|
ألإيدز الإسلامي .. وفقدان المناعة الدينية
من قلم : جمال ابو شادي
خاص بعرب تايمز
abushadijamal@hotmail.com
بعد نشر مقالي السابق "
الاسلام الشبابي والجهاد
عبر الانترنيت " أمطرني جنود عمرو خالد والقرضاوي البواسل بوابل من
الحمم الإميلية وبكل أنواع الأسلحة وحتى المحرمة منها دولياً ودينياً ومنها حتى
بعض الأسلحة التي لم يتم العثور عليها في العراق لحد الآن، ولم يراعوا أبسط
أنواع المبادئ والعهود في حربهم ضد كل من يخالفهم ويحاول تحطيم أصنامهم الوهمية
ولقد خاب ظني بهم وحسبتهم أرفع من ذلك وأبعد نظر وخاصة أنهم تتلمذوا على يد
حلقات "قبل أن تحاسبوا".
فأذا كانوا هؤلاء هم خيرة شباب الأمة وعماد المستقبل وهم تلاميذ عمرو وغيره،
فلا بد أن يكون هناك عيب ما إما في المعلم أو طريقة التعليم أو في تياسة وتمبلة
وطنجرة التلاميذ أو قد تكون كل الأسباب مجتمعة.ولم أكن أعرف أن قاموس محبي عمرو
وغيره وصل من الوضاعة والإسفاف والضحالة الفكرية الى الحد المقرف والمحزن في
نفس الوقت، ولكن لا غرابة في ذلك فالمحب على دين حبيبه.
لقد بلانا الله بشرذمة من البشر قد أصيبت في الآونة الأخيرة بداء الإيدز
الإسلامي وهو فقدان المناعة المكتسبة بالفطرة للدين والتدين والأخلاق النبيلة
والمعاملة الإنسانية من والى البشر. وهذا المرض يُصيب كل من سولّت له نفسه
بالإبتعاد عن فطرته السليمة والدخول في متاهات من جعلوا من الدين وسيلة إسترزاق
وشهرة وإشباع لنزواتهم وعقدهم الدفينة.
يتساءل الكثير عن سبب هذا الهجوم وذاك النقد اللاذع لعمرو خالد، والسبب بسيط
ولا يحتاج لشرح وإسهاب أو حتى إطناب. إن من يضع نفسه في دائرة الضوء، يجب عليه
أن يعرف جيداً أنه يكشف طوعاً أو مجبراً عن عيوبه وعوراته أمام الجميع ومن
يعتقد خاطئً أن كلامه المعسول وشكله المقبول، سوف يشفع له عند من يسمعوا و يروا
في عقولهم قبل آذآنهم وعيونهم فهو لا يرى ولا يسمع وبالتالي لن يعقل ومن لا
يعقل لا حرج عليه. فبأي حق يحق لكم يا أتباع عمرو منعي من ممارسة حقي في
التعبير والنقد لآراء وشروحات غير مقدسة من بشر له مثل الذي عليه وعليكم وخاصة
أن كلامه موثق بالكامل في محطة إقرأ لأمة لا تقرأ، ولكل من يريد الحقيقة عليه
أن يتعب نفسه قليلاً ويبحث ويدقق وسوف يصل الى ما يسعى إليه.
فليس العيب في من يرى ويعقل هذه العيوب وينتقدها وينبه لخطورتها، وأنما العيب
كل العيب على من يستخف بعقول شباب وشابات هذه الأمة ويتجاوز واقعها المألم
الحزين ويرتد الى ماضى غابر يسرد منه قصص وحوادث بشكل مسرحي تمثيلي لكي يوصل
لنا عبرة أو فكرة ما في مواضيع سخيفة ساذجة لا تمت لواقعنا التعس بصلة سوى أنها
مواضيع إجتماعية يمكن لكل شخص بالغ عاقل أن يقرأ عنها ويستخلص منها لنفسه العبر
والدروس وكفى الله المؤمنين شر القتال. فهل نحن بحاجة -يا أنصار عمرو- الى
حلقات وشروحات ومعلقات وساعات بث فضائي عن الزواج والطلاق وما هي مواصفات
الزوجة الصالحة وغير الصالحة وسلسلة حلقات " من الخطبة وحتى ليلة الدُخلة " ومن
يرى واقع هذه الأمة يعرف جيداً أن مثل هذه المواضيع وفي هذا الوقت بالذات لا
تصب إلا في مصلحة جهات بعينها.
نحن لسنا ضد عمرو خالد كأنسان ولكن لنا كل الحق في إنتقاد وتعرية أفكاره وكشف
أفعاله وخاصة السيئة منها، طالما أنه وضع نفسه هذا الموضع الحساس. وسوف أشرح
لكم في رسائل قادمة طريقته في اللعب على أوتار القلوب اليائسة والنفوس المحتارة
المتعبة، فالدين في النهاية معاملة وليس عبادات وأوآمر ونواهي فقط.
أرجو أن تعتبروا كلامي هذا مجرداً من الدوافع السخصية والمصالح الذاتية وكل ما
ذكرته ليس مدحاً جزافاً في شخص ما ولا ذماً وقدحاً بلا مبرر في الشخص الآخر،
وإنه من الإنصاف أن نعترف بالفضل والمقدرة لصاحب الفضل والمقدرة والعمل على
تكريمه والتعريف بفضله لكي يتم التمّييز بينه وبين من هم ليسوا أهلاً لهذه
المهنة الصعبة والمسؤولية العظيمة وإعطاء هذه المهمة الصعبة حقها وعدم
الإستخفاف بها وإعتبارها مجرد مورد ثانوي للرزق والإعاشة ليس إلا. من يسيئ
التصرف لابد أن يعاقب ومن يحسن التصرف لابد أن يكافئ ويشجع على تصرفه ذاك، حتى
يُمّيز بين الفعل الصالح والفعل الطالح بعيداً عن المجاملة. وإن رسالة الوعظ
والإرشاد رسالة صعبة ومسؤولية عظيمة لا يمكن أن نتركها لمن ليس أهلاً لها، وإلا
بذلك نكون قد خُنّا الأمانة وفرّطنا في تأدية الرسالة.
على ما يبدو أن المسؤولية كلمة فقدت معناها في أبجديات وتعاملات بعض الأخوة -
مع حفظ الألقاب – في بلادنا بالذات. فالمسؤول هنا يكون فقط مسؤول عندما يكون كل
شيئ على ما يرام وتكون المسؤولية بالنسبة له هي عملية تكريم أكثر منها عملية
تكليف وجهد ومشقة وحتى معاناه في بعض الأحيان. فالمسؤول هنا مسؤول في أوقات
الرخاء وعندما تكون المسيرة في عصرها الذهبي، ولكن وعندما تواجه المسيرة أو
المهمة أية عقبات أو مشاكل فلا يعد المسؤولُ مسؤولاً ولا تعد له أية صفة رسمية
ويحاول أن يُبعد شبح المسؤولية عنه ويحاول أن يتبرأ منها براءة الذئب من دم
يوسف. وكل مسؤول تجده أول المسؤولين عندما يكون الموضوع فيه تشريف وتكريم
وعطايا وهدايا وسمعة وسيط ورفعة وسمو مكانة وهَلُمَ جرة، مسؤولية لا ترهق
الأعصاب ولا تُتعب الجيب ولا تُأرق المنام ولا تُنغض العيش. ولكن إذا تَعدت
المسؤولية تلك الأمور فإنه لا يَعودُ مسؤولاً وليس له أية صلة بأي شيئ وعندما
يشعر بأن المسؤولية هي رسالة تكليف وتعب ومشقة وجهد وعمل مُضني وشعور عميق
بتحمل أعباء هذه المسؤولية.
كلمة أخيرة لابد من قولها وأقولها لهؤلاء سواء من أخطأ في التعامل مع الرأي
الآخر أو أساء – من حيث يدري أو لا يدري - في هذا التعامل. أقول " إن الدين
المعاملة " والإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل. فالعمل والمعاملة هما ما
يرسخان في ذهن ووجدان المتلقي أياً كان. فالطفل الصغير وقبل أن تتكون له ملكات
لغوية وأسلوب تخاطب وإتصال مع الآخرين، يقوم بتقليد مَنْ هم حوله وذلك من خلال
تصرفاتهم وتعاملهم معه ومع غيره. فاللغة ومخاطبة الصغير بأبجديات لا تعني له
الكثير سوى أنها أصوات تصدر من النموذج والقدوة، وهو يتصرف حسب التعامل ويقلده
ولا يتصرف حسب ما قيل له من كلمات فيها الزجر والنهى والحرام والحلال وكل
أدبيات الصحابة وأصول الفقه والتشريع. فالنموذج والمثال العملي الحي والتطبيق
السليم لما هو موجود في ديننا الحنيف يكون له صدى أوسع وأكبر في نفس الأطفال
والكبار والشباب والشابات.
وليس كل من حفظ بعض آيات القرآن الكريم وعشرة من أحاديث النبي (صلعم) و ثلاث
قصص عن الصحابة وبيتين من الشعر الجاهلي، قد أصبح فقيهاً علآمة ومحدث لبق
وجهينة زمانه وعالم في أسرار الكون وخفايا السياسة وعالم في النفس البشرية
ومربي أجيال من الطراز الاول. فهذا الذي يحفظ تلك الأشياء ويتشدق في ترديدها
صباح مساء ليُطربَ بها أسماع من حوله ولكي يحصد من خلال كلماته نظرات الإعجاب
ممن يستمعون إليه وهو إذا نظرت الى واقع حياته تَجده مخالفاً في أعمالهِ
وتصرفاتهِ ما قد تَشّدق به من خلال كلامه، وتراه يتعامل مع الناس ومع محيطه بما
يتنافى مع ما قد حفظه عن ظهر قلب ولم يُلامس فعلاً قلبه ولم يصدقه عمله. فكونوا
قدوة لمن حولكم بأفعالكم قبل أقوالكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جمال أبو شادي |