|
From : NAZAR HAIDAR
<nazarhr@hotmail.com>
Sent : Monday, January 26, 2004 3:58 AM
To :
arabtimesnewspaper@hotmail.com
إسألوا أبو ناجي إن كنتم لا تعلمون
من قلم :نـــــزار حيـــــدر
خاص بعرب تايمز
NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM
لن يشهد العراق إستقرارا تاما ، ما لم يؤخذ بنظر الاعتبار رأي المرجعية الدينية
، خاصة في القضايا الحساسة والمصيرية ، كقضية المجلس التأسيسي ، ومشروع نقل
السلطة ، وكتابة الدستور الجديد ، وغير ذلك ، لما يمثل ، هذا الرأي ، من حضور
شعبي واسع ، وثقل سياسي كبير ، لا أبالغ إذا قلت ، إنه يفوق تمثيل وتأثير كل
القوى الأخرى مجتمعة .
هذه الحقيقة ، يفترض أن لا يغفل عنها عاقل ، فالتجربة التاريخية ، والواقع
الفعلي ، شاهدان حيان عليها ، خاصة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ، مطلع
القرن الماضي ، وما سبقها من الاحتلال البريطاني للعراق ، ولحد الآن .
وإذا كان النظام الشمولي البائد ، قد حاول غض الطرف عن هذه الحقيقة وتجاوزها ،
فسعى إلى تمرير سياساته التدميرية بعيدا عن تأثير المرجعية الدينية، ففشل ، فإن
من يحاول تكرار تجربته تلك ، سيكتب له الفشل مسبقا ، لأنه سيصطدم بصخرة صماء ،
لا تساوم على الوطن ، وهي الجهة الوحيدة، التي قد تتنازل عن كل شئ، إلا المصالح
العليا للدين والوطن والشعب ، الدين بما يمثل، من تاريخ وحضارة وتربية وثقافة
وقيم ومناقبيات ، والوطن بما يمثل، من وحدة وسيادة وثروات طبيعية وأمن ، والشعب
بما يمثل، من إرادة وصوت ورأي ومصالح ومنافع حياتية وكرامة وعرض وناموس وحقوق .
على من يسعى، من الساسة العراقيين، لتجاوز رأي المرجعية في القضايا
الاستراتيجية ، فيرفض الإصغاء إلى ما تقول ، عليه أن يعود قليلا إلى الوراء ،
ليقرأ تجربة النظام البائد ، الذي سخر ، تارة ، كل وسائل القمع الدموية لإسكات
صوت المرجعية ، ففشل ، كما حاول استغلالها كجسر يعبر عليه لتنفيذ سياساته
المهلكة ، تارة أخرى ،ففشل كذلك .
كما أن على الولايات المتحدة الاميركية وحليفاتها الغربيات ، أن تستعير ملف
المرجعية الدينية، من أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية ـ سابقا ـ لتقرأ ما
بين أسطره جيدا ، قبل أن تتخذ قرارها النهائي، وتختار طريقة التعامل مع هذا
الملف المعقد والشائك ، حتى لا تكرر خطأ البريطانيين، الذي ارتكبوه في
العشرينيات من القرن الماضي ، ليوفروا على أنفسهم الزمن والتضحيات والسمعة ،
التي لا يحسدون عليها الآن ، خاصة في عالمنا الإسلامي والعربي ، بسبب ارتكابها
لأكبر حجم من الأخطاء بحق شعوبها ، خاصة في مجال صناعة الديكتاتوريات ودعمها،
وسحق حقوق الإنسان .
لقد قرأنا في كتب العلوم والفلسفة وحياة الحيوان ، أن القرود لا تتعلم من
تجاربها ، ولذلك يحاول كل جيل جديد منها ، أن يمر بنفس تجارب الجيل الذي سبقه ،
بحلوها ومرها ، ولكننا لم نقرأ أن بعض فصائل ـ الإنسان ـ تشبه القرود في هذا
الصدد ، إلى حد بعيد ، فلا تقرأ تاريخها ، وإذا قرأته فللتسلية فقط ، من دون أن
تتعلم منه ، فتحاول أن تجرب الحياة بكل تفاصيلها المملة ، من دون أن تحمل نفسها
عناء الإصغاء إلى الآباء والأجداد ، أو إلى كتب التاريخ ، إذا كانت غضة طرية ،
حديثة عهد بالحياة وتجاربها .
لا أحد يريد أن تتكرر تجربة ثورة العشرين الإسلامية التحررية ، ولا أحد يريد أن
يعود بعقارب الزمن إلى الوراء ، ولذلك أتمنى على كل الأطراف ، بمن فيهم
الاحتلال والسادة أعضاء مجلس الحكم الانتقالي ، أن يدرسوا التاريخ جيدا ،
ليستحضروا مفرداته واحدة فواحدة ، ليستفيدوا من نجاحاته ، مع الأخذ بنظر
الاعتبار الواقع الجديد ، ويتجنبوا أخطائه،فلا يكررونها بأي شكل من الأشكال،
خاصة وأن بعض تلك الأخطاء ، كانت قاتلة ، حملت العراقيين ، في بعض المراحل ، ما
لا يطيقون من التضحيات الجسام ، والثمن الباهض ، الذي دفعوه من أجل تصحيحها ،
وتعديل المعوج من السياسات الهوجاء التي انتهجها ـ أبو ناجي ـ ، بريطانيا
العظمى آنذاك ، وعدد من الساسة العراقيين الذين كانوا إما يقدمون مصالحه على
مصالح بلادهم وشعبهم ، أو كانوا يقدمون مصالحهم الطائفية والحزبية ، وأحيانا
العشائرية ، على المصالح العليا للعراق وشعبه .
قد أعذر الولايات المتحدة الاميركية ، إذا لم تفهم مواقف المرجعية الدينية ، أو
لم تقدر بشكل صحيح ، حجمها الحقيقي وقدرتها الواقعية وتأثيرها المباشر في
الشارع العراقي ، لأنها حديثة عهد في التعامل مع هذا الملف الحساس ، ولكنني لا
أعذر مطلقا ، الساسة العراقيين ، إذا فشلوا في التعامل معه ، إذ يفترض بهم أنهم
درسوا تاريخ بلادهم الحديث واستوعبوا دروسه ، هذا إذا لم يسمعوا عنه من آبائهم
وأجدادهم الذين صنعوا هذا التاريخ ، أو كانوا عليه من الشاهدين ، أما إذا كان
بعض هؤلاء من أبناء الجيل الجديد ، الذي لم تتح له الفرصة بعد لدراسة تاريخ
بلادهم ،أو كانوا بعيدين عنه في بلاد المهجر ، فتراهم مثلا قرأوا عن تاريخ
أوروبا وأميركا وإستراليا أكثر مما قرأوا عن العراق وماضيه القريب ، فان
بامكانهم أن يسألوا ويقرأوا ، ليعرفوا الحقائق التي غابت عنهم ، ليتعلموا كيف
يتعاملون مع الواقع ، وكيف يفهمون القوى العراقية الحقيقية ، الدينية منها
والاجتماعية والسياسية .
فكما أن البيت الأبيض قرر أخيرا أن يعيد قراءة المشهد العراقي من جديد ، ليسلط
الضوء على المناطق المعتمة فيه أو المساحات المجهولة بالنسبة إليه ، لدرجة انه
أبدى كامل إستعداده لإعادة النظر في بعض خططه الحالية ، ليأخذ بنظر الاعتبار،
رأي المرجعية الدينية وعلى وجه الخصوص ،رأي السيستاني ، كذلك فإن من اللازم
بمكان ، على الساسة العراقيين المتصدين الآن للمشهد السياسي العراقي ،أن لا
يكابروا ، فلا يقولوا ما لا يعلمون ، وإن قل ما يعلمون ، وإذا جهلوا تعلموا ،
وإذا نسوا تذكروا ، ليتصرفوا بحكمة أكبر وبمسؤولية مشهودة ، تتناسب وحجم
التحديات السيادية الضخمة التي يواجهها العراق .
لقد كدت أن أنفجر من الضحك ، وأنا أقرأ تصريحات نسبت إلى متحدث بلسان مجلس
الحكم الانتقالي ، ـ لم أتأكد بعد ما إذا كانت رسمية ، أم أنها شخصية لا تعبر
إلا عن وجهة نظر صاحبها ـ ، يقول فيها ، أن المجلس رفض الأخذ بنظر الاعتبار رأي
المرجعية الدينية ـ ويقصد السيستاني على وجه التحديد الذي يصر على مطلبه بتشكيل
المجلس التأسيسي من خلال إجراء إنتخابات عامة ، لإشراك العراقيين في العملية
السياسية ، رافضا بشكل قاطع أي شكل من أشكال التوافق السري أو التعيين بالفرض
والإكراه ـ، في خطته التي كان قد وقعها مع سلطة التحالف ، والرامية إلى نقل
السلطة نهاية حزيران القادم .
أتمنى أن لا تكون هذه التصريحات رسمية تعبر بالفعل عن الموقف الرسمي لمجلس
الحكم الانتقالي ، وإلا فإن ذلك يعني أن أعضاءه بدأوا يلعبون بالنار ، وأنهم
بدأوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ، خاصة وأنهم لا زالوا يعيشون عقدة
الشرعية التي تؤرقهم ليل نهار ، كونهم غير منتخبين من قبل الشعب العراقي ، من
جانب ، وبسبب أنهم يئنون تحت ضغط الاحتلال والمتمثل بحق النقض ـ الفيتو ـ الذي
يتمتع به الرئيس الفعلي والحقيقي للمجلس ، السيد بول بريمر الحاكم المدني
الاميركي .
إن من مصلحة المجلس ، أن يقترب أكثر فأكثر من الشارع العراقي ، من خلال إحترام
رأي المرجعية الدينية ، وأخذه بنظر الاعتبار في كل القضايا المصيرية ، ليكتسب
شرعية واقعية وفعلية ، خاصة وأن المرجعية الدينية ، لم تطالبه حتى الآن
بالمعجزة ، أو بما لا يقدر على إنجازه ، إذ أن كل ما تدعو إليه ، وتطالب به ،
هو إشراك العراقيين مباشرة في إنتخاب المجلس التأسيسي ، الذي ستنتقل إليه
السيادة والسلطة من المحتل ، وبالطريقة المناسبة التي يراها ويشخص إمكانيتها
الأخصائيون ، وأصحاب الخبرة، فأين الخلل في هذا الموقف ؟ ولماذا لا يأخذ به
المحتل ومجلسه ؟ فظل يتحجج بأعذار واهية وعلى مدى أشهر طويلة من الزمن ، قضاها
بالنقاش العقيم ، بدلا من أن يبدي جدية أكبر للبحث في ألآليات البديلة لتحقيق
المشاركة الشعبية المباشرة في العملية السياسية ، والتي تعتبر ـ المشاركة ـ
المصداق الحقيقي للديمقراطية التي نبشر بها العراقيين ، والطريق الأسلم
والأسلوب الأفضل لبناء الشرعية الوطنية ، ونحن نؤسس لعراق جديد ؟ .
كذلك ، فإن من مصلحته أن لا يتحمل ثقل المسؤولية التاريخية على عاتقه لوحده ،
فمن الأفضل له أن يتقاسمها مع القوى الأخرى الفاعلة في المجتمع العراقي وعلى
رأسها المرجعية الدينية ، حتى لا يلام على خطأ يرتكبه ، أو تقصير لا يقدر على
مواجهة تبعاته واستحقاقاته .
ولقد ثبت للعراقيين حتى الآن ، أن المرجعية الدينية تفكر باستقلالية أكبر ،
وحرص وطني أشد ، على عكس مجلس الحكم الذي باتت مواقفه محصورة بين مطرقة
الاحتلال وسندان متطلبات واقع العراق الجديد ، ففي الوقت الذي لم يغير فيه
السيستاني آراءه ومواقفه أزاء القضايا الاستراتيجية المطروحة للبحث والنقاش
،فطالب منذ اليوم الأول ، وقبل ستة أشهر ربما ، بالانتخابات لتشكيل المجلس
التأسيسي مثلا ، ما يعني معرفته الجيدة بما يقول ، ووعيه الكامل وتفهمه الشامل
للأمور ، من دون أن يتورط بشئ يجهله أبدا ، غير مجلس الحكم وبدل وتناقض أعضاؤه
في مواقفهم ، إذ نسمع عنه في كل يوم رأي وموقف أزاء الأمر الواحد ، بالرغم من
تعيينه لمتحدث رسمي باسمه لتوحيد الخطاب الإعلامي العلني على الأقل ، وهذا دليل
على أن المرجعية الدينية تنطلق بمواقفها من أرضية صلبة ، تعي الواقع وتفهم
الأمور وتستوعب التجربة ، فيما يبني المجلس مواقفه ، إما على أساس منطلقات
الاحتلال وأجندته السياسية ، أو على أساس مصالح فئوية ضيقة ، لا تأخذ بنظر
الاعتبار استحقاقات المرحلة والظرف ، والتحديات الخطيرة .
ولا أدري لماذا لا يتحلى أعضاء المجلس بالشجاعة الكافية ، ليقولوا ما يعتقدون
به ويرونه صائبا ؟ ، فترى أحدهم يدلي بتصريح ما بعد كل زيارة إلى المرجعية
الدينية في مدينة النجف الاشرف ، وكأنه يوافق رأيها ، بإنتظار أن يعود إلى
بغداد ، ليدلي بتصريح يتناقض تماما مع تصريحه الأول ، فأيهما ، يا ترى ، هو
الذي يعبر عن وجهة نظره الحقيقية ؟ ، وأيهما الذي يؤمن به السادة الأعضاء ؟ ،
هل يتصورون أن بامكانهم توظيف عامل الزمن للتقليل من أهمية رأي المرجعية
ومواقفها ؟ أم يظنون أنها ستنسى اليوم ما قالته بالأمس ، فيقللوا، بهذه الطريقة
الملتوية، من تأثير مواقفها في الشارع العراقي ؟ .
يخطئ من يظن أن بإمكانه أن يبتز المرجعية ، أو يقلل من أثر مواقفها في الساحة ،
أو يروضها بمرور الوقت ، لأنه ، وبصراحة ، ليس هناك ما تخسره على الصعيد الشخصي
، وليس عندها ما تساوم عليه ، لأنها ، وببساطة ، لا تفكر بطريقة المحاصصة ، ولا
تنوي اقتسام الكعكة مع بقية الأطراف ، خاصة مرجعية دينية كالسيد السيستاني الذي
يعرف ألقاصي والداني ، أنه مرجعية محافظة ومعتدلة ووسطية وزاهدة في الدنيا
وملذاتها وزبرجها ، وغير متهالكة على شئ من حطام الدنيا التي طلقتها ثلاثا من
غير رجعة ، فدعا أنصاره من العلماء وطلبة العلوم الدينية ، ومنذ اليوم الأول ،
إلى عدم التدخل في الأمور التنفيذية للبلد ، والاكتفاء بتحمل مسؤولية التبليغ
والتوجيه والمراقبة ، واكتفى هو بتسخير قوة الكلمة الطيبة والمنطق الحسن
والحكمة والموعظة الحسنة ، للحفاظ على، وصيانة المصالح العليا للعراق
والعراقيين ، بعيدا عن حسابات الربح والخسارة الضيقة الأفق ، كما أنه لم ينو
الدخول في العمل الحزبي والسياسي المباشر ، فضلا عن أنه لا يمتلك أية أجندات
سياسية للوصول إلى السلطة ، ولذلك ، مثلا ، ظل يراقب الساحة وتطوراتها لمدة
زادت على ثمانية أشهر ، قبل أن يحدد الأسبوع الماضي موقفه من مجلس الحكم
الانتقالي ، عندما قال أنه لا يمتلك الشرعية اللازمة ، التي تؤهله لاتخاذ
القرارات السيادية ، لأنه غير منتخب من قبل الشعب العراقي .
ولمن لم يفهم دور المرجعية الدينية ، خاصة خلال القرن الماضي من الزمن ، أو لم
يستوعب بعد حجمها الحقيقي وثقلها الواقعي في الشارع العراقي ، أذكره بتاريخها
ألجهادي والنضالي الطويل ، المعمد بالدم والمعاناة المستمرة ، والذي يثبت لكل
ذي بصيرة أو ألقى السمع وهو شهيد ، أنها لا تطمع بحصة ، ولا تطمح لمنصب ، ولا
تنتظر من أي أحد ، أجرا على موقف أو رأي ، ولذلك اصطبغ تاريخها بالتضحيات
والدماء والهجرة والملاحقة والاغتيالات ، وكل ذلك بسبب مواقفها المبدئية
الثابتة ، أزاء القضايا المصيرية التي تخص الدين والوطن والشعب ، بدءا من
تصديها ألجهادي للغزو البريطاني للعراق عام 1917 ، بقيادة العديد من رموزها
الثورية من أمثال ألحبوبي واليزدي ، مرورا بقادة ثورة العشرين الإسلامية
التحررية ، وعلى رأسهم الشيرازي ومن بعده الاصفهاني ، ثم دفاعها ووقوفها إلى
جانب حقوق الشعب العراقي ، والضغوط التي مارستها لانتزاعها من المحتل آنئذ ـ
بريطانيا العظمى ـ بقيادة ألخالصي وزملاءه ، بالرغم من كل ما تحملت بسببها ومن
أجلها ، كان آخرها تهجيرهم إلى خارج العراق بحجج وأعذار واهية ، وبالتنسيق بين
الوزارة العراقية وسلطة الاحتلال ، وحتى تصديها للغزو البريطاني الثاني للعراق
في الأربعينيات من القرن الماضي ، مرورا بكل التضحيات الجسام التي قدمتها
المرجعية الدينية من أمثال الشهيد الصدر الأول ، والقافلة التي تبدأ ولا تنتهي
، من شهداء المرجعية الدينية التي ضمت الآلاف من العلماء والفقهاء والمفكرين
وكبار أساتذة الحوزة العلمية وطلبة العلوم الدينية ، والهجرة والمطاردة
والاغتيال الذي تعرضت له العديد منها ، من أمثال المرجع الشيرازي والشهيد السيد
مهدي الحكيم والشهيد السيد حسن الشيرازي ، وأخيرا التصدي الحازم والشجاع
والنادر للنظام الديكتاتوري البائد ، من قبل المرجع الشهيد الصدر الثاني ، الذي
قاد ثورة عارمة ضد الطاغية الذليل صدام حسين ، وإنتهاءا بالدم المسفوك ظلما
وعدوانا في محراب الصلاة في مرقد الإمام علي بن أبي طالب ـ ع ـ في مدينة النجف
الاشرف قبل مئة وخمسين يوما تقريبا ، عندما أغتيل الشهيد السيد محمد باقر
الحكيم والمئات من المؤمنين المصلين .
وبعد كل هذا التاريخ ألجهادي والنضالي الحافل للمرجعية الدينية ، يأتي من
يستكثر عليها رأيا تدلي به في قضايا العراق ، أو موقفا تبديه أزاء تطوراته ،
فيطالبها بعدم التدخل في السياسية ، أو يطالبها بالتوقف عن الإدلاء بالتصريحات
ذات الشأن العام ، فيما تطرف آخرون عندما دعوا الاحتلال لعدم منحها حق الممارسة
السياسية والتعاطي بالشأن العام ، وكأن المشاركة السياسية ليست حق مكفول لكل
مواطن من دون تمييز ، لا يحق لأحد سلبه من أحد مهما كانت الظروف والأعذار .
لو لم يكن من حق المرجعية الدينية أن تقول ما تراه صحيحا ومناسبا في هذه
القضايا الاستراتيجية والمصيرية ، فمن له الحق إذن في إبداء رأيه ؟ .
إن السيستاني وأمثاله من المرجعيات الدينية ، هم ورثة تاريخ جهادي عريق مصبوغ
بالدم والدموع والآلام والمعاناة اليومية ، ولذلك ، فهو أول من يحق له أن يتدخل
في كل القضايا ذات الشأن العام ومن دون منازع ، وهو أول من له الحق في أن يتحدث
بصوت عال ومرتفع ، ويبدي رأيه في الأحداث ، ويعبر عن مواقفه في التطورات ، أما
أولئك الذين قضوا نصف عمرهم أو أكثر منعمون في بلاط الملوك والأمراء والرؤساء ،
يلحسون قصاعهم ، ويفترشون رياشهم ، أولئك الذين لم يضحوا ، ـ لا هم ولا عوائلهم
أو حتى عشائرهم ـ ، بقطرة دم واحدة ، ولم يذرفوا دمعة على صورة من صور المأساة
الرهيبة التي عاشها العراق ، طوال حكم النظام البائد، أما أولئك ، فهم آخر من
يحق له أن يتحدث أو يبدي رأيا أو موقفا ، فقبلهم يقف ملايين العراقيين الذين
ضحوا بدمائهم وأرواحهم وأعمارهم وبكل ما يملكون ، من أجل التصدي للنظام الشمولي
البائد .
فهمنا مصدر شرعية تدخل المرجعية الدينية في الشأن العام ، إنه تاريخها ألجهادي
ومواقفها البطولية المسؤولة والشعب الذي أثبت الواقع الحالي إلتفافه حول
طروحاتها ، والتزامه بنهجها ومدرستها ، فمن أين اكتسب أولئك مشروعية تدخلهم ؟
وهم الذين لم يشهد لهم التاريخ بموقف مسؤول واحد لصالح الشعب العراقي ، فضلا عن
أنهم غير منتخبين أو مفوضين من قبل العراقيين للتحدث باسمهم أو التدخل بشؤونهم
؟ .
عجبا لأمر بعضهم ، كيف يهرولون إلى المرجعية لاستصدار مواقفها الشرعية والوطنية
أزاء المخاطر التي يتعرضون لها كونها تمسهم في الصميم ، وتهدد مشروعهم ، ولكنهم
يرفضون منها رأيا إذا لم يأت منسجما مع طريقة تفكيرهم ، أو لا يخدم طموحاتهم
الشخصية والحزبية .
إن لم يكن من حق المرجعية الدينية أن تتعاطى السياسة ، فلماذا يؤمها القادة
وزعماء الأحزاب السياسية كلما داهمهم خطر أو واجهتهم مشكلة أو اختلفوا حول قضية
؟ ، أترى أنهم يسألونها عن دينهم وعباداتهم ؟ أم كيف يتطهرون من رجسهم ؟ ، أم
يستخيرون الله عندها ؟ أم أنهم يزورونها للإصغاء إلى آرائها في القضايا
السياسية ؟ حقا أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، فيهرعون إليها متى ما
أرادوا ، ويطالبونها بالكف عن تعاطي السياسة متى ما أغاضهم رأيها ، وكأنها مطية
لأغراضهم وجسرا لأهدافهم ، يمتدحونها ويحسنوا تدخلها بالسياسة ، إذا أحبوا
رأيها ، ويتهجمون عليها ويستنكرون تدخلها في السياسة ويطالبونها بالكف عن ذلك ،
إذا كرهوا رأيها السياسي .
ليس عند المرجعية الدينية فتاوى جاهزة تحت الطلب ، ليستصدرها السياسيون متى ما
أرادوا أو رغبوا في ذلك ، أو متى ما شاءت ظروفهم لخدمة أجندتهم السياسية .
إن لم تكونوا تعلمون علم اليقين ، بأهمية رأيها وثقل وزنها في الساحة ، فلماذا
كل هذا الاهتمام الذي تبدونه أزاء آرائها ؟ ، وإذا كان موقفها مهما لهذه الدرجة
، فلماذا تحاولون تجاهله ؟ ، دعوها تدلي برأيها ، وقولوا ما ترونه مناسبا من
آراء ومواقف ، ثم ليقض الشعب بينكم وبينها ، فهو أصدق تعبيرعن الحقيقة ، وأدق
الموازين التي يمكن أن نقرأ فيها التأثير الحقيقي والواقعي لما يقال ويطرح من
آراء ومواقف ومشاريع .
أقول بصراحة ، أن أي موقف سلبي من المرجعية الدينية المعتدلة ، سيشجع المتطرفين
على التمسك بمواقفهم المتطرفة ، ولذلك يلزم التصرف بحكمة بعيدا عن الاستعجال
والاندفاع الأعمى وراء المتشبعين بالكراهية والعدوانية لكل ما يمت إلى الدين
وأهله بصلة ، ما يدفع باتجاه تأزيم وتعقيد الأمور أكثر فأكثر ، فتخيم من جديد
أجواء ثورة العشرين الإسلامية التحررية في سماء العراق ، وليس في ذلك أية مصلحة
لأية شريحة من شرائح المجتمع العراقي .
إن المرجعية الدينية فخر العراق وعزه ، وأن العراق مدين لها بمواقفها وتضحياتها
الجسام ، إلى جانب تضحيات العراقيين بكل شرائحهم ، فهي التي تصدت لاحتلال
العراق مرتين ، الأولى في العام 1917 ، والثانية في العام 1944 ، وها هي تتصدى
للاحتلال الثالث بكل حكمة وسعة صدر ، وبالمقاومة السلمية والسياسية ما لم
تستنفذ أغراضها ، فنجحت حتى الآن في حقن الدماء التي كادت أن تراق أنهارا غزيرة
من جديد بسبب التطرف الذي حاول توظيفها لخدمة أغراضه العدوانية وأهدافه
الظلامية ، من خلال مساعيه الكبيرة التي بذلها لجر شريحة كبيرة من العراقيين،
إلى ممارسة العنف ، لولا الموقف العاقل والحكيم الذي وقفته المرجعية الدينية .
لا أحد يريد أن تتكرر تجربة ثورة العشرين الإسلامية التحررية ، ونحن على أبواب
شهري الثورة والحرية والتحرر ، ـ محرم وصفر ـ ، ولكن لكل صبر حدود ، فلا تدعوا
الكيل يطفح من إنائه .
أسمع همسا وكأن بعضهم يسألني ، كيف ؟ .
أجيبه همسا كذلك في أذنيه ،اسألوا أبو ناجي إن كنتم لا تعلمون ، فعنده الخبر
اليقين و ... كل التجربة
|