From : ezzidin hilal <hilalnablus@yahoo.com>
Sent : Thursday, January 15, 2004 9:07 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : نابلس بين نارين

 


نابلس بين نارين
 




أربعون شهرا مضت على احداث سبتمبر 2000 والبعض سماها انتفاضة واخرون سموها هبة.. البعض قال انها الخطوة الأخيرة باتجاه الدولة المستقلة..واخرون كانوا أكثر تفاؤلا وقالوا انها العد التنازلي لنهاية الدولة العبرية. وأصبحت الذكرى مناسبة لمختلف التنظيمات والأحزاب للأحتفال بانتصاراتها المجيدة وبحشد مزيد من المتعاطفين معها ومع برامجها.

اربعون شهرا مرت ولم نسمع من أي من المتنفذين والمسيطرين عن وقفة مراجعة أو محاسبة أو تقييم.. الكل يحتفل والكل يدعي الأنتصار ويعد بأن النصر صبر ساعة.

اربعون شهرا كانت كافية لحصد اكثر من 3000 روح وايقاع عشرات الالاف من الجرحى والمقعدين والاسرى ومئات الالاف من العاطلين عن العمل اضافة الى الاف العائلات المشردة التي اصبحت تعيش تحت رحمة احسان المعونات الاتية من شيوخ النفط والمنظمات الانسانية.

ونظرا لأن اوصال الوطن قد تقطعت منذ اللحظة الاولى لبدء الاحداث فقد بات من المتعذر على مراقب مثلي أن يتحدث عن الوضع في الضفة الغربية بالاجمال وعليه فانني مضطر للانخراط في مؤامرة تقسيم الوطن الى كانتونات واتحدث فقط عن الكانتون النابلسي الذي اعيش فيه ولم اتمكن من مغادرته طيلة الاربعين شهرا الماضية.

كانت نابلس وحتى سبتمبر 2000 قبلة الاقتصاديين في الضفة الغربية وشهدت بعد اتفاقيات اوسلو نهضة اقتصادية نعم بثمارها مختلف فئات المجتمع ، وقدم الى نابلس العديد من المستثمرين وانشات مشاريع صناعية وتجارية لا بأس بها بحيث كانت تبعث التفاؤل بمستقبل اقل ايلاما وبؤسا من سنوات المعاناة السابقة.

وبسرعة البرق اختفى كل شيْ من نابلس... المصانع اقفلت..الوكالات غادرت..المثقفون هاجروا بل ,ان التجار نقلوا مصالحهم الى خارج المدينة..وحل البؤس والشقاء بدل التفاؤل والازدهار ووقعت نابلس بين نارين، النار الأولى نار الاجتياحات المتلاحقة والتي اتت على مظاهر المدنية واعادت نابلس 50 عاما الى الوراء، وكان بالامكان التغلب على هذه النار لو كان هناك من يرعى الشعب النابلسي ويقف الى جانبه ولكن كانت هناك نار اشد وأعظم من نار الاحتلال.. انها نار التامر على هذا الكانتون من أجل كسر شوكته وتجريده من عوامل الوقوف من جديد واعادة البناء.

وحتى لا يفهم كلامي بانه تحامل دعوني أصف لكم الوضع على حقيقته في الكانتون النابلسي.

يتفرد في السيطرة على هذا الكانتون مجموعة من الجهات تصنف كما يلي:

· المحافظة: يتربع على عرشها ومنذ استحداثها العميد محمود العالول وهو احد رجالات السلطة العائدين من بيروت، ولا أحد يعلم بالضبط عن المعارك والحروب التي خاضها هذا العميد حتى حصل على هذه الرتبة المميزة، المهم أنه يفترض في هذا المحافظ أن يكون مندوبا عن وزير الداخلية في هذا الكانتون وأن يتبع له كافة الاجهزة الأمنية وأن يكون حاضرا وموجودا عند كل حدث يحدث في الكانتون، ولكن سيادة العميد لم يكن قط موجودا ولا فاعلا ولا مؤثرا في الاحداث النابلسية وقد اقتصرت مهمته على حضور الاحتفالات بالانتصارات واطلاق الخطب النووية والادلاء بالاحاديث الحماسية عبر الفضائيات المختلفة، هذا ناهيك عن شلة الانس المحيطة به والتي تقوم على تنظيم السهرات واصطياد الحسان.

· البلدية: يملكها بشكل حصري محام فاشل لم يكمل دراسة القانون عاش حياة المجون والعربدة واشتهر بمغامراته خاصة في الفترة التي كان يدير فيها دارا للسينما مملوكة لعائلته، وقد حصل على صك الملكية لمدينة نابلس ابان الانتفاضة الاولى بموجب فرمان صادر من القيادة الفلسطينية في تونس وقد طرح قي حينه على انه رئيس للجنة البلدية بصورة مؤقتة لحين اجراء انتخابات بلدية، انه السيد غسان الشكعة ابن شقيق المناضل بسام الشكعة اخر رئيس منتخب بصورة ديمقراطية لبلدية نابلس. وقد رفض غسان الشكعة الكثير من المناصب الوزارية واصر على منصب رئيس البلدية تحت شعار حبه الشديد لنابلس، وتحولت البلدية في عهده الى ثكنة عسكرية..فهو محاط وعلى مدار الساعة بعشرات الرجال المسلحين بأحدث اسلحة الحماية الشخصية والتي تنافس حمايات كبرى الشخصيات العالمية، واكتظت دار البلدية بمئات الموظفين الذين ليس منهم فائدة تطبيقا لنظرية شراء الذمم، وتم التخلص من كافة الخبرات والمهارات الادارية والفنية لتتحول البلدية الى مجموعة من التنابل تتلقى اوامرها من السلطان دون نقاش بل ودون تفكير.

من اهم مايميز بلدية نابلس هو المقدرة الغير عادية على جباية الرسوم من المواطنين حتى في اشد الايام سوءا خلال الاجتياحات والمداهمات. وفي هذه الايام تشهد الدينة حملة تجميل وتزيين للشوارع الرئيسية والفرعية وقد قدرت تكلفة الحملة بعشرات الملايين من الدولارات وبالطبع فقد ضاعت تلك الملايين تحت جنازير الدبابات خلال الاجتياح الحالي للمدينة والذي مضى عليه قرابة الاسبوعين ولا يزال قائما حتى اللحظة.

ٍسالت أحد اعضاء المجلس الصوريين عن جدوى تلك المشاريع وتسائلت: الم يكن بالامكان صرف تلك الاموال بطريقة اكثر عقلانية؟ ألم يكن بالامكان ان تقوم البلدية ياقتطاع جزء من هذا المال لدفع فاتورة الكهرباء للشركة الاسرائيلية واعفاء المواطنين من الدفع عن فترة الاجتياح والكساد التجاري المستمرة منذ اربعين شهرا؟ فأجاب العضو المحترم بأن تلك المعونات مشروطة بأن تصرف في مشاريع حتى لو ذهبت تحت جنازير الدبابات.

· الغرفة التجارية: انتخب اعضاء هذه الغرفة مع دخول السلطة ولم تعد الكرة مرة اخرى، وقد شهد عهد هذا المجلس ازدهارا لاعمال ومصالح الاعضاء الشخصية والعائلية وتنقل الاعضاء في مختلف عواصم العالم لحضور المؤتمرات والولائم وحصلوا على الوكالات الحصرية وقد تميزت الغرفة التجارية بنابلس بانها مارست المهمة التي كان يمارسها العملاء والمخاتير وهي استصدار تصاريح الدخول لاسرائيل مقابل تقاضي رسوم على كل تصريح مع ان سلطات الاحتلال لا تتقاضى رسوما على هذه التصاريح وقد توسع نشاط الغرفة مؤخرا باستصدار شهادات عدم الممانعة لدخول الاردن, اما ماذا فعلت الغرفة التجارية للتخفيف من اثار الاجتياحات والتدمير الاقتصادي لفئات المجتمع النابلسي فالحق يقال انها لم تفعل شيئا ولم تنقذ اي تاجر من الافلاس .

· الشرطة: جهاز متخم بمئات من الافراد والذي يفترض به ان يتبع المحافظ، وبما ان المحافظ مشغول بمهام كبيرة فان الجهاز اصيب بدء الفلتان والتسيب والذي انعكس على فلتان امني في كل نواحي الحياة، وقد اضطر الواطن النابلسي الى الاستعاضة عن الشرطة اما بالقبضايات او انه اختصر الطريق واخذ يمارس دور القبضاي بعد ان ابتاع لنفسه قطعة سلاح وتجدر الاشارة ان تجارة السلاح في نابلس تعتبر تجارة مزدهرة يقوم عليها كل من سبق ذكره وكل من سيأتي ذكره لاحقا.

· القضاء: جهاز غائب بكل ما يحمله هذا الوصف من معنى، فقد تم تعيين اعداد هائلة من القضاة ووكلاء النيابة الغير مؤهلين والذين يصدرون احكامهم بناءا على ما يرد اليهم من تعليمات من رئيس البلدية او المحافظ او التنظيم وفي احيان ليست قليلة من فرمانات تصل اليهم من المقاطعة في رام الله.

· التربية والتعليم: جهاز مهلهل يعتمد سياسة الترقيع في عمله وتعتمد التعيينات والتنقلات فيه على الواسطة والمحسوبية وما يرد اليه من فرمانات المقاطعة.. الطلبة منهكون بسبب الدوام على فترتين والتي لا تليق بالادميين والاساتذة يقضون معظم ساعات النهار في التنقل ما بين بيوتهم ومدارسهم خاصة وان المديرية قد تفننت في تعيين الكثير من الاساتذة في مناطق بعيدة عن اماكن سكنهم، ولا ننسى الراتب الغير انساني الذي يدفع للمعلمين والذي دفع بالكثيرين الى الهجرة او اللجوء الى الدروس الخصوصية بعد ممارسة سياسة الترغيب والترهيب مع الطلبة وهذا ادى بالطبع الى نشوء تجارة من نوع جديد وهي المدارس الخاصة والتي يتقاضى بعضها رسوما للمرحلة الابتدائية تضاهي رسوم الجامعات

· الصحة: لا تختلف كثيرا عن سابقتها فتجد مدراء مستشفيات بالكاد يحملون اللقب الاول في الطب ومؤهلهم الوحيد هو ولاؤهم للمقاطعة، ام المستشفيات فهي تفتقر الى الحد الادنى من الادمية في التعامل مع المرضى او توفير العناية او مستلزمات العلاج على الرغم مما ينشر باستمرار عن معونات طبية ترد من حول العالم، وقد دفع هذا الوضع بالمقتدرين للتوجه الى المؤسسات الخاصة التي يفترض انها مراقبة من وزارة الصحة ولكن الوزارة كانت مشغولة فتحولت تلك المؤسسات الى مراكز للسلب والنهب وخداع المرضى.

· النقابات العمالية والمهنية: اجريت انتخابات للاتحاد العام لنقابات العمال مرة واحدة وفاز بها مجموعة من اشباه الاميين ولا يزال هؤلاء في مراكزهم على الرغم من انتهاء صلاحيتهم منذ سنوات وهم يجوبون العالم لحضور الندوات والمؤتمرات العالمية والمثير في الموضوع انهم وبالاجماع لا يتقنون اية لغة بل انهم وبالكاد يتقنون اللغة العربية.

· تنظيم فتح: التنظيم الاكثر شعبية كما يحب افراده ان يلقبوا وقد تغلغل هذا التنظيم في صفوف فئات كثيرة من المجتمع، فهو يدفع بسخاء لاعضائه ويوفر لهم حصانة ضد كافة القوانين وكل ما عليك هو تقديم طلب انتساب للتنظيم لتحصل على بطاقة تؤهلك ان تدوس على كل القيم وان تقود سيارة بدون ارقام وان تعفى من الضريبة وان تقوم بالتهريب عبر المعابر المختلفة. ويسجل لأعضاء التنظيم مقدرتهم العالية في تنظيم المهرجانات والاستعراضات والحفلات النووية والكيميائية.

· حماس: حركة على درجة كبيرة من التنظيم والانضباط وقد تمكنت من التغلغل وسط فئات واسعة من المجتمع مستغلة الفراغ الذي يعيشه الشباب بسبب غياب المؤسسات الثقافية والرياضية وسبب غياب برنامج وطني للتنظيمات الاخرى فعرضت برنامجا مغريا يضمن لصاحبه الزواج من اربعين حورية وتضمن دخلا مغريا لافراد اسرته من بعده وقد اثمر هذا البرنامج في جذب شباب من الطبقتين الوسطى والفقيرة واشتد الاقبال عليه مع تفشي البطالة هذا ناهيك عن الرغبة في الانتقام والتي تولدت لدى الشباب على اثر المجازر المختلفة والتي تلقفتها حماس بذكاء شديد.

· التنظيمات الاخرى: وعددها كثير والحمد لله وهي نشيطة في الجنازات والمهرجانات والفضائيات وبعضها يتكالب على الحصول على مقعد وزاري وقد حصل بالفعل والبعض الاخر همه الوحيد ان يغني خارج السرب.

· القيادة: والمقصود السلطة الفلسطينية، والحق يقال انها كافية خيرها شرها فهي غائبة وبنسبة 100% . الرئيس مشغول دائما بالاف الاوراق المتراكمة فوق مكتبه والتي هي في الغالب استجداءات وتوسلات لتعيينات او منح دراسية او علاجية او تنقلات ادارية ويقوم بمعالجتها شخصيا بدلا من تحويلها الى الوزارات ذات العلاقة. وكان اخر انجاز للرئيس في الاسبوع الماضي انه تجاهل كل التقارير عن الدمار والبؤس الذي حل بنابلس وتفرغ لمتابعة انتخابات نقابة المهندسين وقام باستدعاء بعض المرشحين وطلب اليهم سحب ترشيحهم لصالح القائمة العرفاتية.

وما ينسحب على رأس القيادة ينطبق على الوزراء فوجودهم لا يختلف كثيرا عن غيابهم سوى انهم متمتعين بالميزات التي حصلوا عليها من الحكومة الاسرائيلية في حرية التنقل والاستيراد لهم ولعائلاتهم واحبائهم واصدقائهم والتابعين لهم.

الحل

ان الحل الذي اراه هو اننا مطالبون بأن نقف مع أنفسنا لمرة واحدة وقفة صدق وأن نسأل ونتسائل: الم تكن السلطة الفلسطينية وراء كل هذا الحال المزري الذي وصلنا اليه...الم نكن بالف خير خلال ثلاثين عاما من الاحتلال حيث كنا نعمل ونتعلم ونعلم ونبني ونقاوم ولم يجرؤ احد ان يصفنا بالارهابيين حتى الحكومات الاسرائيلية في ذلك الحين؟

الم تكن اخلاقنا وامننا بالف خير حتى في ظل غياب اجهزة الشرطة والقضاء؟

نعم لقد كنا بمليون خير...وان اللحظة التي وطأ رجال السلطة أرض فلسطين عاثوا بها دمارا وفسادا ورقصوا على الأطلال واثروا من دماء الشهداء وثكل الامهات وعرق الكادحين.

اننا لا نستطيع الخروج في مظاهرات احتجاجية لاننا شاهدنا تجربة اهل غزة في الاحتجاج وضريبة الدم الكبيرة التي دفعوها خلال عدة ساعات من الاحتجاج.

المطلوب هو ان نخرج عن صمتنا وان نتحدث في كل مناسبة وفي كل محفل.. ان هذه السلطة فاسدة مفسدة وان وجودها ما هو الا غطاء لممارسات الاحتلال، وعليه فيجب ان ترحل هذه السلطة برجالها ونسائها وكل ما ادخلته الى حياتنا من مظاهر دخيلة وعلى باقي التنظيمات والاحزاب والتيارات ان تحل نفسها وتتنحى جانبا. وعلى المثقفين والصامتين ان يخرجوا عن صمتهم وان يتوجهوا مباشرة لسلطات الاحتلال مطالبينها اما بممارسة مسؤولياتها تجاه الشعب الذي تحتله او ان تقوم بالتخلي عنا والى الابد ولكن بعد ان تخرج رجال السلطة الذين جلبتهم وان تبادر سلطة الاحتلال الى تنظيم انتخابات حرة وبرقابة اجنبية(وهنا اركز اجنبية وليست مصرية او اردنية او أي شيئ من هذا القبيل).

ان ثلاثين عاما من الاحتلال ابرزت الهوية الفلسطينية وفرضت احترام المجتمع الدولي لقضية هذا الشعب وابرزت امكانية كبيرة للتعايش بين ابناء ابراهيم على اساس الاحترام المتبادل ولعلنا نذكر العلاقات التجارية المتينة التي ربطت الالاف من التجار والعمال الفلسطينيين والاسرائيليين والتي تتطور بعضها الى صداقات شخصية وعائلية والذي من خلاله امكن التحدث وبلغة حضارية عن الالام والامال للطرفين.. ثلاثون عاما اضاعها رجال السلطة العابثون وزرعوا الحقد والدم واليتم والفقر



بقلم : عز الدين هلال/ نابلس