From : raid abdelrazek <raidzk2000@yahoo.com
Sent : Wednesday, July 28, 2004 4:23 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com


أعيدوا الدين لله
رائد عبد الرزاق
خاص بعرب تايمز


لا أعرف بالضبط ما الذي جعلني أفتكر الحدث ، ربما موقف ما أو موضوع قرأته هنا أو هناك ، أو نقاش مع زميل ، المهم لست أذكر ، و ما أذكره هو أنه تفجرت قبل حوالي عام ( أكثر بقليل أو أقل ) قضية " زواج فرند " ( على وزن بوي boy و جيرل girl فرند ) و لمن لم يسمع بالأمر أفسر قليلاً ، في الغرب يوجد لكل شاب صديقة حميمة و لكل فتاة صديق حميم يكون قريباً منه من الأكل و الشرب و الدخول و الخروج و الذهاب و الإياب ، وصولاً لدرجة ممارسة الجنس بعلم الوالدين و في منزل الأسرة ، هؤلاء يدعون " البوي فرند " أي الصديق الذكر للفتاة أو " الجيرل فرند " الصديقة الفتاة للشاب ، بحيث يكونا كالأزواج لكن دون روابط محددة و دون مسؤوليات متفق عليها .

أيضاً في الغرب عدم وجود " البوي أو الجيرل فرند " لشاب أو فتاة ما يمثل مصدر قلق شديد للأبوين ، لأنهما يعتبرا غياب ذلك الشخص علامة خطر ، فهما يريا عندئذ بأن ابنهما أو ابنتهما غير طبيعيين بدون صديق أو صديقة حميمة ، هذا و لا يتردد الآباء في استشارة الأخصائيين النفسانيين لحل تلك المشكلة عند أبنهما أو بنتهما .

هذا و كما يعلم الجميع تعج بلاد الدنيا و مضارب الأرض بالعرب و المسلمين و منهم عدد كبير لا يستهان به في دول الغرب ، أبناء و بنات ألائك العرب يعيشون الى حد ما كما يعيش أبناء تلك الدول من جيلهم ، و ذلك أمر طبيعي لأن للبيئة و المجتمع قسط كبير في بناء تركيبتهم الفكرية ، و كثيراً ما يفاجأ الوالد أو الوالدة اللذين لم يأتيا للغرب بمحض ارادتهما ، بل هروباً من واقع سيئ مرير في بلدهم العربي الحزين و بحثاً عن حياة كريمة عند الأغراب الأعداء ، غالباً ما يفاجآ بوجود صديق حميم لابنتهم أو صديقة حميمة لابنهم تماماً كما شباب جيلهم في المنطقة ، فيدب الخلاف بين الآباء و الأبناء ، و يدافع كل عن رأيه بشراسة :

* الأب بقيمه التي رضعها مع حليب أمه .
* الأبناء بقيم الشعوب التي عاشوا وسطها .
و لا تحل المشكلة الا باعادة الأبناء للدولة العربية قسراً ، أو بانشقاق الأبناء عن أهلهم و استقلالهم بحياة خاصة بهم و القانون يحميهم هناك ، و هنا نشأت معضلة كبيرة ، و لم يفكر أحد في حلها بشكل موضوعي .

فالبعض ينادي بتعليم الأبناء القيم السامية العربية في دول المهجر ، لكنهم كمن ينفخ في الهواء أو في بالون مثقوب ، حيث أنهم لم يضعوا في الاعتبار أن الشاب و الفتاة يقضيا خارج المنزل وقتاً أضعاف ما يقضونه بالبيت و بالتالي للمجتمع و البيئة عليهما تأثيراً بالغاً رغماً عنهم و ليس بارادتهم ، بالاضافة لعدم وجود نموذج اقناع لدى الآباء ، فكل ما عند العرب تخلف و تراجع يعيد انتاج تخلفاً ، فكيف يقتنع الشاب في بلاد لا حدود للحرية فيها بأفكار جدته المقيدة ؟

كما أن الأبناء في دفاعهم عن أنفسهم و عن أفكارهم يهاجمون آبائهم و أمهاتهم بقولهم : لماذا أتيتم للغرب اذا كانت قيمهم و طريقة معيشتهم لا تعجبكم ؟ أليس هرباً من حياة أسوأ في بلدانكم العربية أصلاً ؟ فيقف الوالدان عاجزين عن الرد .

و بقي الأمر معلقاً الى أن فجر الامام العلامة الزنداني ، الشهير جداً بقضايا الاعجاز في القرآن و التفسير المنهجي العلمي الموضوعي لكثير من الآيات لتلتقي التقاءً ساحراً مع الحقائق العلمية لتتجلى عظمة الخالق و تتفق مقولة الدين و العلم لا يختلفان ، أقول فجر هذا العالم فتوى أو قضية ضرورة وجود شيئ اسمه " زواج فرند " و ذلك لحل مشكلة البوي و الجيرل فرند لأبناء الجاليات المسلمة في الغرب ، حيث يصادق كل شاب فتاته و كل فتاة شابها كما تريد و يمارسا الجنس كما يحلو لهما ، لكن بوجود عقد زواج شرعي لحفظ الأنساب و عدم التلاعب ببنات الناس .

فور اصدار تلك الفتوى هاجمت هذا العالم الفاضل بعض المرجعيات الدينية العليا لبعض الدول التي تدعي أنها تنتمي للاسلام ، كانوا أيضاً قد انفجروا ضد الامام القرضاوي عندما فجر موضوع زواج " المسيار " و كانوا هاجموا شيخاً أباح للمغتربين التعامل مع البنوك الربوية في الغرب لأنه لا يوجد خيار آخر أمامهم ، كما أنهم هاجموا شيخاً دعى الفتاة العربية في المهجر لوضع طاقية بدل الخمار و لبس تنورة طويلة بدل الجلباب لتفادي مشكلة الحجاب في الشارع الغربي ، لماذا ؟

لماذا انفجروا و أقصد خاصة السلطات الدينية ؟ الانفجار كان لأنه هناك من تجرأ و اقترب من الدائرة المكهربة ، أو من أحد أضلاع المثلث الرهيب الممنوع عند العرب و المسلمين عامة و أقصد ثلاثي " الجنس ، السياسة ، الدين " فنحن عندما يقترب منا شخص من الحديث في السياسة و العوم عكس تيار نظام الحكم فوراً تجد أجهزة المخابرات المخزية و المخصية تتهمه فوراً بالتآمر على أمن الدولة و محاولة الانقلاب ضد الرئيس الملهم المبارك و المنزل ، أيضاً من حاول طرح موضوع له علاقة بالجنس فوراً تجد أيضاً من يتهمه بالفساد الخلقي و الانحلال الأخلاقي و الترويج لأفكار الغرب المنحل بهدف زعزعة بنية المجتمع العربي الأبي المهزوم من القاع الى النخاع ، كذلك الأمر بالنسبة للدين فهو حكر و ملك فقط لمن تربى في أحضان شيوخنا المباركين و باركه السلطان المنزل و أخذ لقب المشيخة و هم تقليديون جداً لم يجرؤ ، بل و لن يجرؤ أياً منهم على الاطلاق على الغوص في أعماق موضوع من المواضيع الشائكة و الحساسة و التي تنتج عن تطور الحياة .

الدين ليس ملكاً لأحد من الخلق ، هو لله وحده ، و كلنا من أصغرنا لأكبرنا نسعى للفهم الأوسع و الأفضل له ، لذا لا يحق " لسيدي الشيخ " الاعتراض ان قدمت له رأياً معارضاً أو مخالفاً و عليه أن يقنعني بعد أن يسمعني جيداً ، لكنه من الأساس لن يسمعني لأنني لست من أتباع العمامة و الجبة و الدشداشة ، فالى متى سنبقى داخل هذه الحلقة المفرغة ؟ و الى متى العالم يتطور بينما نحن نرجع للخلف بخطى ثابتة بحجج واهية ؟

الحياة تتطور و متطلباتها تتغير و أشكالها من قطر لآخر تختلف ، لذا لابد لأن يواكب الدين العصر و لا أقصد بذلك مطلقاً أن الدين متحجر ، بل الاسلام صالح لكل زمان و مكان ، لكنه يحتاج لتفسير أوسع و أعمق في كثير من مناحي الحياة ، قضايا الناس اليوم تختلف عن قضاياهم أيام السلف الصالح ، لذا لابد أن يخوض علمائنا في القضايا الحديثة و الا يحصروا الدين في الزواج و الوضوء و الميراث ، هناك أمور تستجد بحاجة لبحث معمق مثل الاستنساخ و الارهاب و الحياة في الغرب ، كلها بحاجة لبحث موضوعي و ليس لمجرد كلمتي حلال أو حرام .

لماذا خلق الاجتهاد اذاً ترى ؟ و لماذا يحتج البعض على أي اجتهاد ؟ لأنهم لا يريدون أن يفقدوا مناصبهم و كراسيهم ، فهل نبقى نحن العرب جميعاً معلقين هكذا بين حكام طغاة و رجال دين متحجرين ؟ و الى متى ؟ للأسف الشديد حول علماؤنا الدين لمجرد طقوس و قضايا محددة ، لكنه في الواقع أكثر من بحر من العلوم ، و العلم لا يختلف مع الدين مطلقاً ، بل كلاهما يؤكد الثاني تماماً .

هل سمع مشايخنا عن المهندسة المصرية التي استنتجت من بعض آيات سورة الكهف نوع من الخرسانة ( اسمنت مسلح ) تقاوم الزلازل ، و هل سمعوا عمن استنتج من القرآن حساب سرعة الضوء ؟ و هل سمعوا عن الربط بين قميص النبي يوسف و عمليات المياه البيضاء في طب العيون ؟
حرروا الدين و أعيدوه لله كما كان ، أعتقوه من التراجع ، و حرروه من التحجر و الاحتكار ، الدين لا يختلف مع العلم ، لكن من العقول من يريد أن يبقى الدين حكراً لهم لأغراض ذاتية الله بريء منها ، اتركوا المجال للجميع للبحث و التعلم و الابداع .