From : sari sammour <s_sammour@hotmail.com
Sent : Friday, October 8, 2004 2:28 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com






لا ندم رغم "أيام الندم"!
بقلم : سر ي سمور/جنين /فلسطين
خاص بعرب تايمز
Saturday October 23, 2004



ينتابني شعور بأن الكلمات تولي هاربة مني وأن الجمل التي أحاول تركيبها تبدو متلعثمة مذهولة وكلما أمسكت بأطراف الكلام شعرت أن الكلام حائر أو يغمره الخجل ويلفه العجز عن التعبير عن المشهد الدامي وبرنامج القتل الرهيب الذي يتم عرضه على مدار الساعة أمام جمهور تبلدت أحاسيسه وماتت مشاعره وغدا كأنه يبحث عن الإثارة والتسلية لمشاهد حقيقية بعد أن سئم من خيال ما ينتجه صناع السينما!

الرصاص الذي اخترق جسد إيمان الهمص وعشرات الشهداء الذين يسقطون تباعا والبيوت التي يتم هدمها وتسويتها بالأرض ومشاهد الجرحى الذين تكتظ بهم أسرة المستشفيات والتشوهات تملأ أجسادهم،والصمت العربي المخزي والعجز والارتباك الفلسطيني الرسمي والفيتو الأمريكي الغير مستهجن ممن يحرقون سامراء والفلوجة ومدينة الصدر،كل هذا التدافع والزخم في أحداث الأيام الماضية خلق عندي شعورا بلا جدوى الكلام؛لكن من عاش أحداثا مشابهة لما يجري في جباليا لا يمكنه البقاء صامتا ولأن الصراخ بمداد القلم هو وسيلتي وحيلتي فلا أقل من ذلك...

من يندم ولماذا؟!

أيام الندم!...لا أدري لم اختار الجنرال العجوز شارون ووزير دفاعه موفاز ورئيس أركان جيشه يعلون هذه التسمية لعملية القتل المبرمجة في شمال قطاع غزة.

هؤلاء الفقراء في مخيم جباليا الذين تم تأجيل بحث قضيتهم إلى "مفاوضات الوضع النهائي" شأنهم شأن ملايين من شعب أكثر المنتمين إليه من فئة اللاجئين ولفترة لجوء تجاوزت النصف قرن ببضع سنين،هؤلاء المسحوقون اجتماعيا والذين يسكنون بيوتا ليس لها من التسمية إلا اسم البيت في القرن الحادي والعشرين،عادة يستخدم تعبير "علب السردين" لوصف الاكتظاظ في المساكن غير أني أرى هذا التعبير غير كاف لوصف حال مخيم جباليا وسائر مخيمات اللجوء في الوطن والشتات،ما الذي يريد شارون أن يجعلهم يندمون عليه؟! ألأنهم ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا رأس حربة في وجه مشروع يستهدف ملايين العرب والمسلمين ولم يتحولوا إلى أدوات لهذا المشروع؟أم لأن كفهم لاطمت المخرز الصهيوني بواسطة صواريخ وقذائف محلية الصنع ولم ترتفع من بين بيوتهم البسيطة راية بيضاء؟!أم لأنهم وبعد مرور عشرات السنوات لم ينسوا عسقلان والمجدل وأسدود واللد والرملة ويبنة وبئر السبع وكل القرى المجاورة لهذه الأسماء التي لا يتقن الرسميون من العرب والفلسطينيين إلا نسيانها وتجاهل وجودها؟!هل "أيام الندم" هي ضريبة الذاكرة الحية لهؤلاء،وهل شظف العيش الذي لا يصبر الصبر عليه هو ثمن التمسك بالأصل والحلم بالعودة مثلما كان حال إخوانهم في مخيم جنين حيث أننا لم ننسى حيفا وقراها ونسيم بحرها وهواها ولم ننسى بيسان وسهل زرعين ،هل يريد شارون مسح ذاكرة اللاجئين الفلسطينيين باستخدام كل ما أنتجه عقل البشر من آليات للقتل والدمار وزرع للخراب من الجو والبر وحتى البحر؟هل يتوقع شارون منا نسيان الكارثة ولا أقول النكبة!فنحن الذين حلت بنا الكارثة التي لا تزال متواصلة،أما "كارثتهم" فقد قبضوا تعويض مئة كارثة ولم يشبعوا!

مسؤولون ومواقف!

لكم كنت أتمنى أن أرى وزيرا أو مسؤولا يطرح أسئلة مشابهة لا سيما أن العديد من وزرائنا ومسؤولينا ينحدرون من هناك من أرض الكارثة الأولى عام 1948م لكن بريق السلطان الزائف وطبيعة العيش المختلفة تماما عن الحياة في مخيم جنين ومخيم جباليا جعلت كلام هؤلاء وكأنه من لغة لا تفهمها جماهير المخيمات والمدن والقرى التي يتم تدميرها.

من من الوزراء أو المسؤولين قضى نحبه شهيدا؟من منهم استشهد ابنه؟ من منهم يعاني من الحصار وإغلاق الطرق؟ من يعاني من نقص الأموال والثمرات؟من منهم تخرج ابنه أو ابنته من الجامعة بحيث لا يجد أو تجد عملا بوظيفة أقل من مدير؟ هناك قائمة طويلة من الأسئلة الغاضبة والصريحة وهي أسئلة تترجم أجوبتها تلك اللغة الغير مفهومة التي نسمعها منهم.

الإناء بما فيه ينضح!

في غمرة الحملة الدموية التي تستهدف الإنسان والأرض والزرع يخرج علينا من يطالب بوقف الانتفاضة وبوقف إطلاق صواريخ كروز(عفوا القسام!) على المستوطنات من أجل سحب الذرائع من شارون ولحماية الشعب الفلسطيني أرواحا وممتلكات،ولكن كل هؤلاء لم يفقدوا روح عزيز عليهم ولا بيتا أو قصرا من قصورهم أو سيارة من سياراتهم الفارهة فبأي صفة يتكلمون وباسم أي من الشهداء يتحدثون؟!

لقد تقيأ هؤلاء ما بجوفهم وعبروا عما يجول بخاطرهم،ولكن هناك من عبروا بطريقة مختلفة ؛لقد ظهروا على شاشات الفضائيات ولكن للمرة الأخيرة قبل أن يقتحموا بأسلحتهم الخفيفة التي لم تصدأ من قلة الاستعمال ولم تتلوث بدماء أبناء شعبهم تحصينات ومستوطنات من يريدون مسح ذاكرتهم وطمس هويتهم،لقد ابتسموا للموت وسالت منهم دماء بقداستها وطهارتها تطمس كل المقالات التي يكتبها الليبراليون العرب أو ما يخرج من أفواه الرسميين من هنا وهناك ...فكل إناء ينضح بما فيه.

لقد آن الأوان لمن يدفع ضريبة الدم ويرشح منه عرق المواجهة ويواجه "أيام الندم" بأن يجعل الآخر يندم آن لهؤلاء أن يكونوا هم من يتحدث باسم فلسطين وشعب فلسطين لأن هؤلاء هم روح فلسطين الحقيقية وضمير شعبها الصابر المجروح وليس غيرهم من الأدعياء الذين نسمع منهم جعجعة ولا نرى طحنا!!