From : khaled montasser <khmontasser2002@hotmail.com>
Sent : Wednesday, December 29, 2004 10:32 AM
To : <arabtimesnewspaper@hotmail.com>
 

روشتة علاج العقل العربى
الحلقة الثالثة



[ أطلق زكى نجيب محمود تغريدة البجعة الأخيرة قبل أن يموت ،كان تغريده صراخاً ،وكانت كلماته قرعاً للأجراس لعل من أصابهم صمم يستيقظون ،كان يحلم ألا يضيع صراخه فى البرية ،وتتبخر أحلامه فى الهواء ،كان يعرف أن وطنه الكبير يحمل بذور القوة بداخل أرضه ،وجنين التقدم فى رحمه الخصب ،ولكنه كان حزيناً لأن هذه البذور تذبل وزهورها تنحنى لرياح الخرافة ،وكان مهموماً لأن الجنين قذفه الرحم مجهضاً معوقاً ،وأعتقد الآن أن روحه تطل من عليائها علينا وتنادى عودوا للعقل تصحوا .

[ أهم ماكان يشغل مفكرنا الكبير هو دقة الألفاظ ،ومن أهم هذه الألفاظ كلمة "مبادئ " ويقول أنها كلمة خادعة فقد تعود الناس أن يقرنوها بالقيم الخلقية حتى كادت أن تكون مرادفاً لها ،والأهم أن الرجل العظيم فى نظر الناس هو الرجل الثابت على مبادئه بدون مناقشة فحوى هذه المبادئ ومحتواها هل هو جيد أم ردئ ؟،ولبيان فكرته وضح د.زكى الفرق مابين الفرض والحقيقة ،فالفرض يحتمل الجدل والتأويل وأن يكون مبدأ مثل فرض أن المثلث ا ب ج مثلث متساوى الأضلاع وهذا ينتمى إلى عالم الرياضيات ،أما الحقيقة فهى لاتقبل الجدل ولاتقبل أن تكون مبدأ مثل أن سرعة الضوء كذا ميل فى الثانية ...الخ ،وماينتمى لعالم الرياضيات التى تحتمل المبادئ هو عالم السياسة والديانات والفلسفة....الخ ،ففى الديانات تكون الأحكام الفقهية صواباً من وجهة نظر كل دين فهى مبدأه ،وفى علم السياسة هناك فيلسوف مثل هوبز يقول أن حق الحكم للأقوى ،والآخر مثل لوك يقول أن حق الحكم للشعب ،كلاهما ينطلق من مبدأ وكلاهما يعتقد أن مبدأه هو الصحيح ،والمبدأ كما يقول فيلسوفنا الكبير هو مجرد فرض وليس حقيقة ،وهذا الفرض لايوصف بالصواب أو الخطأ ،وإنما تكون المفاضلة على أساس النفع للإنسان ،من هذا الكلام نصل إلى أن المبادئ هى مجرد فروض لاحقائق وهو يفرضها لتخدم أغراضه ،ومن الممكن تبديلها إن لم تفلح فى خدمته .

[ من المبادئ التى لابد من الثورة عليها أن رأى السلطان هو سلطان الآراء ،وأيضاً مبدأ أن يكون مدار التعليم هو إعادة الموروث وتحليله وشرحه ،فكان العالم قديماً هو من إزداد إلماماً بالتراث وقدرة على فهمه وشرحه وتحليله وإعرابه ،فيحفظ التلميذ عن الشيخ وهكذا أصبح العلم هو علم مافى الكتب لاعلم الطبيعة وظواهرها ،وإنتقلت هذه النظرة التراثية إلى مجتمعنا المعاصر وحتى كلياتنا العملية تجرى على هذا المبدأ وهو أن يحفظ التلميذ عن الشيخ وليس ثمة من فرق بعيد بين أن يكون المحفوظ هو ألفية بن مالك أو كتاباً فى الكهرباء ،لأن المدار فى الحالتين هو الحفظ الذى يمكن التلميذ من التسميع امام شيخه ،ولذلك لايحق لنا أن نتساءل لماذا تأخرنا وتقدم الغرب ؟،ببساطة لأن المبدأ القديم فى العلم لم يغيره مبدأ جديد .

[ التجديد من وجهة نظر د.زكى نجيب محمود لايبدأ إلا حين تحدث ثورة فى اللغة ،فاللغة كانت للإيحاء لاللدلالة ،وفى المجتمعات العلمية اللغة أداة ترمز للمحسوس أكثر منها عدسات تنفذ إلى اللانهاية والخلود ،وهذه الثورة اللغوية واكبت الثورة السياسية الفرنسية ،وبحث العلماء الفرنسيون فى اللغة من حيث أنها أكبر من أداة تعبير فهى جزء لايتجزأ من عملية التفكير ذاتها ،ويتفق د.زكى نجيب مع المستشرق جاك بيرك حين قال عن اللغة العربية " إن اللغة العربية كمانراها فى التراث الأدبى ،وكما لاتزال تستخدم عند كثيرين ممن يظنون أنهم يكتبون أدباً توشك ألا تنتمى إلى دنيا الناس ،فلاتكاد ترى علاقة بينها وبين مجرى الحياة العملية ،ولذلك لم يجد المتكلمون بالعربية مفراً لهم من أن يخلقوا –إلى جانب الفصحى –لغات عامية يباشرون بها شئون حياتهم اليومية " ،فبالفعل لم تكن الفصحى فى تراثنا الأدبى أداة للإتصال بمشكلات العالم الأرضى ،ولاوسيلة للإتصال بحياة الناس وأزماتهم ،بل كانت مجالاً للفن الذى يهوم فى السماء ،وإنظر إلى مدرس اللغة العربية كيف يحاسب تلميذه فى موضوع التعبير أو الإنشاء ؟،فلو طلب من التلميذ أن يكتب خطاباً إلى أبيه فى الريف وكتب التلميذ بطريقة حياتية أن يبعث له أبوه ببعض السمن والعيش فسيعطيه المدرس صفراً ،لأنه يعلمهم أكليشيهات فعنده مايقال فى مدح الشئ أو فى ذم الشئ ....الخ ،وماعلى التلميذ إلا أن يدخل مصنع الأكليشيهات وينقش مانسميه نحن الإسطمبات ،إن اللغة عندنا تكتب لذاتها ،وأطلب منك سماع الطلبة فى المدارس فى حصص المطالعة فهم يقرأون بطريقة خطابية وكأنهم يدخلون عالماً مسحوراً لامألوفاً .

[ لكى نتحضر لابد لنا من أن ننتقل من حضارة اللفظ إلى حضارة الأداء ،لابد أن نتحول فعصر التحول هو عصرنا ،فسفينة الحضارة تتحرك بين شطين ولوغفلنا عن هذه الحقيقة الأولية زاغت أبصارنا إلى ماضٍ تركناه ،أو شطح بنا الخيال إلى مستقبل مأمول لانملك بعد وسائله ،فإذا كانت الأولى إلتوت أعناقنا ،وتحولنا إلى أصنام من الملح ،وإذا كانت الثانية أصابنا كساح كالذى يصيب الطفل حين يرغمه أبواه على المشى قبل أن تستقيم ساقاه وتقويا ،وقاعدة مرحلة التحول ألا تكون هناك قاعدة جامدة تسد علينا طرق المغامرة والخلق ،فالجديد لم يتحدد بعد حتى نقن القوانين ونقعد القواعد ،ليس العيب فى أن نراجع وإنما العيب فى أن نقف عند ماكان قائماً وكأنه الأزل الذى لايبيد .

مفتاح الصواب اليوم هو أن نبدأ بهضم هذه الفكرة هضماً جيداً ،فكرة أننا نتحول ،وإذن فنحن فى تغير ،ولاحكم لماضٍ على آتٍ ،لابد أن نعانى فالفارق بعيد بين شجرة الورد وهو تعتمل من باطنها بكل أليافها وقشورها وجذوعها وأوراقها لكى تخلق فى آخر الأمر وردة تكون هى ثمرة المعاناة ،وبين من يجئ عابراً على الطريق فيقطف الوردة جاهزة يشمها ثم يضعها فى عروة سترته ،إنهم هناك يشربون المر لكى يفرزوا حضارة ونحن هنا نأتى على الجاهز لنقرأ تركيبة هذا المر من على خارج الزجاجة !!،فالمهم أن ننتقل من حضارة الكلمة لحضارة الآلة ،فالآلة ليست كتلة من الحديد وإنما هى علم مجسد ،ومهارة مركزة ،ولابد ألا تكون الثقافة شاملة وليست مهنة مثل مهنة غزل النسيج مثلاً ،ولابد أن نتخلص من المثقف الكاهن الذى بضاعته كلام فى كلام .

[ الكارثة أن حياة العربى فى لغته أكثر مما فى بيئته ،والعربى يحيا عالمين عالم الطبيعة وعالم اللغة والرموز ،إن العربى لايحيا فى الأشياء بل يحيا معها ،ويطالب د.زكى بلغة قبيحة تضاف إلى اللغة الفاتنة !!،لغة مباشرة تبحث عن الدلالة لاالإيحاء ،إنه حلم فيلسوفنا الكبير أن نتكلم لغة تلتصق بالحياة لاأن تترنم بالمجهول السحرى ،ولذلك لابد لنا من فلسفة جديدة وهو ماسنتحدث عنه فى الحلقة القادمة .