عورات فضائيّة الحرّة
بقلم / يحي أبوزكريا



عجبت لفرخ البطّ يعتلي نخلة / ويرقى إلى العلياء وهو وضيع


ينطبق هذا البيت الشعري على فضائيّة الحرة الأمريكية والتي مهما بالغت في إستخدام لغتنا الجميلة و البيان العربي الفصيح تظّل غريبة ودخيلة على نسيجنا الثقافي وخارطتنا الإعلامية و محيطنا السياسي .
و كونها مصداقا من مصاديق الغارة الأمريكية الكبرى على عالمنا العربي والإسلامي فهذا يجعلها بإمتياز فضائيّة المارينز , و الفرق بينها وبين المارينز أنّ هؤلاء يستخدمون كل أسلحة الدمار الشامل ضد الإنسان العربي والمسلم في أفغانستان والصومال و العراق و في فلسطين من خلال وكلائهم الصهاينة , وفضائية الحرّة تستخدم التماهوك أيضا لكنّ ضدّ العقل العربي والمسلم .
و رغم أنّها دخيلة و غريبة عن كياننا الثقافي والحضاري وتمثّل أكثر الدول عفونة في العالم , و رغم أنّ الشارع العربي والإسلامي من طنجة وإلى جاكرتا يعرف أنّها قناة أشبه ما تكون بالذراع الإعلامية للمارينز الأمريكي , إلاّ أنّها تحاول معالجة قضايانا بطريقتها الأمريكية طبعا .
و قد تناولت قناة الجزيرة التي ما زالت تحظى بإحترام شرائح لا حصر لها ولا عدّ في الشارع العربي والمسلم , و حاولت هذه القناة الربط بين النظام العراقي البائد وقناة الجزيرة من خلال المدير السابق لقناة الجزيرة محمد جاسم العلي القطري الجنسية و من خلال شامل سرسم مدير العلاقات الدولية في قناة الجزيرة العراقي الجنسية و المسيحي الديانة .
وقبل التعليق على ما أوردته الحرّة إسم على غير مسمى لابدّ من إيراد بعض الملاحظات على الفضائية التي نسبت إسمها إلى الحريّة وهو شعار أمريكا وشعار المحافظين الجدد .
فالحرة لم تتناول مطلقا لا من قريب ولا من بعيد جرائم أمريكا في القارات الخمس و منذ خمسين سنة حتى لا نقول قبلها , في أمريكا الجنوبية و اللاتينية و الفيتنام و كوبا و اليابان حيث كانت أمريكا أول من دشنّ في التاريخ البشري إستخدام القنابل النووية ضدّ العباد والبلاد - وفي الصومال وأفغانستان و العراق , وتحاول الحرةّ إيهام الرأي العام العربي كما يفعل مثقفو المارينز الجدد أنّ أمريكا جاءت بجحافلها إلى العالم العربي والإسلامي لنشر قيّم الحريّة و الحضارة تماما كما فعلت فرنسا الإستعمارية عندما إحتلّت الجزائر وقتلت لدى دخولها إلى الجزائر سنة 1830 م أربع ملايين جزائريّا , و تماما كما فعلت بريطانيا العظمى لدى إحتلالها نصف الكرة الأرضية في وقت سابق .
ولم تتناول الحرّة موضوع إضطهاد العرب والمسلمين في أمريكا و إعتقال مئات العرب والمسلمين لشبهات واهية , ولم تتناول موضوع الترسانة النووية الصهيونية التي ساهمت أمريكا في بنائها , ولا الضوء الأخضر السرمدي الذي تمنحه واشنطن للحكومة الإسرائيلية في ذبح الشعب الفلسطيني , ولم تتناول قصّة الإنقلابات و المؤامرات الأمريكية التي كانت وراءها أمريكا في القارات الخمس , ولم تتناول الحرة موضوع تحويل أمريكا السوق إلى ديانة بحيث تلجأ أمريكا إلى كل الأساليب للتلاعب بهذا السوق , و حبذا لو تتحفنا الحرة ببنرامج وثائقي عن تصفية قبائل الأنكا الهندية الذين قتل منهم البيض الأمريكان ثمانين بالمائة ومن بقيّ منهم زجّ به في محميّات .
وحبذا لو تتحفنا الحرّة ببرنامج عن بطل أمريكا اللاتينية سيمون بوليفار و الذي قال في أواسط القرن التاسع عشر : يبدو أنّه كتب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تقوم بتعذيب و إذلال القارة بإسم الحرية وما أشبه هذا القرن بالقرن الفارط حيث سياسة السوط الأمريكي - .
وحبذا لو تجري الحرّة حوارا مطولا مع المفكّر الأمريكي نعوم شومسكي صاحب كتاب إيديولوجيا وإقتصاد و الذي وصف بنيامين فرانكلين أب الأمة الأمريكية بأنّه الرجل الذي طرد السكّان الأصليين كي يفسّح المكان لأمته .
و حبذا لو تتحفنا قناة الحرّة ببرنامج خاص عن هيروشيما حيث نجحت أمريكا بإمتياز صبيحة 02 آب أوت 1945 وبفضل قنبلتها النووية قتل أزيد من 75 ألف بريئا , والأمر عينه بالنسبة لناغازاكي .
وحبذا لو تقوم الحرة بتحقيق صحفي معلوماتي عن أرشيف وكالة الإستخبارات الأمريكية و تستخرج منه الدسائس والمؤامرات التي نفذّت في حق العالم العربي والإسلامي وحتى في حق الغرب .
ثمّ ألم يفضح كريستون سيمبسون في كتابه - إنفجار - المخابرات الأمريكية التي جندّت مجرمين نازيين كبار مثل كلاوس باربي .
وقد تدعّي الحرّة أنّ هذه الحقائق وإن كانت صحيحة فهي ملتصقة بالتاريخ والتاريخ حدث عدمي بمعنى أنّه إنقضى والعبرة بالراهن والمستقبل , و هنا أعاود السؤال للحرة : ماذا عن الجرائم الأمريكية في أفغانستان و الصومال و العراق وغيرها من الخرائط , فهل هناك علاقة بين القتل والحرية , بين التماهوك والحرية , بين الأسلحة الكيميائة والحرية , أم أنّ منطق الحرة ينطلق من قول الشاعر :


و للحرية الحمراء باب بكل يد مضرجّة يدقّ


لكن هذا البيت لا ينطبق على أمريكا وما تقوم به , ألم أقل في البداية أنّ الحرة ورغم خطابها العربي إلاّ أنّها أبعد ما تكون عن فقه اللغة العربية الجميلة و كنهها وروحها , فهي تتكلم العربية بلكنة أمريكية على طريقة الجواسيس الذين يعتبرون اللغة و إتقانها ضرورة للعمل التجسسي , ولهذا كان جواسيس الغرب يذهبون إلى لبنان ومصر وغيرهما لدراسة اللغة العربية بداعي التعاطف مع الحضارة العربية و الإسلامية , و في الواقع كان ذلك جزءا من التكوين للشروع في مهمة الغرس في مواقعنا الذي أكدّت التداعيات اللاحقة فيه أنّ واقعنا كان مزرعة للجواسيس من كل حدب و صوب , و من أدمن قراءة مذكرات جواسيس الغرب في البلاد العربية والإسلامية يدرك حقيقة ما جئت على ذكره .
وبالعودة إلى موضوع محمد جاسم العلي مدير قناة الجزيرة الأسبق ومدير العلاقات الدولية والبرامجية شامل سرسم العراقي الجنسية و الإيحاء بأنهما كان على علاقة بالنظام العراقي ! فهذا محلّ شبهة فالجزيرة من الغنى بمكان لا تحتاج فيه إلى أموال عديّ أو قصيّ صدام حسن , فبعض صحفيي الجزيرة دخلهم الشهري عشرة آلاف دولار أمريكي بالإضافة إلى إمتيازات السكن والطبابة و ما إلى ذلك , والأمير القطري حمد بن خليفة آل ثاني يمدّ الجزيرة بكل أسباب المكنة المالية , ولذلك فهي لا تحتاج إلى أموال من أحد .
والرواية كما نقلها لي شخصيا شامل سرسم مدير العلاقات الدولية والبرامجية الذي زارني في بيتي في السويد هو أنّ الجزيرة تعودت أن تزور مسؤولي الدول عندما يتمّ فتح مكاتب لها في العواصم الأخرى , بالإضافة إلى أنّ جاسم العلي مدير قناة الجزيرة السابق كان متعودا أن يذهب إلى العراق في سنيّ الحبّ العذري بين النظام العراقي ودول الخليج و كان عندها يقوم بشراء البرامج العراقية لحساب التلفزيون القطري الذي كان العلي على رأسه تاريخئذ .
و يبقى القول أنّ الحرة و مهما فعلت لا يمكن أن يستسيغها الإنسان العربي والمسلم , و حسب علماء الفقه فإنّ شحم الخنزير حرام كلحمه تماما , و عللوا ذلك بقولهم بأنّ اللحم أصل والشحم فرع فإذا حرّم الأصل حرّم الفرع أيضا , فأمريكا وفروعها أمر مكروه بإمتياز في العالم العربي والإسلامي .
وحتى لو قالت الحرّة لا إله إلاّ الله لما قبل العالم العربي والإسلامي إسلامها , والعاقبة للمتقين !!