From : Jamal Abushadi <abushadijamal@hotmail.com>
Sent : Sunday, February 15, 2004 7:27 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : البعد الرابع للحدث




البعد الرابع للحدث..
المواطن أغلى ما نملك



تعاقبت في الآونة الأخيرة أحداث عديدة ومهمة على الساحة الألمانية، أحداث ذات صلة بالوضع العربي والإسلامي، وكوني ألماني أو بكلمة أدق ممن أكرمهم الله من فضله وإصبحتُ ألمانياً، وقبل ذلك كنتُ على ما أذكر، عربي، فلسطيني، مسلم، وفي لحظة تاريخية سقطت سهواً من حساب الزمن، وجدتُ نفسي في خضم الحياة هنا، أتأثر في الأحداث وتبعاتها، فالحدث هنا له وقع وتأثير رباعي الأبعاد عليَّ وعلى غيري ممن له نفس الجذور ونفس المنابع، ومن يتأثر بالحدث وعلى هذا النحو وبكل أبعاده الأربعة، سوف يُسقط كل ما أختزنته الذاكرة - من خبرات وتاريخ ومعتقدات وعادات – على الحدث وبالتالي كيفية فهمه ومن ثم تحليله وإتخاذ الموقف المناسب منه، سلباً أو إيجاباً.

الحدث الأول: الوساطة الألمانية التي أدت الى عملية مبادلة الأسرى بين حزب الله وإسرائيل، والتي لولا " فضل الله " علينا و كذلك فضل الوسيط الألماني وثقة كل الأطراف في نزاهته و حسن تصرفه، لما تمت هذه العملية وعلى هذا الشكل الذي عشناه "لايف" على فضائية المنار، على الرغم من أن صدى هذه العملية أحرج ولم يعجب الكثير من الدول العربية وعلى رأسهم السلطة الفلسطينية والدول التي لها أسرى في سجون إسرآئيل و معاهدات سلام معها، ولا أريد هنا التعليق على هذا الحدث وأكتفي هنا بالتنويه الى ما ورد في الحدث من حيث أبعاده الأربعة (ألماني،عربي،فلسطيني،مسلم).

الحدث الثاني والمهم: إصدار محكمة ألمانية حكماً ببراءة طالب الهندسة المغربي عبد الغني مزودي من تهمة العضوية في ما يعرف بخلية هامبورغ وعلاقتها بتنظيم القاعدة والمساهمة في التحضير لهجمات 11 سبتمبر 2001 في أمريكا. و كان المزودي هذا قد أعتقل في شهر أكتوبر من عام 2002 على خلفية شهادة إدعاء الأردني شادي محمد مصطفى عبد الله وإبلأغه المحكمة الألمانية بأنه رأى مزودي بدار ضيافة تابعة لتنظيم القاعدة في أفغانستان وقال شادي عبد الله الذي كان من حراس أسامة بن لادن وتحول بعد ذلك إلى مرشد للإدعاء، أنه شاهد المزودي في أواسط عام 2000 مع بعض الشخصيات الرئيسية – المصري محمد عطا، والإماراتي مروان الشحي واللبناني زياد جراح الذي درس أيضاً في المانيا – التي قامت بهجمات واشنطن ونيويورك وبناءاً عليه تم إعتقاله على ذمة التحقيق، ويعد المزودي ثاني متهم على مستوى العالم يحاكم بهذه القضية بعد المتهم المغربي الثاني منير المتصدق والذي قضت المحكمة بسجنه مدة 15 عام بعد إدانته بالتهم الموجه له في هذه القضية، وكان من الممكن بعد هذه التهم وتلك الشهادة من عبد الله أن يكون مصيره كمصير المتصدق، لو أدين من قبل القضاء الألماني "الكافر".

إن هذا الحكم في حد ذاته وعلى هذه الكيفية - وكما قيل في وسط القضاء الألماني - يعتبر دلالة قوية على إستقلالية القضاء الألماني وحريته. وإن صدور حكم البراءة على المزودي بناءاً على تشكيك المحكمة في شهادة الإدعاء، مع إعتبار بعض الخبراء أن الشهادة – التي أدلى بها عبد الله – قد تكون تضليلاً يهدف إلى حماية متورطين آخرين في هذه القضية – مثل جماعة التوحيد بزعامة أبو مصعب الزرقاوي -، ولكن ولعدالة وحرية القضاء هنا صدر مثل هذا الحكم، على الرغم من أن الكثير من السياسيين وخاصة وزير الداخلية الألماني أوتو شيلي قد أنتقد حكم البراءة وكذلك نقابة الشرطة إعتبرت الحكم بأنه تشجيع للأرهابيين ومن يساعدهم، ولكن قاضي المحكمة قال في حيثيات الحكم بالبراءة: أنه لم يكن لدى المحكمة أي خيار ثاني، وإن الحكم بالبراءة على المزودي حصل ليس لأنه غير مذنب، لا ولكن لعدم كفاية الأدلة وضعفها في إثبات إدانته.

وبعد حكم البراءة وخروج مزودي - من السجن المؤقت على ذمة التحقيق – تم تعويضه عن الفترة التي سجن فيها منذ أكتوبر 2002 ولحد الأن، وفي نفس الوقت رفع قضية لمطالبة السلطات الألمانية بعدم إبعاده الى المغرب، خوفاً من أن تقوم السلطات المغربية بتسليمه الى أمريكا لإعادة محاكمته هناك، وكذلك إعطاءه الفرصة الكافية لإكمال دراسته في مجال الهندسة.

الغريب في الأمر أن المدعو الأردني شادي محمد مصطفى عبد الله قد تم القبض عليه – ومعه شخص فلسطيني وآخر جزائري - منذ مدة في مدينة دوسلدورف، وهو يحاكم الآن بتهمة التخطيط لهجمات داخل ألمانيا لصالح مجموعة فلسطينية يُزعم أن لها صلة بتنظيم القاعدة، وأن هذا الأخير ينتمي في الوقت الحاضر إلى جماعة التوحيد التي يعتقد أن قائد عملياتها هو أبو مصعب الزرقاوي والمطلوب حالياً في قضايا التفجيرات الأخيرة في العراق، وإنه يحاول بالتنسيق مع القاعدة وأسامة بن لادن إيجاد وضع مشابه لجماعة التوحيد في العراق كما كان حال القاعدة في أفغانستان.

ويقول المدعي العام الألماني أن هذه الجماعة وبإيعاز من الزرقاوي – نسبة الى الزرقاء -، تقوم بتطوير خطة لتنفيذ هجوم مسلح في بعض المدن الألمانية وتفجير قنابل يدوية بالقرب من أهداف يهودية أو إسرائيلية. وقد صدر اليوم الحكم على أحدهم بالسجن مدة أربع سنوات، وباقي الخلية في جماعة أبو مصعب الزرقاوي سوف يتم الحكم عليها لآحقاً، في حالة إدانتهم.

الملفت أيضاً للنظر في هذا الحدث والذي يجعل له مذاقه الخاص علينا نحن الألمان، العرب والمسلمين، هو توفر أبعاده الأربعة سابقة الذكر، وما يحمل في طياته من معاني لها دلالاتها في كل بعد من تلك الأبعاد.

البعد الألماني يتحدد في مدى عدالة القضاء وحريته وإلتزامه بالدستور والقوانين المنصوص عليها، وعدم الخروج عليها وإحترامها من قبل المَحاكم والقضاة في هذا البلد، فالقانون والقضاء الألماني – وأنا بعيد كلياً عن لغة القوانين والمحاكم الألمانية، وهي ليست من إختصاصي، وإنما لها رجالاتها – لم يحابي أو يجامل أحد من ممثلي أسر الضحايا الأمريكان المحامي أندرياس شولتس أو حكومة بوش – وخاصة أن العلاقات الالمانية الأمريكية تمر في مرحلة فتور كان من الممكن تحسينها لو أن القضاء الألماني نافق ودهلس بعض الشيئ وخاصة أن المدعو مزودي ليس ألماني الجنسية ولم يكن لأحد أن يعيره أدنى إهتمام لو حكم عليه بغير البراءة - وذلك لتأجيل النطق بالحكم على المزودي بعد أن ثبت للمحكمة عدم كفاية الأدلة والقبض على شاهد الإدعاء في هذه القضية. ومن نافلة القول أن نذكر لكم، أن المحامية التي إنتزعت البراءة للمزودي من سجن محقق، هي "أنثى ألمانية من أصل تركي" والأنثى حسب معتقدات المزودي هي كائن ناقص "عقل ودين" ولا يوأخذ بشهادتها لوحدها في المحاكم "عندنا"، عداك على أن المرأة عورة هي وصوتها، ومع ذلك كله حصلت له تلك "الناقصة" على البراءة ولله في خلقه شؤون.

في البعد العربي وعلى المستوى العربي، أحسست في حسرة من القوانين والدساتير والمحاكم العربية في مثل هذا الحدث وكيف تعاملت المحاكم الألمانية مع هذه القضية الحساسة، وكان الفيصل في الحكم ليس مزاج القاضي وتميع القوانين وعدم إحترام حق الإنسان - لا المواطن إبن البلد فحسب – في الدفاع عن نفسه مهما كان مركزه أو وضعه الإجتماعي وأن الكل سواسية أمام القانون ولا أحد فوق القانون، لا فرق بين وزير أو غفير في ممارسة حقوقه الدستورية. وبمناسبة الدستور، وبمقارنة الدستور الألماني - الذي يطلق عليه هنا القانون الأساسي لألمانيا الإتحادية – والدساتير العربية – دستور يا سيادي دستور – فأن المادة الأولى في الحقوق الأساسية للإنسان الموجود بشكل قانوني صحيح على الأراضي الألمانية هي:" كرامة الإنسان لا يمكن المساس بها مطلقاً، حفظها وحمايتها مسؤولية و واجب مفروض بقوة الدولة " وهنا أضع ألف خط تحت كرامة الإنسان، فالمشرع الألماني وضع كرامة الإنسان – ولم يقل الإنسان الألماني وإنما أي إنسان – في قمت هرم دستور الدولة و واجب صيانتها وإحترامها مكفولة من قبل الدولة وبكل قوة. والشيئ الآخر أن صياغة كلمات المادة مختارة بعناية فائقة ودقيقة، فإستخدام كلمة "المساس" يعني مجرد اللمس أو المس بها، ولم يقل جرح كرامة أو تقليل من كرامة، لا مجرد مس كرامة أي إنسان ما يعاقب عليها القانون وبأقسى العقوبات في بلاد لا إسلامية ولا تدين بالإسلام كمنهاج ودستور حياة ولا بالعروبة كفكر وشعار. وفي المادة الثالثة، الفقرة الأولى من نفس الدستور تقول:" كل الناس سواء أمام القانون " وهذه الفقرة ليست بحاجة للشرح. وتلي تلك المواد مواد أخرى عديدة عن حقوق المرأة وحقوق المعاقين وحقوق الأقليات وحتى حقوق الحيوان موجودة ومحددة ومفصلة ومسها خطوط حمراء.

المواطن عندنا في الدول العربية والإسلامية، هو أغلى ما نملك - لأننا لا نملك غيره والحمد لله لنُهين كرامة اللي خلفه -، والوطن كما قال أحدهم: " .. الوطن ليس أرضاً نحبها لأنها جميلة ونظيفة، نحن نحب الوطن ولو كان قطعة من الصحراء القاحلة، لأننا نشعر فيه بكرامتنا، وبالتمتع بحقوقنا، ومحميين، عندما يتحول هذا الوطن إلى محرقة، ويتحكم حاكمٌ ما في أرواح الناس، وفي مستقبلهم وفي حرياتهم، يصبح لا معنى للوطن ". هذا الكلام قاله عربي ولكنه "للأسف" كتب في الدستور الألماني.

أما من حيث البعد الإسلامي فحدث ولا حرج، وقد ذكرت بعض هذه الأشياء في البداية وهو أن التي حصلت للمزودي على البراءة هي إمرأة، وما أدراك ما صورة المرأة في نظر الألمان وجيرانهم في فرنسا وغيرها من دول أوروبا، وما يجري للمرأة بأسم الدين والتدين وما يمارس عليها من عمليات إرهاب وتخويف وحجر وهجر وقذف وتعزير وتوبيخ وتنقيب وتحجيب، ومن يتابع برامج فضائية إقرأ يصاب بالقرف من سخف المواضيع المطروحة والتي – إن لم أبالغ – في معظمها تتحدث عن المرأة وما لزوجها عليها من حقوق وكيف تجعل من هذا الكائن الخرافي – الرجل – معبوداً لولا لطف الله بها وإعفائها من تلك المهمة. والشيئ الآخر في هذا البعد هو تبعات هذه المحاكم وهولاء المتهميين على صورة الإسلام والمسلمين وخاصة من يعيش هنا، والذي يجعل من الصعب على المسلم العادي القيام بواجباته الدينية دون صعوبات ومعانات، والنظر الى أي مسلم هنا نظرة الإرهابي المجرم مع الحذر في التعامل معه وعدم السماح له بممارسة أي عمل أو أي مهنة أو أي دراسة لها حساسية معينة عند الألمان.

وحيث أن القضية الفلسطينية أصبحت عنوانَ من لا عنوانَ له و هدف من فشل في تحقيق أهدافه وقميص عثمان لمن هو مشلح وعريان، فلا بد من دخول البعد الفلسطيني بمناسبة أو من غير مناسبة على كل حدث تشم فيه رائحة اليهود وإسرائيل، وإن لم يكن للحدث صلة بالفلسطينيين، فلا بأس من الزج بعنصر فلسطيني لتبهير الطبخة وإضفاء الطعم اللذيذ والبعد الدرامي للقضية، وكأننا محور الإرهاب والشر في هذا العالم، ولسنا أصحاب قضية عادلة، تاجر بها القاصى والدانى ولعب على أوتارها وما زال يلعب كل من ليس له ملعب أو لعبة أو يريد أن يبعد اللعب عن أرضه وإرهابه لشعبه وهدر مقدرات بلاده، بأسم القضية ومساعدة الأخوة غربي النهر. ونحن كما قال المثل " لنا في كل عرس قرص ".

أن حقوق المواطن هنا مضمونة ومصانة بنصوص قانونية دستورية لا مجال للتلاعب بها أو التحايل عليها من أي كائن كان – من المستشار وحتى أصغر واحد في الديار -، ويحق للجميع التمتع بها حتى ولو كان إرهابي طالما أنه أنسان له كرامة لا يمكن المساس بها.

جمال أبو شادي