|
From : Zaid Nabulsi
<zaidnabulsi@yahoo.com>
Sent : Thursday, October 21, 2004 2:29 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : study/article on ahadeeth
أكذوبة الأحاديث "الصحيحة"
بقلم : زيد نابلسي
Wednesday, July 04, 2007
مقدمة:
عندما يُفرَضُ على المرء بأن يلغي عقله ويعطل التفكير، وبأن يتقبل رواياتٍ
وخرافاتٍ تتنافى مع المنطق، وكل ذلك باسم الدين الإسلامي وتحت طائلة التكفير،
يتحول هذا الدين إلى عبءٍ ثقيلٍ وأداةٍ تشل التقدم والإبداع في أي مجتمع وتمعن
في ترسيخ التخلف والجهل. و يكمن السبب اليوم في الإحتكار المطلق لتفسير الدين
الإسلامي وفهم روح تعاليمه من قبل الذين يدَّعون الفقه والعلم ويُنَصِّبون
أنفسهم "علماء" و "فقهاء" و "شيوخ" و "رجال دين".
فمع أن الدين الإسلامي لم يعرف الكهنوت أو ما يسمى برجال الدين، ولم يعترف بأي
مناصب دينية، ولم يَحصُر حق تفسير الدين بأشخاص معينين، ترانا اليوم نخضع في
فهمنا للدين إلى تفاسير وفتاوي وروايات فُرِضَت علينا من قبل شيوخ وكهنة
يعتمدون في فهمهم للدين على كتب عمرها مئات السنين، عقولهم متحجرة تزعم احتكار
الحقيقة ولا تطيق سماع رأي مخالف، وسائلهم في الإقناع تعتمد على الصوت العالي
وتغييب المنطق، يجرؤون في القرن الواحد والعشرين بأن يحشروا أنوفهم بما يجوز
فيه الإجتهاد – أي التفكير والتفسير - وما لا يجوز، ويتدخلون بما يحق لباقي
المسلمين إعمال العقل فيه وما لا يحق. وهم في مسعاهم هذا لا يأبهون بأن يكفروا
كل من يعارض طرقهم وتفاسيرهم التي عفا عليها الزمن، ولا يخشون الله حتى في
تحليل سفك دم كل من يخالفهم في تخلفهم.
من الأسلحة التي تُشهر في وجوه المستنيرين الذين يرفضون الانصياع لأوامر هذه
الفئة من محتكري الحقيقة مجموعة من الكتب الصفراء، عمرها مئات السنين، تَزعُم
أنها جامِعة لأقوال سيدنا محمد، أطلق عليها مؤلفوها أسماءاً تدعي الصحة في نفس
الإسم لتقطع الطريق بذلك على كل من تُسَوِّل له نفسه بالتفكير في صحة الأحاديث
التي تحتويها هذه الكتب، وفي ما إذا كان رسول الله قد تفوه حقاً بما جاء فيها
أم لا. إذن هذه الكتب تصف نفسها بنفسها مسبقاً بالصحة والصواب مثل "صحيح
البخاري" و "صحيح مسلم" والتي ادعى مؤلفوها بأنها جامعة للأحاديث الصحيحة فقط،
أي تلك الأحاديث المفروغ من مسألة دقتها والتي لا مجال للبحث أصلاً في صحة
الروايات الواردة فيها. وبلا شك بأنكم قد سمعتم شيوخ المسلمين يرددون بأن
"الصحيحين"، والمقصود بهما "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، هما أصدق كتابين بعد
القرآن الكريم، ويكررون هذه المقولة وكأنها من المسلمات والحقائق الشرعية التي
لا لبس فيها.
وكأني أشعر نفراً من القراء امتعضوا قبل أن يكملوا القراءة، وأحسبهم لم يتوقعوا
أن يشكك أحد في هذه الدنيا بما رسخ وترسخ في أذهان المسلمين على أنه "صحيح" لا
تحوبه الشبهات. ولهذا فإني أناشد القاريء صبراً، فهذه الكتب والمجلدات الضخمة
تدعي أنها جوامع موثقة لأحاديث وقصص منسوبة مباشرة إلى سيدنا محمد صلى الله
عليه وسلم، وعلى هذا الأساس فهي تحتوي على الجزء من الدين الإسلامي الذي يُدعى
السنة.
ولما كانت مثل هذه الكتب في هذه المرتبة من الأهمية والحساسية والخطورة لكونها
المرجع الرئيسي لما يسمى بالسنة، وبما أن السنة في الإسلام هي المصدر الثاني
بعد القرآن والذي تأتي منه الغالبية العظمى من التعاليم والمباديء التي على
أساسها يفهم المسلمون دينهم ويطبقونه اليوم، لهذا كله بات من الواجب علينا أن
نسأل ونتسائل عما يمنح هذه الكتب تلك الدرجة من "الصحة" وما هو الذي يكفل لنا
مصداقية ما ورد فيها؟
ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث. فالسبب الذي يدعونا للتشكيك في الأحاديث التي
تحتويها هذه الكتب "الصحيحة" هو أنها تنسب إلى سيدنا محمد من أقوالٍ وأفعالٍ لا
يعقل أن تكون قد صدرت عن سيدنا محمد ولا يمكن أن يكون لها أدنى أساسٍ من الصحة.
ولبيان ذلك نأتيكم بالإثبات القاطع لنبرز الحقائق جلية لمن يريد أن يفتح عقله
وقلبه ليبصرها.
أكذوبة "علامات الساعة":
يعلم كل مُطَّلِع على القرآن الكريم و على تاريخ الدعوة الإسلامية بأن الأعراب
لم يكفوا يوماً عن سؤال النبي عن موعد قيام الساعة. وقد كان جوابه لهم دائماً
جواباً صارماً وهو بأن يكفوا عن مثل هذه الأسئلة، ذلك لأن الله وحده هو الذي
يعلم غيب الساعة، ولأنه لن يتسنى لبشر أن يطَّلِع عما سيحدث في المستقبل، و أنه
لا يجوز لنا أن ندعي - أو حتى نحاول - معرفة أي شيء عن علم الغيب. فعلم الغيب
متروك لعالم الغيب وحده سبحانه وتعالى، وليس للبشر من دونه أن يُبصِروا ما
تُخفيه ولو ثانية واحدة في المستقبل. هذا هو المبدأ المستقر في أساس العقيدة
الإسلامية والذي لا يختلف عليه إثنان.
ولما كَثُرَ سؤال الجاهلين للنبي نزل قوله تعالى ليحسم الموضوع بشكل قطعي وصريح
فأجابهم بدون لبس أو تمويه:(يَسألونَكَ عَنِ السّاعةِ
أيّانَ مُرساها قُل إِنما عِلمُها عِندَ رَبّي لا ُيجَلِّيها لِوَقتِها إلا
هُوَ ثَقُلت في السَّماواتِ وَالأَرضِ لا تأتيكُم إلا بَغتةً يسألونَكَ كأَنك
حَفِيٌّ عَنها قُل إِنما عِلمُها عِندَ الله ولكِنّ أكثرَ الناسِ لا يَعلَمون)
187 الأعراف.
ونزلت آيات أخرى في القرآن الكريم لتبين أن شؤون الساعة هي بيد الله وحده وأن
السؤال عنها لن يجدي ولن يجلب إلا الجواب نفسه وهو أن علمها عند الله وحده.
فقال تعالى:(يسألونَكَ عَنِ السّّاعَةِ أيّانَ مُرساها *
فيمَ أَنتَ مِن ذِكراها * إِلى رَبك مُنتَهاها * إنَّما أنتَ مُنذرٌ مَن
يَخشاها)
44،43،42،45: النازعات
وبالرغم من هذا المبدأ الواضح والمتأصِل في جذور الدعوة الإسلامية وفي نص
القرآن والذي يقضي بعدم جواز البحث في الغيب وبالأخص عدم جواز الخوض في علم
الساعة وموعدها، ويحدد للرسول كيفية جواب السائلين (قُل إِنما عِلمُها عِندَ
رَبّي ... قُل إِنما عِلمُها عِندَ الله)، على الرغم من هذا كله، يطالعك كتاب
"صحيح مسلم" بكمٍ هائلٍ من الأحاديث التي يزعم الكتاب أنها منسوبة إلى سيدنا
محمد وتحمل هذه الأحاديث بالطبع صفة الصحة التامة وتتردد في كثير من الكتب
الفقهية الأخرى وبأكثر من صيغة ومن على منابر المساجد وتكاد تسمعها في كل
مناسبة. وأحد هذه الأحاديث المنتشرة هو الآتي، أقتبسه حرفياً من "صحيح مسلم":
" حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب (يعني ابن عبد
الرحمن) عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا
تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبىء اليهودي من
وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي
فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود."(راجع صحيح مسلم/الجزء
الثامن).
وهنالك الكم الغزير والمتنوع من الأحاديث "الصحيحة" المطابقة أو المشابهة لهذا
الحديث حول علامات الساعة والتي سنسرد بعضها لاحقاً. ولكن دعونا أولاً نراجع
بإمعان هذا الحديث الدارج.
إذا توفرت لدينا الشجاعة الفكرية الكافية لقراءة هذا الحديث المزعوم باستخدام
عقولنا، لوجدنا أنه يبدأ بالقول: "لا تقوم الساعة حتى..." ثم يضع شروطاً
لقيامها وهي أن تحدث أمور معينة يحددها هذا الحديث.
إذن بدايةً فلنفكر ونسأل أنفسنا ما هي المناسبة التي قد تدعو سيدنا محمد إلى
التفوه بمثل هذا الكلام كما يُطلَب منا أن نصدِّق؟
هل يدعي الراوي، أو الرواة، أن النبي كان جالساً يتحدث إلى أصحابه ففاجأهم
عرضاً وبدون مقدمات بأن بدأ يقول : " لا تقوم الساعة حتى... " ؟ بالطبع لا. من
البديهي جداً أن مثل هذا الكلام الذي يُزعَم أنه قد صدر عن رسول الله لا يمكن
إلا أن يكون جواباً على سائلٍ يسأل، مثلما كان يسأل الكثيرون:" يا رسـول الله،
متى تقـوم السـاعة؟ "
وهل يعقل لسيدنا محمد، والذي بعث ليحررنا من المتناقضات لا ليغرقنا بها، والذي
أجاب المسلمين تكراراً ومراراً كما أُمِر في القرآن بأن يكفوا عن السؤال وبأن
يدركوا أن علم الساعة هو عند الله وحده، وبأنه ليس للآدميين أي دراية بموعد
قيامها، أقول هل يعقل للمؤتمن على الوحي وعلى الرسالة السماوية المقدسة أن يصدر
عنه مثل هذا الحديث وهو يجاوب على هذا السؤال؟
لا بل إنه لمن المستحيل أن يوفق أي إنسان عاقل بين الرفض القاطع للبحث في ميعاد
الساعة المنصوص عليه في القرآن الكريم وبين حديث مدسوس غير صحيح ينسب إلى سيدنا
محمد بأنه أعطى جواباً على أسئلة السائلين غير الجواب الواحد الواضح والمحدد
والذي لا يجوز أن يجاوب بغيره، وهو: (إِنما عِلمُها عِندَ الله) .
ونلاحظ في الآيات القرآنية أعلاه نوعاً من الإستغراب والتوبيخ لموجهي هذه
الأسئلة للنبي (يسألونَكَ كأَنك حَفِيٌّ عَنها) وذلك للتشديد على عدم أهلية أي
من البشر، بمن فيهم رسول الله نفسه، للتنبؤ بقرب أو بابتعاد يوم القيامة (فيمَ
أَنتَ مِن ذِكراها) وذلك ولو بإعطاء علامات أو إشارات أو حتى إيماءات للتدليل
على موعد الساعة.
وهل يعقل أن يكون النبي قد جاوب السائلين كما أمره الله، ثم أضاف إلى جوابه
أمراً متناقضاً، كأن يقول مثلاً: "إن علم الساعة عند الله وحده ... ولكن
انتظروا قليلاً، سأخبركم تقريباً متى ستقوم... واطمئنوا فإني أجزم لكم بشكل
قاطع بأنه لن تقوم الساعة إلا عندما ... (حدوث كذا وكذا)"؟!
لا بل يعيب علينا أن ندعي أن رسول الله قد خالف كلامَ باعِثِهِ ومُرسِلِهِ
وناقض نفسَه فحَرَّف النص الإلهي الصريح بمثل هذه الأحاديث المختلقة وأجاب
السائلين بغير ما أمره الله أن يجيبهم.
والأهم من ذلك هو أثر مثل هذه الأحاديث على واحدٍ من أبسط المباديء الجوهرية في
الإسلام. فكلنا يعلم المبدأ المستقر في العقيدة الإسلامية بأن الساعة قد تقوم
في أي لحظة كانت وبدون سابق انذار، فتباغتنا حتى وبينما نحن نقرأ هذه السطور،
وأنه ليس لمخلوق بأن يتدخل في مشيئة الله ويجزم أن الساعة لن تقوم اليوم أو
غداً أو في الأسبوع القادم لعدم استيفاء الشروط المزعومة، ذلك لأن القيامة قد
تقوم في هذه اللحظة الآن أو بعد يوم أو بعد ألف عام والذي بيده قرارها وعلمها
هو الله وحده. وهذا مبدأ أساسي مترسخ في أساس دعوة الإسلام ولا يجرؤ أحد على
إنكاره. ولذلك فقد حسم الله سبحانه وتعالى موضوع احتمال قيام الساعة في أي لحظة
وبدون شروط مسبقة ولم يترك مجالاً للشك في نص القرآن على ذلك. فيلتمعن القاريء
في هذه الآيات:(يَسأَ لُك الناسُ عَنِ السَّاعَةِ قُل
إِنما عِلمُها عِندَ الله وما يُدريكَ لعلَّ السَّاعةَ تكونُ قريباً)
63: الأحزاب.
(الله الذي أَنزَلَ الكِتابَ بالحقِ والميزان وما
يُدريكَ لعلَ السَّاعةَ قريبٌ)
17:الشورى.
حتى أن الله أكد أن الساعة تكاد تكون في أي لحظة كانت لدرجة أنه قال:
(إِنَّ السَّاعَةَ آتيةٌ أَكادُ أخفيها لِتُجزى
كُلُ نَفسٍ بما تَسعى)
15:طه.
وقال أيضاً: (ولله غَيبُ
السَّماواتِ وَالأَرضِ وما أَمرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمحِ البَصَر أَو هُوَ
أَقرَبُ إِن الله على كُلِ شَيءٍ قَدير)
77: النحل.
هذا نص القرآن الكريم الصريح الواضح.
ولكن الحديث المزعوم أعلاه، وجميع الأحاديث المشابهة له، تسمح لقارِئِها بأن
يجزم أن الساعة ليست قريبة على الإطلاق بل أنها لن تقوم اليوم ولا غداً ولا بعد
زمن طويل وذلك بسبب عدم تحقق الشروط المسبقة التي تضعها مثل هذه الأحاديث
المُزَوَّرة. ذلك لأن أي استعمال لعبارة: "لا تقوم الساعة حتى..." هو دعوة
صريحة للإطمئنان بأنها لن تقوم قبل استيفاء هذه الشروط.
فكيف إذن يقول الله أن الساعة قد تكون قريباً حتى أنه يكاد يخفيها فتأتي كلمح
البصر أو أقرب، إذا كان الحديث المزعوم ينكر ذلك بكل ثقة ويخبرنا ويؤكد لنا
بأنه لن تقوم الساعة قبل استيفاء شروط عديدة ومحددة وحدوث أمور خرافية عجيبة من
الواضح أنها لم تتحقق بعد؟ وأي من النصين علينا أن نصدق؟ كلام الله الذي لا
يأتيه الباطل أم حديث مزعوم يناقض القرآن؟
وإذا افترضنا جدلاً أن هنالك فعلاً شروطٌ لقيام الساعة وتجاهلنا النصوص
القرآنية الواضحة، فإن الجـزم الموجود في الحديث المزعوم بمعرفة هـذه الشـروط
والعلامات الصارخة ومن ثم إعلامها ونشرها على الملأ يبـطـل أيضاً الـنـص
القرآني أعلاه في سورة الأعراف :
(لا تأتِيكم إلا َبغتةً)
وقال تعالى أيضاً في موضع آخر: (هل
ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتةً وهم لا يشعرون)
66:الزخرف.
والبغتة كما تعلمون، وهي المفاجأة الغير متوقعة، تتناقض كلياً مع العلامات
والدلائل والإنذارات المبكرة والفاضحة (حديث الحجر والشجر وانحياز نوع محدد من
النبات لليهود وغيرها من الخرافات) والتي تؤكد هذه الأحاديث أن الساعة لن تقوم
قبل أن تحدث فعلياً.
ولتلخيص الموضوع وتبسيطه فلتسألوا أي شيخٍ يدعي العلم السؤال التالي: هل يمكن
أن تقوم الساعة اليوم أو غداً؟ بكل بساطة، إسألوه هل حدوث هذا الأمر ممكن أم
لا؟ بماذا سيجيب؟
إذا اتّبع هذا الشيخ أساس القرآن والدين وهو أن الله سبحانه لا يمكن لأي شروطٍ
أن تقيد مشيئته وأن الساعة قد تكون قريبة يكاد يخفيها أو قد لاتكون فسيكون
بالطبع جوابه أن الساعة قد تباغتنا في أي وقت كان. أما إذا كان من المصدقين
والمروجين لهذه الأحاديث فسيكون جوابه أن الساعة لا يمكن أبداً لها أن تقوم
اليوم ولا غداً لأن هنالك قائمة طويلة من الشروط التي لم تتحقق بعد. وعندها
اذكروا الآيات القرآنية أعلاه واسألوه كيف إذن يقول القرآن: " وما يُدريكَ
لعلَّ السَّاعةَ تكونُ قريباً ".
هذا منطق بديهي ولكننا نضطر لتوضيحه بهذا التدقيق والتفصيل لسماكة الضباب الذي
تكاثف حوله فأغشى أبصار المسلمين. فمن المستحيل أن يكون رسول الله قد دعى
أصحابه إلى أن يضيعوا وقتهم في أمور لا نفع منها وذلك بأن يترقبوا اليوم الذي
ينطق فيه الحجر والشجر، بعد أن أمضى دهراً وهو يدعوهم إلى نبذ الخرافات ويقنعهم
بالحجة والمنطق بأن الجماد والتماثيل والحجارة ما هي إلا أصنام لا حول لها ولا
قوة ولا يمكن لها أن تُسمِن أو تُغني من جوع – ناهيك أن تنطلق بالكلام بل وتنقذ
حياة المسلمين في الحرب - وكأنه يقول للناس أن الساعة لن تقوم أبدا.
فمن شروط الساعة الأساسية المذكورة في هذه الأحاديث "الصحيحة" مثلاً شرط شروق
الشمس من الغرب!! نعم، فإن مروجي هذه الأحاديث يريدوننا أن نصدق أن رسول الله
قال للمسلمين جازماً أن الله لن يقيم الساعة حتى يرى المسلمون الشمس وهي تشرق
من الغرب، وكأنه مَعاذ الله يقول للمسلمين أن الساعة لن تقوم حتى يرون نجوم
الظهر، وإليكم نص الحديث:
"حدثنا أبو خثيمة زهير بن حرب واسحق ابن ابراهيم وابن
أبي عمر المكي (واللفظ لزهير) قال اسحق أخبرنا وقال الآخران حدثنا سفيان بن
عيينة عن فرات القزاز عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال اطلع النبي
صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر قال فما تذاكرون قالوا نذكر الساعة قال
إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس
من مغربها ونزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم وياجوج ومأجوج وثلاثة خسوف
خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد
الناس إلى محشرهم". (راجع صحيح مسلم/الجزء
الثامن).
ولاحظوا كيف أن الذي يروج هذه القصة يزعم أن رسول الله قد أتى على أصحابه
فوجدهم يتحدثون عن الساعة ("ونحن نتذاكر") فبدلاً من أن يذكر لهم كلام الله بأن
علمها عند الله وحده وبأنه كبشر ليس حَفيٌّ عنها، وبدلاً من أن يدعوهم بأن
ينصرفوا إلى أمورٍ تنفعهم بدل الخوض في علم المستقبل وموعد القيامة، بدلاً من
هذا كله يدعي هذا الكاذب الذي يروج هذه الأحاديث أن النبي أخذ يخوض معهم في هذه
الأساطير والخرافات بل وزادهم تخريفاً يتناقض مع القرآن الكريم ليضلهم به فوق
ضلالتهم.
وفيما يتعلق بطلوع الشمس من مغربها، فقد نسي هذا الذي زور كلام النبي أن الأرض
كروية وأن الشمس دائمة الإشراق كنور الله سبحانه وتعالى، وأن الأرض هي التي
تدورحول نفسها (وحول الشمس)، وأنه في اللحظة التي نرى فيها بزوغ الفجر كل صباح
في بغداد مثلاً، فإن قوماً آخرين في مكان آخر من العالم يمرون بفترة الظهر وأن
قوماً آخرين يرون الشمس تغرب لديهم وآخرين ينتظرون الصباح... وهلم جرى، وكل ذلك
في اللحظة ذاتها، وذلك نتيجةً لدوران الأرض حول نفسها. ويبدو أن هذا المغرض لم
يعلم أن الشمس لا يمكن لها أن تطلع من الغرب لأنها إذا طلعت من الغرب ذات صباحٍ
كما يراها سكان بغداد مثلاً فإن ذلك يعني أن الأرض قد توقفت عن الدوران ثم أخذت
تدور بالعكس في ساعةٍ من النهار في منطقة أخرى من العالم، أي أن الشمس في تلك
الساعة من النهار قد توقفت في عنان السماء كما سيبدو مرئياً لسكان تلك المنطقة
وأخذت تعود أدراجها الى الشرق. ذلك لأن هذا الجاهل لم يدرك أن الليل والنهار
حالتين نسبيتين مستمرتين طوال الوقت في جميع أرجاء العالم حسب تواجد الشخص في
أي بلد وأن الشمس لا تشرق على العالم كله وتغرب في نفس الوقت. وهذه معلومات
بديهية أصبحت تدرس للأطفال وليست اكتشافات علمية معقدة. فكيف إذن ستشرق الشمس
من الغرب؟ وأي بقعة من العالم تلك التي ستشهد هذا الفجر الموعود كشرط لقيام
الساعة؟ هل سيحدث هذا الشروق ذات صباح في الأردن بينما الشمس تسطع أو تقارب على
الغروب في بلد آخر؟!
وإذا افترضنا جدلاً أن مثل هذه الشروط العجيبة والمستحيلة عملياً قد حصلت
فعلاً، فأين هي "البغتة" التي اشترطها القرآن الكريم؟ وسيرد البعض هنا بالإدعاء
أن البغتة المقصودة يمكن لها أن تتحقق حتى بعد ظهور كل علامات الساعة المذكورة
في الأحاديث، أي أنه بعد استيفاء الشروط المزعومة جميعها سيظل الناس لا يعلمون
الموعد المحدد لقيام الساعة وبعدها ستأتي بغتةً كما جاء في القرآن.
وهنا نستعجب من تصميم هؤلاء على تصديق ما لا يُصَدَّق، ونتسائل ونقول لهم
بِرَبِّكُم كيف سيبقى هنالك بغتة أو مفاجأة للإنسان إذا قامت الساعة بعد أن
يتحدث إلينا الحجر والشجر؟ وهل يمكن أن يعود المسلمون للإنشغال بأمور أخرى
وينسون ما حدث لكي يُباغَتون بعد ذلك بقيام الساعة إذا كانت سنة الحياة قد
انقلبت وتوقفت حركة دوران الأرض فجأة لتدور في الاتجاه المعاكس كما يكذبون؟
وسيدَّعي آخرون أن في القرآن الكريم نفسه آيات فيها شروط لقيام الساعة وسيرددون
آية يأجوج ومأجوج في أواخر سورة الكهف لدعم حجتهم، وهذا كلام باطل يعتمد على
تفسير خاطئ للآية المعنية ولآيات القرآن الكريم إذ أنه لا يوجد في تلك الآية أي
إشارة إلى علامات للساعة. وإذا كان في القرآن فعلا إشارة إلى علامات مصاحبة
لاقتراب يوم القيامة، فإن الأمر الذي لاريب فيه هو أن الله قد قصد بأن لا يطلع
الآدميين على هذه العلامات ولذلك أمر الرسول بأن يدعونا ألا نخوض فيها لأنه:
(لا ُيجَلِّيها لِوَقتِها إلا هُوَ)
187: الأعراف.
ومهما حاول البعض فلن يستطيع عاقل مخلص أن يفسر آية واحدة في القرآن الكريم على
أنها تبين أو تشير إلى دلائل اقتراب الساعة، وكل ما هنالك هو تفسيرات مغالطة
لآيات أعطيت ذلك المعنى بافتراضات جاهزة لا تمت للآية المعنية بأية صلة.
أكاذيب أخرى:
بالرغم من الموقف القرآني الواضح فإنه وللأسف يوجد في "صحيح مسلم" و"صحيح
البخاري" العديد من الأحاديث المشابهة للحديثين المزعومين أعلاه كلها تخوض في
معرفة الغيب وكلها تحتوي على العبارة المشروطة : "لا تقوم الساعة حتى ..." ثم
تروي قصصاً عجيبة مختلفة، فيها من الاستخفاف بالعقول ما تشمئز منه النفوس
وتقشعر له الأبدان، ذلك لأن الراوي ينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى سبيل المثال فقط لا الحصر إليكم هذا الحديث المزعوم التالي كما ورد حرفياً
في هذا "الجامع الصحيح" لأحاديث سيدنا محمد في الصفحة 187 من الجزء الثامن من
"صحيح مسلم":
" حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز (يعني ابن محمد)
عن ثور و (هو ابن زيد الديلي) عن أبي الغيث عن أبي هريرة أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر قالوا نعم
يا رسول الله قال لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني اسحق فإذا
جاؤها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم قالوا لا إله إلا الله فيسقط أحد
جانبيها قال ثور لا أعلمه إلا قال الذي في البحر ثم يقولوا الثانية لا إله إلا
الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا فبينما هم يقتسمون المغانم إذ
جاءهم الصريخ فقال أن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون".
(راجع صحيح مسلم/الجزء الثامن).
وعلى سبيل المثال فقط إليكم أيضاً هذا الحديث الآخر المزعوم كما ورد في الصفحة
184 من نفس الكتاب:
"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي
الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم
الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار
الأعين ذلف الآنف". (راجع صحيح مسلم/الجزء
الثامن).
وعلى نفس الصفحة رواية أخرى:
"حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن)
عن سهيل عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يقاتل
المسلمون الترك قوماً وجوههم كالمجان المطرقة يلبسون الشعر ويمشون في الشعر"
(راجع صحيح مسلم/الجزء الثامن).
وعلى الصفحة 174:
"حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن
القاري) عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا
تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة
تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي انجو"
(راجع صحيح مسلم/الجزء الثامن).
هذه هي الشعوذة بعينها !! وما هذه الأحاديث إلا أمثلة على الخيال الواسع للذين
يفترون على رسول الله الكذب وينسبون إليه ما تحلو له نفوسهم من هرج وتخريف.
وإذا تصفحنا الجزء الأخير من "صحيح مسلم" لوجدنا أكثر بكثير من هذا ولقرأنا
العجب العجاب من الأحاديث الملفقة التي تحتوي على ما لا يقبله العقل من
الخرافات المتناقضة مع القرآن الكريم والتي لا يمكن أن تصدر عن نبي عُرِفَ عنه
الذكاء والأمانة، ناهيك عن التشويه الصارخ لأبسط قواعد اللغة العربية في صياغة
بعض هذه الأحاديث التي تُنسب إلى أفصح العرب لغةً وأبلغهم خطاباً وأعمقهم فكراً
وتعبداً.
ولما تقدم، فقد بات جلياً أن الأحاديث المذكورة أعلاه وكل حديث يتكلم عن
"علامات للساعة" ويضع شروطاً لقيامها هي أحاديث كاذبة لا أساس لها من الصحة،
لأنه وعلى الرغم من أن هذه الأحاديث لم تحدد ميعاد الساعة، ولكنها أعطت نصف
الجواب، بل أكثر، للسائل عن ميعادها، ولهذا لا يعقل أن يكون قد تفوه بها سيدنا
محمد الذي لم يعطِ إلا جواباً واحداً لأي سائلٍ أو مستفسرٍ عن ميعاد يوم
القيامة، كما أَمَرَهُ الله بِفِعلٍ آمِر:
(قُل إِنما عِلمُها عِندَ رَبّي)
187: الأعراف.
ماذا يعني انتشار أحاديث نبوية مزوّرة تُرَوَّج على أنها
صحيحة؟
بما أن أحاديثاً عديدة وردت في "صحيح مسلم" على أنها "صحيحة" قد تبين لنا وبدون
شك كما ثبت أعلاه بأنها غير "صحيحة" لأنها تناقض النص الصريح في القرآن الكريم،
وبعد أن ثبت أنه لا يمكن أن بأن ننسبها إطلاقاً إلى رسول الله، فقد تجاوز الأمر
هنا موضوع السهو أو الغلط، وباتت النتيجة الوحيدة أمامنا والتي لا ريب فيها هي
أن يد مزورٍ مُغرضٍ قد عبثت في أحاديث النبي وأضافت إليها افتراءاً وكذباً ما
لم يقله في حياته.
والمصيبة هنا ليست مجرد اختلافات ثانوية في النص أو نقص أو زيادة غير ذات أهمية
سببها ضعف في الرواية، بل قد تعدى الأمر ذلك إلى أخطر بكثير، فأمامنا هنا عملية
اختلاق كاذب لأحاديث لا وجود لها من الأساس تروي أحداثاً مختلقة وتناقض القرآن
الكريم، وتلك هي الجريمة الكبرى التي لا يجوز السكوت عليها، ولهذا ينبغي أن
نعيد النظر كلياً في إطلاق وصف الصحة على جميع هذه الكتب وهذه الأحاديث التي
طالما فرضت علينا رواياتها على أنها حقيقة واقعة.
وقد يتساءل البعض لم كل هذا التهويل، فوجود أحاديث مزورة لا يستدعي التشكيك في
كامل الأحاديث "الصحيحة" المنسوبة إلى الرسول. وهذا كلام مردود عليه لأن الغاية
هنا هي ليست التشكيك وإنما هي التطهير والتعقيم.
فعندما يكتشف المجتمع على سبيل المثال بأن جزءاً بسيطاً من شحنةٍ كبيرة من
الأغذية قد لُوِّثت عمداً فأصابها التلف أو العفن أو المرض، فإن أول ما يفعله
المسؤول هو فتح باب التحقيق في هذه الجريمة مع التاجر الذي يروج هذه الشحنة
لمعرفة الفاعل ومسائلته ومعاقبته. والأهمية الكبرى هنا تكمن في مسألة التعمد
والقصد الجرمي المبيت. ذلك لأنه إذا تم التلف أو التلوث عرضاً أو خطأً أو
إهمالاً، تخف المسؤولية الجنائية نوعاً ما، مع بقاء الضرر. أما عندما يثبت
التخريب المتعمد، فتلك الطامة الكبرى، وعندها يصبح من الواجب الذي لا ملاذ منه
بأن توضع علامة استفهام كبيرة حول ما تبقى من الشحنة نفسها لكي يتم فحصها مرة
أخرى وإعادة النظر فيها بالكامل، وعندئذٍ لا نأخذ منها إلا ما يثبت ثباتاً
قطعياً تحت المجهر بأنه لم يصبه أي تلف أو عفن أو مرض ولم تطله يد العابثين.
ذلك لأنه بات جائزاً لنا أن نفترض بأن أمر باقي الكمية المصاحبة للجزء الملوث
أصبح مشكوك فيه لأن هذه الشحنة ما عادت كلها سليمة أو "صحيحة"، ولأن احتمالات
التلوث أصبحت واردة بل كبيرة. ويبقى هذا الحرص الشديد والإنتقاء المخبري قائماً
إلى أن يتم اكتشاف الفاعل والتعرف على مقدار ما طالته يديه من الإضرار. وإذا
قام أحدهم بسابق علمٍ باستعمال وتسويق أدنى جزءٍ من الشحنة والذي لم يتم فحصه
وإعلانه صالحاً، تحدث ضجة في المجتمع وتلاحق هذا المجرم الثاني الأجهزة المختصة
وتلحق به نفس العقاب .... هذا كله طبعاً إذا كان المجتمع يحرص على مكافحة
التسمم الغذائي ومحاربة المفسدين.
فما بالك عندما يكون الأمر متعلقاً بالدين وتعاليمه من خلال التلفيق والتزوير
المتعمد لأحاديث الرسول والتي تبني عليها الأمة بأكملها ثقافتها ومنهجيتها في
فهمها لعقيدتها؟
لا والله إن أخطار تسويق مثل هذا التلوث وترويجه اليوم ونشر سمومه على المسلمين
لهي أفدح وأعظم من أي تسمم ناتج عن أي تلوث آخر، وإن مسؤولية التطهير والتعقيم
لهي أقدس وأخطر من أي مسؤولية أخرى.
ولهذا السبب فإن كل محتويات تلك الكتب الصفراء وغيرها من كتب الأحاديث
"الصحيحة" تصبح قابلة للنقض والتشكيك، فلا نأخذ منها إلا ما يتوافق مع ما ورد
في القرآن الكريم، بعد فحصها في مختبر العقل والفطنة، وقراءتها تحت مجهر المنطق
والحكمة.
وبعد إجراء هذا التمحيص والتدقيق الشامل، ينبغي علينا أن نرفض بقوة وننبذ
جانباً كل حديث يتعارض مع نص القرآن الكريم وروحه، ويتناقض مع ما عرفناه عن
شخصية سيدنا محمد النبي العظيم، مهما ادعى الراوي بصحة مثل هذه الأحاديث ومهما
كان نوع "السند" المزعوم لهذه الأقاويل.
ويجدر |