رهائن الصراع
"العرب الأمريكيون"
فقدان الهوية أم إثبات الذات؟

بقلم صلاح المومني
salahmomani@yahoo.com
خاص بعرب تايمز



"إن الصراع الانتخابي الذي دار بالأمس ، لم يكن صراعاً ديمقراطياً جمهورياً، إنما هو صراع من أجل إعادة الهوية الأمريكية، وصراع من أجل سيادة الدستور والقانون ، فأحرار أمريكيا هم من الديمقراطيين ومن الجمهوريين ، فكما عمل بوش الأب لمصلحة بلاده خارجياً وداخلياً ، فقد عمل رجلا الكونجرس (بونيار وكونيار) وغيرهما من أجل أمريكا وحرياتها ودستورها ، ووقفا إلى جانب قضايا الأقليات ومنها الجالية العربية والمسلمة.

إن فوز جورج بوش الابن هو بمثابة انتصار للهوية الأمريكية ، للقانون ، للدستور ، وليس انتصاراً للجمهوريين فقط ، ثم إنه ليس من الضروري أن ينسجم مع طموحات العرب والمسلمين ، وخاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية ، لكنه من السهل الالتقاء على مائدة واحدة إذا أثبتنا للإدارة الجديدة أن يدنا مبسوطة كل البسط للتعامل معها ، ولن يأتي التغيير في يوم أو يومين بل يحتاج إلى فترة من الزمن ، وإن عواطفنا ومشاعرنا التي انسجمت مع جورج بوش اليوم هي من منطلق التقاء المصالح ،ومن منطلق شغفنا باللقاء مع صناع القرار ومنفذي القرار ، ومن منطلق حبنا لعودة القرار الأمريكي إلى مكانه الصحيح ،لينسجم مع المصلحة الأمريكية داخلياً والتي نحن جزء منها، وهي كما هي هم الأمريكيين البيض أو السود هي هم الأمريكيين العرب والمسلمين ، مشاعرنا هذه هي تعبير صادق عن رغبتنا بتعايش إنساني ينهي الفوارق العرقية ، والدينية واللونية ، نريد وكما استهل الرئيس الجديد عهده بزيارة كنيسته أن يكون لنا حرية زيارة مساجدنا حقيقة ، وحرية إقامة تجمعاتنا الاجتماعية والسياسية والدينية ، نريد أن يكون لنا دور في بناء أمريكيا ، لأنا جالية بناءة ، أمريكا لم تعد بالنسبة لنا بلد المهجر ، إنها الوطن ، وأمريكا ليست عدواً بل هي جزء من استراتيجية المصالح المتكاملة ، وأمريكا لم تعد القنبلة النووية ، بل هي القانون والدستور ، إن قرار المحكمة العليا بالأمس كان انتصاراً دستورياً يعطينا بريقاً من الأمل في عودة القانون ليأخذ دوره في إنصافنا وهو دافع لنا جميعاً لنبدأ مرحلة جديدة لإثبات حقوقنا والدفاع عنها ، ونأمل أن تكون السنوات القادمة إشراقة جديدة في تاريخ هذه البلاد ، فكما نؤمن أن لنا حقوقاً نؤمن أيضاً أن من الأمريكيين رجالاً صدقوا ووفوا بالعهد وأدوا الحقوق ، ولعل الرئيس الجديد يكون صادقاً متزناً ، لأن البلاد في أمس الحاجة إلى من يهمه أمرها".

هذه المقدمة كانت خاتمة مقالتي حينما فاز الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن عام ألفين، ثم دارت الأيام ورأينا أن الأحداث على الساحة قد غيرت وبدلت الكثير، فالحادي عشر من سبتمبر لم يكن أمرا بسيطاً ، ولم يكن حدثا مارقاً، إنما جاء ليضع الكثير من التساؤلات والمطالب،فكان الأمن الداخلي وتعقب الفاعلين أهمها بالنسبة للإدارة الأمريكية وكان تساؤل الإدارة الأمريكية حول هوية وولاء الجالية العربية والإسلامية؟ ثم كان التساؤل بالنسبة لنا نحن الأمريكيين من أصل عربي ، أين سنكون في المرحلة القادمة؟ وفي أي كفة يجب علينا أن نضع ثقلنا ، وهل عاد لنا وزن يذكر امام تنامي الكراهية بعد الأحداث ، وأسئلة كثيرة لها اول ولا تنتهي . ويظل سؤالي الذي أود طرحه اليوم على أنفسنا، أين نقف بين مفهومي: فقدان الهوية وإثبات الذات؟

لا أستطيع حقيقة أن اجامل نفسي وعواطفي ، أو لربما أجامل الآخرين حينما أطرح موضوعاً كهذا. وما يكون لي أن أحدثكم أو اتقول الحديث دون حجة أو برهان ، فالواقع يملي علينا جميعا إملاءات غير تلك التي نريد، والحدث يبدو بظاهره حدثا له ساعته ويمضي ، لكن الحقيقة تقول: إن الحدث سيبنى عليه تاريخ كامل لجالية تعد من اهم الجاليات في بلاد المهجر ، أو لأقل في الوطن الثاني "من حيث الترتيب الزمني لا ترتيب الولاء والبراء" .

حينما حدث الهجوم على مركز التجارة الدولي واتهم العرب والمسلمون بهذا الحدث الجلل، وقفت جاليتنا المترامية الأطراف على امتداد القارة الأمريكية ، وقفت حائرة مشدوهة لما حدث، حينها انتظرنا من المؤسسات العربية والإسلامية على كثرتها أن تتخذ خطوة إيجابية لتخفيف الوطئ على الجالية التي لم يكن لها لا ناقة ولا بعير في ذلك الحدث، ولكن وللأسف تقاعست هذه المؤسسات عن دورها، وداس مسئولوا هذه المؤسسات كل الشعارات التي رفعوها للدفاع عن حقوق الجالية، وما كنا نتوقع أكثر من توضيح للرؤية وتقديم الجالية إلى المجتمع بصورتها البناءة الإيجابية. لقد كانت تلك المؤسسات بعيدة كل البعد عن هموم الجالية ومنشغلة بتعديد مناصب أعضائها ومسئوليها ، ولم تأبه لما يدور على الساحة من خسارات منيت بها الجالية العربية المسلمة، خسارات لمكاسب كانت قد جنتها على مدى العقود الماضية ، واصبح أبناء الجالية يعيشون مرحلة خوف وهلع وبلغت قلوبهم حينئذ الحناجر، وأصبح كل يدافع عن نفسه، وكل يفسر حسب هواه وخاطره، وظهرنا بمظهر من لا هدف له وتمزقنا كل ممزق. ثم خرجنا "خروجا جزئياً" من ذلك المأزق عربا ومسلمين والفضل في ذلك الخروج لله ثم لبعض المؤسسات الحقوقية الأمريكية التي وقفت تدافع عن جاليتنا بخطة منهجية مرسومة ليظهر لنا بعد ذلك تعري البناء التنظيمي للمؤسسة العربية الإسلامية واتضاح صورته الهلامية ، لنجد أن كل هذه المؤسسات التي كانت تتغنى في حفلاتها بمزيج الهوية الشرقية الغربية ، نجدها كالغراب أراد تقليد اليمامة فما أفلح في ذلك ونسي مشيته ، فضاعت الهوية وصرنا على رأي الكويتيين "بدون".

مؤسساتنا عشوائية التأسيس مجهولة الهدف وجاليتنا هي الضحية:

وبالرغم من أن المؤسسة العربية والإسلامية قد نشأت، لكنها نشأت عشوائية دون أساس تنظيمي يضمن لها الإستمرارية والبقاء، لذا ظل هدفها لا يمتد في الأفق أكثر من انتهاء "مناخر" المؤسسين ، فلا رؤيتهم للمستقبل محددة المعالم، ولا تعاطيهم مع الواقع يراعي معطياته ، وصار تكاثر المؤسسات ليس إلا كما يكون انشطار الخلية غير المنتظم والذي يؤول فيما بعد ليصبح نموا سرطانياً يقتل الجسم دون هوادة أو رحمة، الكل ينظر إليه وإلى زيادة حجمه وعدده لكن لا أحد يفقه او يعلم أن هذه الزيادة مرضيّة لن تأتي على جاليتنا بخير. وما كنت بهذه الكلمات لأعارض نشوء مؤسسات الجالية، لكني أريده وأتمنى أن تكون النشأة منسجمة مع متطلبات الجالية ، الإجتماعية ،السياسية، الإنسانية، والحقوقية ، نريدها مؤسسات لها مخططها لنكون جزءًٍ من تركيبة هذه البلاد ، ولست هنا أطالب بتحولنا عن ديننا أو أن نقطع صلتنا بمشرقنا العزيز، لكنني أراه امتداداً لهذا وذاك وخصوصا اننا نعيش في بلد يضمن حريات كثيرة وإن كانت تناقصت بسبب الأحداث الدائرة لكنها "هذه البلاد" بنيت على أساس احترام الحريات وستعود الأمور إلى طبيعتها.

ثم إنه من السهل علينا أن نضع اللوم على جهة ما ونلوذ بعد ذلك بالصمت، ولكن جاليتنا بأفرادها تتحمل جزءاً كبيرا من هذا اللوم ، فنحن "الكثير منا" لا نزال نفكر بأمريكيا بكونها بقرة حلوباً، نريد خيرها لنعود به إلى الشرق وليس هناك من يعود، فعشنا في هذه البلاد بهذه النية فخسرنا هويتنا العربية والأمريكية ولم ننسجم مع المجتمع القائم في هذه البلاد، ولم نغتنم سلم الحريات ونرتقي أدراجه ، لم نعرف حقوقنا الدستورية فكان جهلنا بها سببا لتدهور اوضاعنا ، ولم نكن سوى صورة عمال المناجم، همنا العمل نهارا لنعود بعدها إلى بيوتنا غير عابئين بالمجتمع المحيط بنا.

ولعل المجدي هنا أن لا نلوم المؤسسات القائمة ، بل علينا أن نخرج من قوقعتنا ونشارك هذه المؤسسات رسم الرسالة والهدف، علينا أن نقف في الإحتفالات لا من أجل الإطراء على المسئولين لنكرر ماضينا في أوطاننا ، بل لنحاسب المسؤولين ونضعهم امام مسئولياتهم، لا بد أن نثبت هويتنا العربية الإسلامية الأمريكية من خلال هذه المؤسسات، فالقانون إلى جانبنا ، والدستور يضمن حمايتنا ، والواجب ينادينا للوقوف صفا واحداً دون تردد اوتباطئ، فالجالية طاقاتها عظيمة ، ومهارات أبنائها تبعث فينا الفخر ، لا بد أن نتعلم من أخطاء الماضي لكي نجد طريقنا إلى مستقبل مقروء المعالم.

إن أهلنا في الشرق العربي والإسلامي يعيشون على أمل أن يكون لنا دور في رفع المعانات عنهم، سواء كانت معاناة في مجال الحريات العامة أو معاناة إقتصادية ، ولن يتاتى لنا ذلك إلا إن أصبحت هويتنا أمريكية عربية، فعلينا أن ننقذ أنفسنا هنا لكي نساعد أهلنا هناك، وهذا لا يعني الإنقطاع عنهم بل هي خطوات متوازية ، لأننا نعيش في بلاد تعد مقر صنع القرار العالمي ، وبدون أن نشارك في صنع هذا القرار وبدون أن نمثل امتنا في صنع هذا القرار ستعود النتائج علينا سلباً هنا ودماراً على أهلنا في المشرق، وعلى مؤسساتنا أن تمثل الأمة وطموحاتها لا أن تمثل حكام الكنتونات العربية النتهالكة.

الإنتخابات قادمة، والمرشحون كثيرون ، وبرامج عملهم لا تعني الكثير لنا إلا إذا كنا قد رسمنا سياستنا رسما يتناسب مع رؤية واضحة لما نريد ، علينا أن نعمل لهدف قصير الأمد وآخر بعيد الأمد، لا بد من تحديد رؤيتنا لهدفنا ، قد نفشل مرة لكننا بالمثابرة والعمل الجاد والعصامية سنصل إلى ما نريد، علينا أن نضع خلافاتنا الشخصية جانبا ، فالهدف العام له أولوياته ، ولربما أجدني أصر على القول: إن فرصة تلوح في الأفق لكي نجد هويتنا الضائعة ، بل أكثر من ذلك إنها مرحلة لإثبات الذات.