|
From :
Ahmed Mansour <mas3192003@yahoo.com
Sent : Wednesday, October 27, 2004 1:26 PM
To :
arabtimesnewspaper@hotmail.com
الاسناد فى
الحديث
د. أحمد صبحي منصور
خاص بعرب تايمز
فى عصر الخليفة المأمون كان الشاعر العتابى يسير فى شوارع بغداد، فدخل السوق
وهو يأكل الطعام ،وكان ذلك يخالف المروءة أو" الاتيكيت"لدى ارباب الطبقة
العليا،ولذلك احتج عليه صديقه قائلا "أتأكل الطعام فى السوق ويراك الناس؟" فقال
له العتابى ساخرا:"وهل اولئك ناس؟انهم بقر" ، فاحتج صديق العتابى وزمجر،فقال له
العتابى:"سأريك ان كانوا ناسا أم بقرا" ثم صعد الى الربوة ونادى فى الناس"ياقوم
هلموا أحدثكم عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم )،فتدافع اليه الناس واجتمعوا
حوله،واقبل يحدثهم يقول:روى فلان عن فلان عن فلان ان رسول الله.(صلى الله عليه
وسلم)قال.وظل يخرج من حديث الى أخر وقد تعلقت به العقول والقلوب والعيون،وسيطر
على المستمعين ،اذا حرك يده يمينا تحركت رؤوسهم يمينا،واذا أومأ برأسه يسارا
التفتوا يسارا ،الى أن قال لهم ...وروى غير واحد(اى أكثر من واحد)أنه صلى الله
عليه وسلم قال :اذا بلغ لسان احدكم ارنبة انفه دخل الجنة))وسكت...فاذا بكل واحد
من المستمعين يخرج لسانه يحاول ان يصل به الى ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍانفه،واصبح
منظرهم جميعا مضحكا،فالتفت العتابى الى صديقه ساخرا وقال:ألم اقل لك انهم بقر؟
ما الذى جعل عقول أولئك الناس تغيب حتى تتدلى السنتهم وهم سكارى غائبون عن
الوعى؟انه التصديق،التصديق والايمان بأن مايقوله العتابى قد قاله النبى(صلى
الله عليه وسلم)فعلا.وما الذى جعلهم يؤمنون ويصدقون بأن النبى (صلى الله عليه
وسلم)قد قال ذلك الكلام...انه الاسناد اى اسندأو نسب ذلك الكلام للنبى(صلى الله
عليه وسلم)عبر العنعنة،اى قال حدثنى فلان عن فلان عن فلان...الخ..ان النبى (صلى
الله عليه وسلم)قال.وهذا معنى الاسناد ،وهذه هى خطورته على العقل.
تغييب العقل
حسنا...دعنا نتخيل أن العتابى يسير الان فى الشوارع القاهرة ويركب
المواصلات.ويرى شيخا يصعد الاتوبيس يدعو المسلمين للتبرع لانشاء المسجد الفلانى
ويستشهد بحديث ((من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له قصرا فى
الجنة))ويرى العتابى كيف يسارع الناس الطيبون بالتبرع حتى يضمن كل منهم لنفسه
قصرا فى الجنة!هل تريد أن تتوقع تعليق العتابى؟اذن استحضر عقلك ولا تعطه اجازة،
وتفكر فى معنى ذلك الحديث المنسوب كذبا للنبى عليه الصلاة والسلام..انه يؤكد
على ان كل من بنى لله مسجدا بنى الله تعالى له قصرا فى الجنة،مهما كان الشخص
مؤمنا او كافرا،ومهما كان مصدر المال طيبا او خبيثا، يعنى ان السيد هتلر من حقه
ان يكون له قصورفى الجنة اذا بنى بضعة مساجد،ويعنى أيضا ان كل مختلس وظالم
وناهب لأموال الناس يستطيع اذا بنى ببعض أمواله الحرام مسجدا ان يدخل الجنة.هل
يتفق ذلك مع تشريع الاسلام؟
ثم ان الحديث الذى يبيع قصور الجنة لكل من يتبرع ببناء مسجد يحدد لنا منذ
البداية اقل مساحة مقبولة للمسجد،يقول ((من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة))اى
يكون مساحة المسجد كقدر ما تتحرك به ساق القطاة حين تفحص بساقيها الارض.والقطاة
هى طائر صغيرة الحجم اقل من العصفور الصغير ..انها فى الحدود5سم2 ،اى من بنى
لله مسجدا ولو كانت مساحته5 سم2 بنى الله له قصرا فى الجنة حتى لو كان من مال
حرام،مهما كانت شخصية ذلك المتبرع ،وحتى اذا كان ذلك المسجد5 سم2 لايستطيع
دخوله الا النمل والصراصير الوليدة....هل يعقل ان يتكلم النبى (صلى الله عليه
وسلم) بهذا الكلام؟!!
ولكن ذلك الحديث تم اسناده او تمت نسبته للنبى عليه الصلاة والسلام، ورواه ابن
ماجه فى "مسنده" عن فلان عن فلان.وآمن الناس بصحة ذلك الاسناد .ومن هنا فان ذلك
الحديث الكاذب هو المسئول عن اقامة38 الف مسجد وزاوية فى القاهرة الكبرى فى
العشرين سنة الماضية،وكلها تنشر ثقافة التطرف عبر احاديث مسندة او منسوبة
للنبى(صلى الله عليه وسلم) زورا،وهى تخالف القرآن والسنة الصحيحة للنبى عليه
الصلاة والسلام،وبدلا ان تتوجه لبناء مساكن للشباب والعائلات التى تسكن
المقابر،فأنها توجهت لبناء مساجد ايديولوجية ،تزيد عن حاجة المسلمين الذين
يستطيعون الصلاة فى كل مكان،ومع العلم بأن حق ابن السبيل فى تشريع الاسلام ثابت
فى الزكاة الرسمية والصدقة التطوعيةوالفئ والغنيمة،ولا يصح الالتفات لرعاية
ابناء السبيل من الاغراب الا بعد ضمان المسكن والطعام لابناء البلد،فكيف اذا
كان ابناء البلد انفسهم لايجدون السكن بحيث ضاعت احلام الشباب فى الزواج واصبحت
العنوسة ازمة مستفحلة ..ومع ذلك تفاقمت تلك المشكلة لان أموال الصدقات استنفذها
ارباب الصحوة السلفية فى بناء عشرات الالوف من المنابر التى تؤسس لدولتهم
القادمة!ومن دعائم تلك الدولة ثقافة التراث للعصور الوسطى،تلك الثقافة التى
أصبحت مقدسة عبر الاسناد ،او عن طريق نسبتها زورا للنبى عليه الصلاة والسلام
...مهما خالفت العقل والاسلام .
ان الاسلام الصحيح هو دين العقل ،بل أن"التعقل"أو استعمال العقل هو سبب انزال
القرآن ( يوسف 2،الزخرف3 )ولكن الاسناد اوجد خصومة مستحكمة بين المسلمين
والتعقل،بحيث يكفى ان يصعد اى محتال ليقول((قال رسول الله)) فيسارع الناس
بتصديقه ويمتثلون لما يقول دون اى تفكير،لافارق فى ذلك بين مثقف او عامى،وسواء
كان ذلك فى المسجد او فى وسائل الاعلام او وسائل المواصلات...اى فى كل زمان
ومكان انت محاصر بالاسناد.
الاسناد قضية علمية
ومنذ عشر سنوات تقريبا جائنى صديق منزعج ،قال أنه فوجئ ببلدته بالصعيد
وقد سيطر عليها الشباب السلفى واعادوها لما كان عليه السلف،ومن ذلك انهم اوجبوا
على العريس ليلة الدخلة ان يحمل عروسه الى بيته وهى داخل زكيبة او شوال،لان ذلك
ماجاء فى السنة والاحاديث.فقلت لهم انهم قرءوا خطأ ذلك الحديث القائل بأنهم
كانوا يدخلون بالنساء فى شهر شوال ،وكانت نكتة هائلة،وعاد صديقى الى اهل بلدته
وقرأ لهم الحديث بالتشكيل الصحيح، وانقذ بذلك بنات القرية من تجربة التعبئة فى
الاشوال والزكائب....الا ان مشكلته معى لم تنته.
لان صديقى اصبح يعتقد بوجوب ان يتم الزفاف فى شهر شوال،دون غيره من
الاشهر،طالما ان اسناد الحديث صحيح للنبى (صلى الله عليه وسلم) حسب
اعتقاده.وسئمت من النقاش معه فى موضوع الاسناد ،فقلت له اخيرا:اذن انت تؤمن بأن
النبى(صلى الله عليه وسلم)قال ذلك الحديث فعلا ؟ فقال فى ثبات:نعم ،قلت له:وهل
تقسم بالطلاق من زوجتك أن النبى قال ذلك؟عندها بهت وسكت ولم يرفع رأسه...قلت
له:هل لو قرأت عليك سورة((قل هو الله احد))وطلبت منك ان تقسم بالطلاق ان الله
تعالى قال ذلك وانها من القرآن،هل ستفعل ؟قال نعم ..قلت هذا هو الفرق بين
القرآن وأحاديث التراث .
اذا جاء احد بآية قٌرآنية فلن تطالبه ببرهان او اسناد ،طالما تؤمن بالقرآن،اما
اذا قيل لك حديث منسوب للنبى(صلى الله عليه وسلم )فات من حقك ـ بل من واجبك ـ
ان تسأل عن اسناده او عن دليل نسبته للنبى (صلى الله عليه وسلم)،فالقرآن قائم
على اساس الايمان ،اما الحديث المنسوب للنبى فهو قائم على الشك .ولعلاج هذا
الشك اخترعوا الاسناد،اى ان ذلك الحديث رواه فلان عن فلان...الخ حتى النبى
لإثبات أن النبي قال ذلك الحديث ، اذ كان الاسناد صحيحا ، أو لم يقله اذا كان
الإسناد ضعيفا ،وفى عصرنا لم يعد أحد يهتم اذا كان الاسناد صحيحا او ضعيفا ،
فيكفى أن يقال قال رسول الله (ليصدق الناس فورا أن النبي قال فعلا هذا الكلام)
. ونرجع للإسناد الذى يؤكد أن الحديث مثل جدار يريد ان ينقض ويقع فيقوم
((الاسناد)) باسناده حتى لايسقط ولا ينهار...فالقرآن قضية ايمانية اما الحديث
فليس قضية ايمانية ،وانما هو قضية علمية عندهم ،تدخل فى باب البحث والاجتهاد
وليس فى قضايا العقيدة واليقين،ولذلك اختلف علماء الجرح والتعديل فى مدح راو او
تجريحه، وفى اثبات حديث ما او نفيه،فالامام مسلم فى صحيحه لم يكتف بما قاله
البخارى استاذه ولم يأخذ بكل أحاديثه ولم يترك ما تركه البخارى من احاديث ،فجاء
صحيح مسلم مختلفا عن صحيح البخارى ، ثم جاء الحاكم فأستدرك على البخارى ومسلم
،وقبلهم جميعا كان احمد بن حنبل مختلفا فى مسنده ثم جاء المتأخرون اكثر
اختلافا.ولانها قضية علمية عندهم تقوم على الاختلاف فى وجهات النظر فان احدا لم
يحكم بتكفير أحد...اذ هى امور ظنية بحثية انسانية وليست امور العقيدة والدين
....اما القرآن فهو محل الايمان والتصديق لكل مسلم،ولذلك فان الله تعالى يؤكد
فى آيتين ان الحديث الوحيد الذى ينبغى ان نؤمن به وحده هو حديث الله تعالى فى
القرآن الكريم((فبأى حديث بعده يؤمنون: الاعراف185
،المرسلات50 )) بل أكثر من ذلك يجعل الله تعالى الايمان به وحده الها
لاشريك له قرينا بالايمان بحديث فى القرآن وحده، يقول تعالى ((تلك
آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأى حديث بعد الله واياته يؤمنون ،ويل لكل افاك
اثيم ،يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كان لم يسمعها فبشره بعذاب
اليم:الجاثية 8:6 ))
وفى الوصية الاخيرة من الوصايا العشر فى القرآن الكريم يقول تعالى عن القرآن((وأن
هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ،ولا تتبعوا السبيل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم
به لعلكم تتقون :الانعام153 )) فالقرآن اتى
من الله تعالى طريقا مستقيما لنتبعه وحده ،ولا نتبع الطريق والسبل الاخرى حتى
لا نقع فى الاختلاف ،وفى هذه الاية الكريمة تأكيد على أن القرآن هو المصدر
الوحيد للاسلام،فالطريق المستقيم لايكون الا واحدا وحيدا، وحيث أن الخط
المستقيم لا يتعدد فهو أقصر الطرق التى توصل بين نقطتين .
اما الطرق الاخرى فتقوم على
الاختلاف والظن والريب ،ومن المعلوم ان الروايات والاسانيد لها طرق وسبل متفرقة
.ويؤكد علماء الحديث أنها كلها ظنية ،او كما يقول الله تعالى عن القرآن وغيره
من الطرق والسبل((وان تطع أكثر من فى الارض يضلوك عن
سبيل الله أن يتبعون الا الظن وان هم الا يخرصون:الانعام 116 ))وهذا
خطاب للنبى (صلى الله عليه وسلم )نفسه أنه اذا اطاع أكثرية البشر اضلوه عن
القرآن وابعدوه عنه حيث يتبعون الظن والاوهام .وهكذا فان النبى (صلى الله عليه
وسلم)يتبع القرآن وحده.وبذلك تتابعت الاوامر للنبى عليه السلام ولنا عن القرآن((كتاب
انزل اليك فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذر به،وذكرى للمؤمنين ،اتبعوا ما انزل
اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء:الاعراف 2 : 3 )فهناك امر ونهى
،امر باتباع القرآن ونهى عن اتباع غيره.حيث انه وحده الذى لايأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه،وحيث كان النبى متبعا للقرآن وحده،وحيث كان خلقه
القرآن... وحيث سيتم حساب البشر جميعا يوم القيامة ـومنهم الانبياء ـ على اساس
الكتب السماوية وحدها.والكتاب السماوى واحد فى اساسياته،مهما اختلفت اللغات
والظروف .وليس فى اى كتاب سماوى ماكان يعرف بالاسناد،وانما هو كلام الحق
تعالى،ان شئت آمنت به وان شئت لم تؤمن ،وحسابك عند ربك يوم القيامة.
الاسناد يناقض المنهج العلمى
ان الاسناد قضية علمية تتراوح بين الشك والاثبات وليست قضية ايمانية
،ومع ذلك فان الاسناد يناقض المنهج العلمى والتعقل المنطقى .
ان البخارى مثلا عاش فى القرن الثالث عشر الهجرى ومات سنة 256 هـ .اى بينه وبين
النبى عليه السلام قرنان ونصف قرن من الزمان.واذا اعتبرنا الجيل اربعين عاما
فان بينه وبين البخارى ستة اجيال .( لاحظ ان بينناوبين
عصر محمد على اربعة اجيال فقط).فكيف يستقيم فى المنهج العلمى أن تتداول
ستة اجيال كلمة ما منسوبة للنبى عبر الروايات الشفهية حتى يأتى من يسجلها بعد
النبى بمائتين وخمسين عاما؟ ولنأخذ على ذلك مثلا من أحاديث البخارى ...ونناقشه
من حيث الاسناد ومن حيث المتن والموضوع.
ونختار من احاديث البخارى اهونها على عقلية القارئ التى عاشت على تقديس البخارى
بسبب اسناد احاديثه للنبى (صلى الله عليه وسلم ).
تحت عنوان ((باب مباشرة الحائض))اورد البخارى احاديث تؤكد ان النبى عليه السلام
كان يباشر نساءه جنسيا اثناء المحيض ،ونختار منها هذا الحديث باسناده ((حدثنا
اسماعيل بن خليل قال اخبرنا عن بن مسهر ،قال اخبرنا ابوا اسحاق هو الشيبانى عن
عبد الرحمن بن الا سود ، عن ابيه عن عائشة قالت :كانت احدنا اذا كانت حائضا
فأراد رسول الله (ص)ان يباشرها امرها ان تتزر فى فور حيضتها ثم يباشرها ،قالت
:وايكم يملك اربه كما كان النبى (ص) يملك اربه ))(صحيح بخارى بحاشية السندى
مكتبة زهران مجلد 1 الجزء الاول ص64 )والحديث السابق ينقسم الى جزئين السند
والمتن :
فالسند هو سلسلة الرواة الذين عن طريقهم تم اسناد الحديث الى النبى (صلى الله
عليه وسلم )،وهم ستة: اسماعيل بن خليل الذى حدث البخارى بهذا الحديث وكان فى
جيل استاذه البخارى .وقد ذكر ان الذى حدثه بهذا الحديث على بن مسهر الذى لم يره
البخارى وعاش فى القرن الثانى ، وهكذا تمتد السلسلة الى ابى اسحق او الشيبانى
،ثم الى عبد الرحمن الاسود،ثم الى ابيه ،ثم الى عائشة أم المؤمنين،التى زعموا
انها قالت متن الحديث ونصه .واولئك الرواة تسلسلوا عبر الزمن ،والبخارى لم ير
منهم الا واحدا هو الذى ادعى انه حدثه بذلك الحديث. والرواة الماضون الذين
عاشوا فى ازمنة متعاقبة لايوجد دليل على انهم رووا ذلك الكلام ،ويستحيل عقلا
بالمنهج العلمى اثبات صدقهم فى نقل تلك الرواية شفهيا عبر قرنين ونصف قرن من
الزمان الملئ بالفتن والاضطرابات،وعبر ستة اجيال اختلفت ظروفهم .وحتى لو تخيلنا
انهم جميعا عاشوا فى نفس الزمن ونفس الجيل فان احتمال الكذب والنسيان والاضطراب
وارد فى النقل الشفهى لتلك الرواية عبر ستة اشخاص خلال اربعين عاما ،بل خلال
اربعين يوما بل ربما خلال اربعين ساعة .وهذا واقع فى الحياة العملية حين نتداول
قصة حدثت فى يوم وليلة ،فيلحقها التغيير والتبديل ،طالما رواها اكثر من راوى
،وكل منهم يضفى عليها من عنده بحيث تختلف عن الاصل ،فكيف بمئات الالوف من
الاحاديث اسندوها للنبى (صلى الله عليه وسلم )بعد موته بقرون ؟
وحقائق التاريخ فى العلم المسمى بعلم الحديث تؤكد ان اختراع الاسناد تم فى
القرن الثانى الهجرى ،حيث تكاثرت الروايات الشفهية وتكاثر الكذب فيها ،فاشترطوا
اسنادها عبر رواة سابقين كانوا ماتوا فيما بين منتصف القرن الثانى الى عصر
النبى (صلى الله عليه وسلم )،اولئك الرواة المذكورون الموتى لم يكن لهم علم
بذلك الذى اسندوه اليهم من روايات .وعليه فقد تبارى العلماء فى عصر التدوين ،فى
بداية عصر المأمون فى تسجيل اسماء رواة كيفما اتفق .وهذا ما تواصلنا اليه خلال
ابحاث متخصصة،ثم وقعوا فى النزاع والاختلاف فى تعديل ذلك الراوى او تجريحه
،تبعا للاختلاف المذهبى والهوى الشخصى ،وقد تأسس علم الحديث والجرح والتعديل
على اساس الاختلافات الفقهية والعقيدية والفكرية بين المسلمين فى العصر العباسى
وما تلاه.
ونعود الى البخارى فى باب ((مباشرة الحائض ))ونقرر ان متن هذا الحديث قد تكرر
فى عدة احاديث اخرى ،تنسب للنبى (صلى الله عليه وسلم ) انه كان يباشر نساءه فى
المحيض ،وكلها احاديث كاذبة لانها تنسب للنبى عليه السلام انه يخالف القرآن،اذ
يقول تعالى: ((يسألونك عن المحيض قل هو اذى ،فاعتزلوا
النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ،فاذا تطهرن فأتوهن من حيث امركم الله
ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين:البقر 222 )) أى أنهم سألوا
النبى(صلى الله عليه وسلم ) عن المحيض ، وانتظر النبى (صلى الله عليه
وسلم)الاجابة من السماء فنزلت الاية تؤكد على اعتزال النساء جنسيا فى المحيض
وعدم الاقتراب منهن بعد حتى يطهرن،ثم يبيح الاقتراب منهن بعد الطهر .
وهنا تناقض جلى بين الاية الكريمة وحديث البخارى بحيث انك اذا امنت بالقرآن
فعليك بتكذيب البخارى ،اما اذا امنت بحديث البخارى فأنت بالتالى تكذب بالقرآن
،ومن هنا كان تأكيد الله تعالى فى القرآن على الايمان بحديث القرآن وحده،وما
عداه ليس محلا للايمان ،وانما هو قضية علمية قائمة على الشك،والحقائق فيها
نسبية وليست مطلقة مثل حقائق الايمان ،وبالتالى فان تصديق الاسناد هو الذى
يجعلها قضية ايمانية بالتزوير .
وعموما فان علم ((الجرح والتعديل))انصب اساسا على فحص الاسناد او سلسلة الرواة
،دون اهتمام يذكر بفحص المتن او موضوع الحديث نفسه ،وقام فحص الاسناد على اساس
الهوى المذهبى والشخصى فلم يحدث اطلاقا ان اتفقوا على ان ذلك الراوى ثقة او انه
ضعيف ، لان من يمتدحه أهل السنة يهاجمه الشيعة وهكذا بين سائر الطوائف والفرق
،ونتج عن ذلك الاختلاف فى الحكم على كل راو فى سلسلة الاسناد ان صارت الاحكام
نسبية حتى داخل كل فرقة او مذهب ،وبالتالى قسموا الاحاديث حسب درجتها من الثقة
والصحة الى قسمين كبيرين.
(1 )الاول الحديث المتواتر وهو صحيح بدرجة مائة فى المائة ،وقد اختلفوا فيه
،فقال بعضهم انه لايوجد اصلا حديث متواتر مقطوع بصدقه ،وقال بعضهم انه يوجد
حديث متواتر واحد وهو حديث ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ))وقال
بعضهم انه حديث متواتر ولكنه يخلو من كلمة متعمدا .ورأى بعضهم ان الحديث
المتواتر ثلاثة فقط ،وارتفع بعضهم بالاحاديث المتواترة الى خمسة او سبعة .
(2 ) اما القسم الثانى من الاحاديث فهى الاحاديث الآحاد وقد قالوا بأن كل
الاحاديث المذكورة فى كتب الاسانيد (السند) هى احاديث آحاد،اى رواها واحد عن
واحد .وهى تفيد الظن ولا تفيد اليقين ،وذلك لايكون الا فى آيات القرآن.وقالوا
ان احاديث الآحاد يمكن العمل بها اذا ترجح صدقها او اذا اتفقت مع اية قرآنية.
ونعود الى الاسناد فى أحاديث الآحاد وقد قسموا احاديث الآحاد (وهى كل الاحاديث
فى رأينا ) الى درجات من حيث الصحة من حسن وغريب وضعيف الخ ...وهو بلاشك تقسيم
مضحك لانه يعنى بالنسبة للسند للنبى (صلى الله عليه وسلم)قال هذا الحديث بنسبة
70 % او قال ذلك الحديث بنسبة 50 %أو 10 % وذلك لايستقيم مع المنهج العلمى
،لانه اما أن يكون النبى (صلى الله عليه وسلم)قد قال ذلك الكلام ،فتكون نسبة
اسناده للنبى (صلى الله عليه وسلم)هى 100 %،واما أن يكون النبى لم يقل هذا
الحديث فتكون نسبة اسناده للنبى (صلى الله عليه وسلم)هى صفر فى المائة،ولا توسط
بين هذا وذاك .وبالتالى فان المنهج العلمى يستحيل معه اسناد ذلك الكلام للنبى
بعد ستة اجيال من الروايات الشفهية ،وبعد ان تم اختراع تلك الرسائل من الرواة
بعد موت اصحابها بعشرات السنين ،والمنهج القرآنى يتفق مع المنهج العلمى فى ذلك.
الاسناد يناقض المنهج القرآنى
ان اسناد قول ما للنبى (صلى الله عليه وسلم) يعنى تحويل ذلك القول او
الحديث او الخبر الى حقيقة دينية يكون المسلم مطالبا بالايمان بها والعمل وفقا
لأحكامها .وهذا لا يتأتى الا للقرآن وحده ،فالقرآن كتاب محفوظ بقدرة الله تعالى
له بداية وله نهاية ،ينقسم الى 114 سورة،وكل سورة تضم آيات محددة مرقمة والله
تعالى يقول للمشركين عن القرآن ((وان كنتم فى ريب مما
نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله:البقرة 23 )) وبغض النظر عن موضوع
الآية وهو تحدى المشركين بأن يأتوا بسورة مثل سور القرآن فان الاية تؤكد ان
مانزل على النبى هي آيات القرآن الكريم فقط ، وليس هناك فى الاسلام حديث الا
حديث الله تعالى فى القرآن.أما تلك الاحاديث التراثية واسفارها فلا اول لها ولا
اخر .وهى تتناقض حتى فى الكتاب الواحد ،وربما فى الصفحة الواحدة.
ان اسناد قول ما للنبى (صلى الله عليه وسلم ) وجعله حقيقة دينية هو اتهام للنبى
(صلى الله عليه وسلم )بأنه فرط فى تبليغ الرسالة ،ولم يبلغ بنفسه تلك الاحاديث
المنسوبة اليه ،ولم يقم بتدوينها وكتابتها كما حدث مع القرآن .لأن تلك الاحاديث
لو كانت جزءا من الدين ولم يبلغه الرسول للناس ولم يقم بتدوينه فان النبى (صلى
الله عليه وسلم)ـ على ذلك ـلم يبلغ كل الرسالة ،وانه ترك جزءا منها يتناقله
الناس ويختلفون فيه الى ان تم تدوينه بعد النبى بقرون ولا يزالون يختلفون فيه.
الا اننا نؤمن ان النبى عليه السلام قام بتبليغ الرسالة كاملة وهى القرآن ولم
يكتم منه شيئا ونزل قوله تعالى يزكى النبى ((اليوم اكملت لكم دينكم واتممت
عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا :المائدة3 ))فاكتمل الاسلام باكتمال القرآن
،بل ومات النبى(صلى الله عليه وسلم )بعدها مباشرة،وتروى الاسانيد والاحاديث
نفسها ان النبى (صلى الله عليه وسلم)نهى عن كتابة اى شئ غير القرآن ،وان ابابكر
وعمر وعثمان وعليا قد نهو ا عن رواية وكتابة اى حديث منسوب للنبى،ولذلك امتنع
تدوين مانسب للنبى (صلى الله عليه وسلم)الى ان جاءت الدولة العباسية وعصور
الفتن والاضراب العقائدى والمذهبى فتم تدوين احاديث نسبوها للنبى(صلى الله عليه
وسلم) عبر ذلك الاسناد ،وهى تحمل كل معالم التناقض مع القرآن وعصر النبى عليه
السلام،الا ان ذلك الاسناد اعطى لها قدسية وحصنها من النقد والنقاش فعاشت حتى
الان بيننا تنشر بيننا التطرف والتخلف وكل مايسئ للاسلام العظيم.
-وعليه فان الخروج من هذا المأزق يحتم الغاء ذلك الاسناد،اى قطع الصلة بين تلك
الاحاديث والنبى عليه السلام،رحمة بالاسلام وتماشيا مع المنطق والمنهج العقلى
والعلمى ثم ننظر الى متن الحديث وموضوعه فى ضوء انه ثقافة تعبر عن العصور التى
تم تدوينها فيها .ثم نبحثها من خلال ثقافة عصرها تاريخيا وحضاريا بما فيها من
خطأ او صواب ،اى تصبح تراثا معدوم التقديس ، كأى تراث بشرى تنعكس عليه احوال
البشر من ارتفاع وهبوط وصلاح وفساد . واذا نظرنا للبخارى مثلا بهذا المقياس فقط
انصفنا الاسلام ورسول الله عليه السلام ،والا كنا فى عداد اعداء النبى (صلى
الله عليه وسلم )الذين سيتبرأ منهم يوم القيامة (الانعام112 :116/الفرقان.30
:31 )نقول هذا عن علم ودراسة بما يحتويه البخارى من احاديث تطعن فى النبى
والاسلام،وظلت محصنة من النقد بسبب حماية الاسناد وما اضفاه على البخارى من
تقديس ورهبة.
الاسناد يناقض مفهوم الشهادة
وقف المتهم بالقتل فى قفص الاتهام ونودى على الشاهد الاول ،سأله القاضى
:هل اعترف امامك المتهم بالجريمة ؟ فقال الشاهد :لم اسمعه بأذنى ،وانما اخبرنى
باعترافه اخى.عندها اسقط القاضى شهادته واستدعى اخاه فقال: لم اسمع اعترافه
بنفسى وانما روى لى هذا الاعتراف ابي ،فأسقط القاضى شهادته واستدعى اباه ، فقال
الاب :لم اسمع اعترافه ولكن روى الاعتراف لى ابى الذى مات امس. ومن الطبيعى ان
يطلق القاضى سراح المتهم ويطرد الشهود لانهم ليسوا شهودا .حيث ان الشهادة تكون
بالسماع الشخصى المباشر والرؤية العيانية المباشرة ....
هذه بالطبع قصة رمزية تؤكد على ان الاسناد عبر اقاويل سماعية خلال عصور متباينة
ليس لها اساس ولا يأخذ بها اى نظام قضائى، فالبخارى لم يعش عصر النبى (صلى الله
عليه وسلم )وكذلك الرواة الذين سبقوه ،والصحابة الذين عاشوا عصر النبى (صلى
الله عليه وسلم) انشغلوا بالفتوحات والفتن والمنازعات عن كل ما نسبوه اليهم
،وحتى لو رووا احاديث فمن اين لنا ان نتأكد مما قالوه ،وليس بيننا شاهد عاش من
عصرهم وبقى حيا قرنين من الزمان ،ثم كتب بنفسه ما سمع بأذنبه وما شاهد بعينيه؟
وحتى لو فعل ذلك فأن من حقنا ان نتشكك فيما قال بسبب الشيخوخة وضعف الذاكرة ((ومنكم
من يرد الى ارذل العمر لكى لايعلم من بعد علم شيئا:الحج5 ))
ان الاسناد عبر اجيال من الموتى يناقض الشهادة القانونية ،وبالتالى فانه من
الظلم للاسلام ان تقوم تشريعاته ـوهى اصل القوانين ـ على شهادات زائفة مشكوك فى
صدقها .ولهذا فان التقديس الحقيقى للشريعة ان تقتصر على الكتاب الحكيم ،الذى
لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ،إن سنة النبى هى فى تطبيق القرآن وفق
ظروف عصره .
وبالمناسبة نرجع للقرآن فى موضوع الاسناد والشهادة ونعطى منه ملمحين :
- فالشهادة فى مفهوم القرآن هى الرؤية والسمع بالحواس، وبالمعاصرة والمعايشة ،
وهى جزء اساسى من تشريع القرآن .وفى الشهادة على الديون يوجب القرآن تدوين
الشهادة حتى في ايسر المعاملات ((ولا تسأموا ان تكتبوه
صغيرا او كبيرا الى اجله:البقر 282 )) فهل ينطبق تشريع الشهادة فى
القرآن واحكامه على اسناد شهادات منسوبة للنبى فى التشريع وغيره عبر اجيال من
الرواة الموتى عاشوا بين عصر النبى وعصر التدوين ،وهم لم يروا شيئا ولم يسمعوا
شيئا؟
-ونقل القرآن الكريم فى قصة وسورة يوسف اتهام شقيقه بالسرقة ،ان يوسف قد رتب
اتهام اخيه الشقيق بالسرقة حتى يتسنى له ان يحتفظ به معه ،وكان اخوة يوسف فى
رحلتهم الثانية لمصر قد ضغطوا على ابيهم يعقوب كى يسمح لهم باصطحاب اخيهم معهم
،فلما احتجزه يوسف عزيز مصر بتهمة السرقة يئس الاخوة من استعادته فقال اخوهم
الاكبر ((ارجعوا الى ابيكم فقولوا يا ابانا ان ابنك سرق
،وما شهدنا الا بما علمنا ،وما كنا للغيب حافظين:يوسف ـ81 ))اى ان اخاهم
الأكبر يقول لهم ليشهدوا بما رأوه من ضبط المسرقات فى وعاء اخيهم ،وما كانوا
للغيب حافظين ....وهذه هى الشهادة من اناس عايشوا الحدث وشهدوا بما رأوه ، ومع
المعايشة والحضور والشهود والمعاصرة فان هناك من الخفايا التى لايعلمونها
.....فالشهادة فى المفهوم القرآنى ان تشهد بما رأيت وسمعت بنفسك مع الاقرار
بأنك لاتعلم غير ما شهدت بنفسك ،وما خفي عنك لا يعلمه الا علام الغيوب .واذا
طبقنا مفهوم الشهادة هذا على الاسناد وضح لنا التناقض الهائل بين الشهادة التى
ينبغى ان تقوم على الحق المرئى والمسموع من الشاهد المشاهد وبين الاسناد وهو
كذب صريح ليس فيه شهادة او شهود على الاطلاق ،اذ كيف يشهد الميت او يحكى الحى
على مالم يره ومالم يعش احداثه؟
موضوعات المسند
الاسناد هو سلسلة الرواة والعنعنة وقد عرضنا لها....اما المسند فهو
موضوع الحديث من الحديث .والان نشير الى موضوعات المسند او ما جاء به الاسناد
الينا من موضوعات تخالف القرآن والاسلام.
ان الاحاديث كلها تصب فى ثلاثة موضوعات رئيسية،وهى
( 1 ) الغيبيات
(2 ) التشريعيات
(3 )الاخلاقيات او الترغيب والترهيب
فى الغيبيات : اسندوا للنبى احاديث يخبر فيها عن غيوب الماضى قبل عصره ، وعن
غيوب المستقبل فى الدنيا ،غيوب الاخرة من علامات الساعة ووقائع القيامة ،والحشر
والشفاعة والعرض واحوال الجنة والنار .وكلها اكاذيب لان القرآن يؤكد على ان
النبى عليه السلام لا يعلم الغيب ،ولو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير وما مسه
السوء ،وانه عليه السلام لايدرى ما سيحدث له او ل& |