالمعنى الأدق انكشاف عورات الأنظمة العربية مرتبطا بوقوع مثل هذه الحوادث،والناس لم يعودوا بالسذاجة التي تجعلهم لا يتنبهون أو يتساءلون في ظل الضجيج والصراخ حول من الذي نفذ؟وإلى أي جهة ينتمي؟وما هي جنسيته؟عن الجانب الآخر من الموضوع أي لم هؤلاء هناك أصلا؟ومن هم بالضبط؟وبأي صفة هم موجودون هناك؟فهذه الأسئلة تتولد في رؤوس المواطن العربي ربما قبل الأسئلة حول المنفذ وانتماءاته،بعد ضرب"كول" طرحت أسئلة عن حجم الوجود العسكري الأمريكي في اليمن وعن عدد السفن الحربية على شواطئ هذا البلد،وبعد عملية فندق هيلتون طابا الأخيرة تطرح أسئلة عن مدى السيادة المصرية على تلك المنطقة وعن حجم "الزوار" الاسرائيليين الذين يعبرون الحدود إلى سيناء "المحررة" وفق اتفاقيات كامب ديفيد،فهذه الأسئلة يتم طرحها على أكثر من صعيد فقد انتهى زمن الاستغفال والاستهبال للأمة.

دلالات هجوم طابا

أنا هنا لن أتبنى (وربما من الخطأ أن أفعل) نظرية المؤامرة التي تروج لكون جورج بوش الابن يقف وراء عملية طابا لدعم حملته الانتخابية!أو أن شارون نفذ العملية ليكون هو وأمريكا في سلة المستهدفين من "الإرهاب الإسلامي العالمي" لأنه لو نظرنا إلى هذه الفرضيات من الزاوية الأخرى فإن الحدث يؤكد أن العالم لم يعد أكثر أمنا بعد غزو العراق وهي ورقة قد يستخدمها خصم جورج بوش لتصبح ضده لا في مصلحته،أما شارون فهو ينام باطمئنان على الصدر الحنون للولايات المتحدة التي تمنحه شبكة من الدعم لم يحظ بها أي رئيس وزراء إسرائيلي من قبل ولا توجه أمريكا حتى نقدا كلاميا له ونحن لم ننسى الفيتو الأخير في مجلس الأمن ؛فهل يحتاج شارون لمثل هذه المغامرة لذا أرى من الأفضل لنا ترك نظرية المؤامرة ومعها كل الحكايات والقصص والسيناريوهات والتخيلات جانبا.

ليس مهما إن كان تنظيم القاعدة أو غيره من الحركات والتنظيمات التي ترتبط به منهجيا أو أيدولوجيا هو من يقف وراء تنفيذ العملية بقدر أهمية كون من نفذ العملية ليس فصيلا فلسطينيا وهذا يؤسس لنظرة أبعد عمقا في اتساع رقعة الحرب والصراع مع الكيان العبري كما أن هناك العديد من الملاحظات على العملية وآثارها منها:-

1) إن من يقيم في فندق هيلتون طابا السياحي ليس من فئة "الكحيانين"الفقراء بل من شريحة غنية ومؤثرة في المجتمع الإسرائيلي وتلعب دورا في صنع القرار خاصة على المستوى الاقتصادي والسياسي وحتى الأمني للكيان العبري بغض النظر عن عدد القتلى والجرحى "فالكم" هنا ليس مهما بل "النوع".

2) لقد خرج العرب رسميا من المواجهة في صراع حمل اسم الصراع العربي-الإسرائيلي ليغدو صراعا فلسطينيا-إسرائيليا ودفع الشعب الفلسطيني ضريبة هائلة من الدم والتشرد والقهر والإذلال وكلما طال أمد الصراع كان الفلسطيني يزداد وحدانية في مواجهة المشروع الصهيوني ،ولكن هذه العملية تبين أن العرب انسحبوا من الصراع على المستوى الرسمي أما على المستوى الشعبي فما زالوا متواجدين وبأن الشعوب لا توافق حكامها في نظرتهم لهذا الصراع،أما من يقول أن من ينفذ هذه الهجمات هم قلة لا تعبر عن مشاعر الشعوب فيكذبه "برود" السلام المصري-الإسرائيلي على المستوى الشعبي وحجم التعاطف الكبير مع المقاومة الفلسطينية في البلاد العربية.

وبالمناسبة فإن الأوساط الإسرائيلية تتحدث بقلق عن هذه الظاهرة وهي تعلن صراحة أن العرب كأنظمة لم يعد هناك خطر من جانبهم لا سيما بعد احتلال العراق ،لكن من تسميهم "بالجماعات الإرهابية" في البلاد العربية هم الخطر الذي يتهدد الكيان العبري في المرحلة الحالية.

3) دخول لاعب جديد في هذا الوقت وبهذا الأسلوب الصاخب القوي المحكم التنفيذ على حلبة الصراع سيقلب الكثير من الموازين والحسابات،فإن كانت إسرائيل تقاتل على جبهة واحدة بعد انسحابها من جنوب لبنان فإن مثل هذه الأعمال تعطي إشارة قوية بأن هذا الأمر ليس إلى ما لانهاية وبأن هناك من لديه الاستعداد والقدرة لإيلام الإسرائيليين في الأماكن التي يعتقدون أنها آمنة وبطريقة أعنف وأشد دموية من الفلسطينيين على الأقل في الوقت الحاضر.

4) هنا تطرح تساؤلات حول الوعود الشارونية بتحقيق الأمن للإسرائيليين،ولكي نكون واقعيين فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية وبناء الجدار الفاصل قد قللت من عدد العمليات داخل الخط الأخضر بشكل كبير،لكن صواريخ القسام دخلت كأسلوب جديد ومؤثر ليس بحجم ما توقعه من قتلى أو خسائر مادية بقدر الانعكاسات النفسية الهائلة على الجانب الإسرائيلي وهو ما دفع رئيس بلدية "أسديروت" لإبداء استعداده لعقد هدنة مع الجانب الفلسطيني ،ومما يقلق الجانب الإسرائيلي وهو أمر يظهر جليا في صحافتهم هو انتقال أسلوب صواريخ القسام إلى الضفة الغربية بحيث يفقد الجدار أهميته الأمنية ،ولكن لنفترض جدلا أن صواريخ القسام لم تنتقل إلى الضفة الغربية وتوقفت عن الانطلاق من قطاع غزة فهل تحقق الأمن للإسرائيليين؟إن عملية طابا تسحب الشعور بالأمان النسبي الذي كان ينعم به الإسرائيليون خارج فلسطين وسيزداد شعور هؤلاء أنهم أصبحوا أهدافا تفتح شهية جماعات ليست فلسطينية بالضرورة،إذن ما فائدة ما قام به شارون من عدوان ضد الفلسطينيين ما دامت النتيجة هي انعدام الأمن حتى خارج بؤرة الصراع؟

5) أود الحديث عن مصر ففي الآونة الأخيرة تم تصوير مصر على أنها دولة نجحت من خلال الأساليب الأمنية بالقضاء على مظاهر العنف والتطرف و"الإرهاب" وان على أي دولة عربية تواجه هذه المظاهر عليها اقتداء أسلوب مصر ولكن هذه العملية تخلق معادلة جديدة ،فالمستهدفون هاهنا ليسوا سياحا أوروبيين أو آسيويين ولا رجال أمن ومنشآت وان قامت مصر باستخدام أسلوب "العصا الغليظة" فإنها ستقع في حرج شديد بسبب طبيعة أهداف المهاجمين والمزاج الشعبي العام بعد المجازر التي ينفذها الإسرائيليون ضد الفلسطينيين.

في النهاية لا يمكن التكهن في الوقت الراهن بما إذا كانت عملية طابا "طفرة"أو "سحابة صيف" أو جبهة جديدة من جبهات الصراع فتحت ولن تغلق.

و يجب أن لا يفوتنا أن شارون بدأ بنقل حربه إلى الخارج من خلال ضرب مواقع سورية ولبنانية واغتيال أحد قادة حماس في دمشق ومحاولة اغتيال خالد مشعل الأخيرة معتمدا على ما يبدو على حسابات سوريا الدولية والإقليمية وعلى سياسية واستراتيجية حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى بعدم القتال خارج فلسطين،ولكن يبدو أن هناك من لا يقيم وزنا للحسابات الدولية ولا يعرف حدودا للصراع ويستطيع الضرب وإشعار الآخر بالألم وفقدان الأمن وهنا ستتحول الدول العربية إلى ساحة حرب مفتوحة بين الإسرائيليين والعرب الناقمين على السياسية الأمريكية وتقاعس حكوماتهم عن نصرة إخوانهم الفلسطينيين رغم عدم رضا النظم الرسمية العربية عن الدخول في هكذا مواجهة،وإن صحت الأنباء بأن القاعدة هي من يقف خلف هجمات سيناء فإن إسرائيل أمام خصم قوي وذكي وإن ضرب أوجع!