|
From : khaled montasser <khmontasser2002@hotmail.com>
Sent : Wednesday, December 29, 2004 10:32 AM
To : <arabtimesnewspaper@hotmail.com>
روشتة علاج للعقل العربى
الحلقة الرابعة والأخيرة
خالد منتصر
[ فى أمسيته الثقافية إستضاف الشاعر الرقيق فاروق شوشة فيلسوفنا الكبير د.زكى
نجيب محمود قبل وفاته بقليل،ويومها تحول صوت الفيلسوف الواهن المبحوح إلى لطمات
ولكمات فى وجوهنا جميعاً ،أحسست من خلال تهدج صوته أنه يعرف أن الرحيل قد إقترب
،وأن أشد مايؤلمه هو أن بذور أفكاره لم تجد أرضاً صالحة لها فى المجتمع العربى
،كان يائساً محبطاً مكتئباً ،كنت ألمح عينيه من خلف نظارته السميكة مغرورقة
بدموع الندم المزمن ،وهمست لنفسى أمام التليفزيون هل هى جنازة العقل العربى ؟
،هل هو إعلان بفوز الخرافة بالضربة القاضية فى حلبة الفكر ؟،شاركته يومها
البكاء وأتمنى ألا أشاركه اليأس .
[ نستخدم كلمة فلسفة فى حياتنا كثيراً ،وحتى البرامج التليفزيونية التى تستضيف
أرباع الموهوبين تسمع فيها كلمة فلسفتى فى الحياة ،وفلسفتى فى المجتمع ...الخ
،ونتيجة لهذا الخلط قرر د.زكى نجيب أن يعرف كلمة فلسفة وأن يمسح عنها غبار
الجهل والخلط .
[ هناك ثلاث مستويات للإدراك ،المستوى الأول هو الصلة المباشرة مع الأشياء
نراها ونلمسها ونسمعها ،ينزل علينا المطر فندركه بالمستوى الأول ،أما المستوى
الثانى فهو عندما يأتى عالم ليفسر لنا سبب نزول هذا المطر ويبحث الظاهرة
،ويستخلص منها قوانين علمية عامة تنطبق على كل حالات المطر أينما حدثت وفى أى
وقت حدثت ،ولكن هل يقف الأمر عند هذا المستوى الثانى ،بالطبع لا فقد نرى أنفسنا
بإزاء قواعد عامة تضبط سلوكنا ،أو بإزاء مجموعة من قوانين العلوم المختلفة من
ضوء وصوت وكهرباء ...الخ ،فنسأل أنفسنا هل هذه القواعد السلوكية وتلك القوانين
العلمية مستقلة عن بعضها، أم أن بينها مبادئ مشتركة ،أو مبدأ واحد شامل ؟،هذه
العملية الفكرية هى مانطلق عليه فلسفة ،وكما عرفها د.زكى نجيب محمود هى مستوى
من التعميم ،يحاول أن يرد مفردات القيم السلوكية والمعارف والعلوم على إختلافها
إلى قمة واحدة ،ومهمة الفلسفة كما يريد منها فيلسوفنا الكبير هى إستخراج ماهو
مضمر فى أحكامنا وأفكارنا ومعتقداتنا ،لننقلها من حالة الكمون إلى العلن
،وماأكثر ماتجد إنساناً راضياً عن أفكاره وتصرفاته ،حتى إذا ماإستخرجت ماتنطوى
عليه تلك الأفكار والتصرفات من أسس خافية ،فزع هذا الشخص وإستنكر ،لأنه لم يكن
يحفر تحت أفكاره وتصرفاته .
[ هنا يحضرنى مثال لتقريب معنى الفلسفة أكثر من القارئ ،ماهو الفرق بين التاريخ
وفلسفة التاريخ ؟،أظن أن إجابة هذا السؤال ستجعل المعانى الصعبة للفلسفة فى
متناول اليد ،فالتاريخ يروى ماقد حدث ،وأما فلسفته فتحفر وراء هذا الذى حدث
،لعلها تقع على المبدأ المحرك ،هل هو الفرد مثلاً ؟،أم صراع الطبقات ؟،وهلم جرا
،ولكن هل هناك بالفعل فلسفة تحكمنا لنتعرف من خلالها على طريقة تفكيرنا ؟
[ فلسفتنا تعانى من ثنائية حادة وفصل واضح بين السماء والأرض ،وليس هناك أفضل
من الأدب والفن لمعرفة الفرق بين فلسفتنا وفلسفتهم ، فجمال الفن عند غيرنا هو
فى تشكيل اللون أو تشكيل الصوت أو تشكيل الحجر تشكيلات تمتع الحواس أولاً وقبل
كل شئ آخر ،وأما الفن عندنا فهو فى هندسة تشكيلاته ،هندسة يطرب لها الذهن من
وراء الحاسة المدركة ،وكذلك الأدب والشعر كان مرماه الحكمة الموجزة ،ويرسم
النماذج المطلقة المثلى ،فإذا وصف الشاعر العربى الجواد فهو يصف الجواد
كماينبغى أن يكون لاكما هو كائن ،ولكن الأدب الغربى إهتم بالمسرحية والرواية
أولاً أى مايختلج حقيقة فى النفس البشرية من صراع ،فالفرق هو فرق تعبير بين
ماهو واقعى وبين ماهو خيالى .
[ ولادة جديدة للمواطن العربى هذا هو مايريده ويتمناه د.زكى نجيب محمود ،ومن
هذا المنطلق ينتقد التاريخ العربى فى الثلاثة قرون الماضية فهو من وجهة نظره
سحابة واحدة دكناء ،لفت فى دخانها أفراد الناس فباتوا وكأنهم عجينة بشرية واحدة
،لافرق فيها بين قطعة وقطعة ،كماء البحر تذوق طعمه كله إذا وضعت منه على لسانك
قطرة ،والمشكلة عندنا أن مخاض الولادة الجديدة للمواطن العربى قد طال أكثر من
اللازم ،وأصبحت المجتمعات العربية خليط عجيب من البشر ،والمدهش أنك لن تحتاج
إلى آلة الزمن لكى تذهب من عصر إلى عصر ،فيكفى مجرد تمشية من منزل إلى منزل
مجاور لتجد أنك قد إنتقلت من العصر الجاهلى إلى أواخر القرن العشرين ،فنحن نعيش
كل الأزمنة فى نفس الوقت !.
[ لابد للمواطن العربى لكى يولد من جديد أن يتنازل عن أشياء ويكتسب أشياء ،لابد
أن يقتنع بأن الإطار لايغنى عن الصورة ،لابد أن نغير مفاهيم كثيرة من ضمنها ،أن
لصاحب السلطان أن يريد وعلى الناس أن يطيعوا ،الكلمة عندنا لصاحب القوة ،والقول
النافذ لصاحب الجاه ،وإننا فى المجتمعات العربية نخدع أنفسنا عبثاً إذا ظننا أن
النظم الديمقراطية التى قد نصطنعها تكفل لنا الديمقراطية محتوى ومضموناً
،فالوعاء وحده لايكفل لك نوع الشراب ،بالفعل المواطنون سواء أمام القضاء ولكنهم
ليسوا متساوين فى أن تصل أصواتهم لمسامع القضاة ،فالقانون فى المجتمعات العربية
يسن لمن لايستطيع عصيانه !.
لابد أن نسأل أيضاً كيف حدث الحدث لاأن نسأل من أحدثه ؟،لابد أن يكون قوام
الأخلاق السعادة لا الواجب ،لابد أن نتخلى عن مرض الإزدواجية والشكلية ،فمادمت
فى بلاد العرب فحافظ على الشكل المقبول ،هكذا تكون قد أديت واجبك بغض النظر عما
ينطوى عليه هذا الشكل من جوهر الفعل نفسه ،فإظهر كأنك حر تكن حراً ،وإظهر كأنك
غنى تكون غنياً ....وتعيش دوماً فى كأنك إلى أن تموت .
[ لكى نولد من جديد علينا أن نجمع بين قيد العلم وإنطلاقة الحرية ،فبالعلم
تتشابه المجتمعات وبالحرية تختلف ،وإذا كان العربى متخلفاً عن عصره فذلك لأنه
لاعلماً إكتسب ولافناً معبراً أنشأ ،فإذا حققنا علماً واقعياً وفناً ذاتياً
،هنا سنكون ولدنا من جديد .
[ التعامل مع تراثنا كما يقول فيلسوفنا الكبير د.زكى نجيب لابد أن يكون تحقيقه
بداية الطريق لانهايته ،ولابد أيضاً أن نكف عن السخرية من العلم فلانلوى الشفاه
إمتعاضاً عند هبوط الإنسان على القمر ،ولانهز أكتافنا سخرية عند زرع القلب
،وكأن مايفعلونه كفراً ،ولابد أن نستحضر كلمة العالم القديم الذى سئل لماذا
يكثر من الشك فأجاب :دفاعاً عن اليقين ،فالعلم منهج قبل أن يكون نتيجة ،وحكم
العلم يختلف عن الهوى بأنه لايتعدد بتعدد الأشخاص ،العلم ولاطريق إلا العلم
،ورحمك الله يافيلسوفنا العظيم فقد قرعت الأجراس فى مجتمع يعانى من الصمم ،فهل
تم العلاج ونفعت الروشتة ،نرجو ونتمنى ذلك . |