From : aly_abdelal@yahoo.com
Sent : Monday, December 13, 2004 9:34 PM
To :  arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

 

إلى من هاجموا الإسلامَ ولم يعرفوه


يبدو أنه كُتبَ علىّ ألا أكتبَ إلا إذا استفزنى موضوع أقرأه لعشاق المراوغة فى الظلمات، والإصطياد فى الماء العكر، والذين لا يتوقفون عن الصراخ لسبب أو لغير سبب .

وحقيقة أتعجب حينما يكتبُ أحدهم تحت عنوان : (الإسلام دين و دولة .. حقيقة أم وسيلة للوصول للسلطة ..؟ ) الجزء الثانى من العنوان أشبه بحرباء تتلون .. والعنوان بغض النظر عما تبعه من أفكار، محير، كما أنه يستدعى أكثر من تسائل حوله .

ــ أين هذه السلطة التى يخرجون علينا من آن لآخر بصراخهم، أن (الإسلاميين) يسنون أسنانهم لكى ينقضوا عليها... ؟!

فمنذ أن تكشفت للعيان نوايا الرئيس الراحل (جمال عبدالناصر) بشأن بناءه دولة علمانية، يكون فيها الحاكم بأمره، وشرع فى نصب المشانق لمخالفيه، أعلنها لهم صاحب (الظلال) الراحل الأستاذ سيد قطب : " أحكمونا بالإسلام، نُحكم لكم " .. وكان نصيبه الإعدام، لأنه لم يعارض تنصيب الطواغيت، وإنما اشترط فى الإذعان لهم، إنقيادهم لكتاب الله، وكانت تلك ولازالت هى القاسمة لكل جبابرة الأرض .

ــ لا أظن بأى حال أن الحركة الإسلامية، بكل فصائلها، وكافة أطيافها حادت عن هذا النهج .. بل يظل الهدف الوحيد أمام كل مسلم، مؤمن بعقيدته، ووجوب تحكيمها .. هو تحكيم هذه العقيدة ذاتها، دون أن يعنيه من يحكمه بها ... والله يعلم أن كل ما نطمح إليه هو أن يحكمنا هذا الدين ..لا أن ننقض على رقاب العباد باسمه، كما يدعى الفجرة.

ــ ولو أن (كمال الشاذلى) ذاته أو حتى (صفوت الشريف) أو حتى (جمال مبارك)، هداه الله إلى تحكيم كتابه، وحكمنا بالإسلام لأطلقنا عليه من الغد (أمير المؤمنين) وصلينا خلفه، وأتخذناه إماماً لنا، وضحينا فى سبيل حمايته بأرواحنا.

فنحن لم نعارض الأشخاص لذواتهم، إنما نعارضهم لمواقفهم من كتاب الله، وتحكيم شرعته .. كما أنه ليس سراً أن (الإسلاميين) لا يعارضون الأنظمة، لفشل خططها الإقتصادية، وإنتشار البطالة، وغلاء الأسعار، وعدم قدرتها على توظيف الخرجين .. لو كانت هذه هى الأسباب التى عليها نقول ( لا ) .. لسخرنا من أنفسنا، ولتوقفنا عن هذا العبث .

ومن ثم أجيب على هذا السؤال الذى جاء كعنوان للمقال المذكور، على أن الإسلام دين ودولة، وليس هذا إختراع جديد نهديه إلى البشرية، إنما هكذا أراده الله، وسوف يكون ما أراد الله، ونحن بهذا مؤمنون، شاء من شاء وأبى من أبى .

{كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}المجادلة21 ... {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }الصف8

وقد أحتوى المقال المشار إليه على إختلاقات كثيرة، تفتق عنها ذهن كاهن العلمانية العجوز، وهى حقيقةً جديرة بالنقاش .

حيث كتب يقول : ( إن المعوق الحقيقى لشعوب الشرق الأوسط لكى تتمتع بالديمقراطية .. ليس فقط الحكومات ولكنها تيارات الاسلام السياسى التى تسيطر .. على الشارع .. وتستخدمها الحكومات الديكتاتورية كبعبع ) .

ثم أتحفنا بإكتشافه أن : ( الحجة لمدعى إمتلاك الحقيقة فى أن الأسلام دين و دولة هي الآية 44 من سورة المائدة) قوله تعالى : (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناًّ قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُون)

وزعم : أن ( معنى "من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" واضح و مقصود به التقاضى، و الحكم فى الجرائم) فقط ، حسبما انتهى إلى علمه .

ثم يقول .... ( الآيتين فيهما تأكيد أن نفس الأحكام موجودة فى التوراة، ويحكم بها الأحبار، ولم يكن مقصودا بها نظام الحكم أو الخلافة التى عرفت الوجود بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم كاجتهاد بشرى من الصحابة فى اجتماع السقيفة وتم اختيار أبو بكر لأسباب سياسة و قبلية و لم يتم الأحتجاج بأي نص دينى فى هذا الأجتماع لا من القرآن و لا من السنة ) حسبما زعم .

لماذا .. ( لأن الرسول نفسه لم يوص لأى شخص و لا بأى نظام للحكم ) ...... ( ولو تم الإستدلال بهذه الآية أن الإسلام دين و دولة لكان من حق أحبار اليهود أن يطالبوا بحكمنا! ) .

إلى هذا إنتهى كاهن العلمانية الجديد، الذى نصب من نفسه حجة على الإسلام، ينظر لمعتنقيه الخطأ الذى وقع فيه أصحابُ محمد ـــ صلى الله عليه وسلم ــــ لأنهم أبتدعوا نظام حكم لم يكن على عهد رسول الله، وأتوا بأبى بكر لأسباب سياسية وقبلية ليس أكثر ... لكى نكتشف بعد 14 قرن أن (كبير الكهنة) وبقدرة إبليس فهم من الإسلام ما لم يفهمه أبو بكر وعمر ــــ رضى الله عنهما ــــ كما أثبتت لنا الأيام أن الكاهن العجوز، مشفق على الإسلام من تكرار الخطأ الذى وقع فيه أصحاب محمد، الذين ضحوا بالدين من أجل حساباتهم القبلية، أما (كاهننا) فلن يضحى بالإسلام أبداً مهما تعددت غرائزه الحيوانية .

أشهدْ يا تاريخ .. حينما نحتج على الدعارة الفكرية التى تمارس بحق الإسلام، يقولون لنا إنها حرية الرأى، ولو رددنا عليهم، لقالوا (إرهاب) و(إسلام سياسى) و(أحتكار الدين) و(مصادرة للرأى) ، إلى آخر قواميس الوقاحة الدعائية .

المقصود ... رأى صاحب المقال أن حجة (الإسلاميين) فى تحكيم الإسلام هى قوله تعالى : (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُون) .. لكنه انتهى بتفسير الآية على أن المقصود بها كما يزعم: (التقاضى و الحكم فى الجرائم) ليس إلا.

صدقت والله .. نعم الآيةُ الكريمةُ حجة لنا على وجوب تحكيم أوامر الله، وإن كنتَ جاهل بالتفسير الحقيقى للآية، وأنا هنا أدعوك لأن تذهب إلى أقرب مسجد من مساجد القاهرة، حتى يتسنى لك، أن تطلع على أى كتاب من كتب التفسير لتدرك المعنى الصحيح للآية .. أو أبحث من خلال الشبكة العنكبوتية على أى موقع من مواقع تفسير القرآن، حتى تعى ما وقعت فيه من أخطاء، لتتحسس وقع الخيبة، على كهنة العلمانية حينما يخوضون فى تفسير الدين حسبما تملى عليهم غرائزهم، وإن عُميت قلوبهم عن معناه .

روى الإمام الطبرى فى تفسير الآية : عن السدى : {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدًى وَنُور يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} قال : يعنى النَّبى صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وروى عَنْ قَتَادَة قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نبى اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يقول لما أنزلت هذه الآية : " نحن نحكم على اليهود وعلى منْ سِوَاهُمْ مِنْ أهل الأَدْيَان" .

وروى عَنْ الإمام الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : زنى رَجُل مِنْ اليهود بإمْرأة ، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبى فإنه نبى بعث بتخفيف ، فإن أفتانا بفتيا دُون الرجْم قبلناها واحتججنا بها عند اللَّه وقلنا : فُتيا نَبِي مِنْ أَنْبِيَائك ! قَالَ : فَأَتَوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو جالِس فِي الْمَسْجِد فِى أَصْحَابه ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِم مَا تقول فى رَجُل وَامْرَأَة مِنْهُمْ زَنَيَا ؟ فلم يكلِمهُمْ كلمة ، حتى أتى بيت الْمِدْرَاس ، فقام على الباب ، فقال : " أَنْشُدكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة عَلَى مُوسَى ! مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ؟ " قَالُوا : يُحَمَّم وَيُجَبَّه وَيُجْلَد - وَالتَجْبِيه : أَنْ يُحْمَل الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَار تقابَل أَقْفِيَتهمَا ، وَيُطَاف بِهِمَا - وَسَكَتَ شَابّ ، فلما رآه سَكَتَ أَلَظَّ بِهِ النِّشْدَة ، فَقَالَ : اللهم إِذْ نَشَدْتَنَا ، فإننا نَجِد فِى التَّوْرَاة الرَّجْم .

فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَمَا أَوَّل مَا ارْتَخَصَ أَمْر اللَّه ؟ " قَالَ : زَنَى رَجُل ذُو قَرَابَة مِنْ مَلِك مِنْ مُلُوكنَا فَأَخَرَ عَنْهُ الرَّجْم ، ثُمَّ زَنَى رَجُل فِي أسْرَة مِنْ النَّاس ، فَأَرَادَ رَجْمه ، فَحَالَ قَوْمه دُونه ، وَقَالُوا : لا تَرْجُم صَاحِبنَا حَتَّى تَجِيء بِصَاحِبِك فَتَرْجُمهُ ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَة بَيْنهمْ .. قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِنِّي أَحْكُم بِمَا فِي التَّوْرَاة " . فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا .

وقال فى تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ كَتَمَ حُكْم اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه ، وَجَعَلَهُ حُكْمًا بَيْنَ عِبَاده فَأَخْفَاهُ ، وَحَكَمَ بِغَيْرِهِ ، كَحُكْمِ الْيَهُود فِي الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ بِالتَّجْبِيهِ وَالتَّحْمِيم ، وَكِتْمَانهمْ الرَّجْم ، وَكَقَضَائِهِمْ فِي بَعْض قَتْلاهُمْ بِدِيَةٍ كَامِلَة وَفِي بَعْض بِنِصْفِ الدِّيَة ، وَفِي الأَشْرَاف بِالْقِصَاصِ وَفِي الأَدْنِيَاء بِالدِّيَةِ ، وَقَدْ سَوَّى اللَّه بَيْن جَمِيعهمْ فِي الْحُكْم عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة ; { فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } يَقُول : هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه ، وَلَكِنْ بَدلُوا وَغيَرُوا حُكْمه وَكَتَمُوا الْحَقّ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه . { هُمْ الْكَافِرُونَ } يَقُول : هُمْ الَّذِينَ سَتَرُوا الْحَقّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ كَشْفه وَتَبْيِينه وَغَطَّوْهُ عَنْ النَّاس وَأَظْهَرُوا لَهُمْ غَيْره وَقَضَوْا بِهِ لِسُحْتٍ أَخَذُوهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِ .

وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل الْكُفْر فِي هَذَا الْمَوْضِع . فَقَالَ بَعْضهمْ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْيَهُود الَّذِينَ حَرَّفُوا كِتَاب اللَّه وَبَدَّلُوا حُكْمه .

وقال الإمام بن كثير فى تفسير الآية : وَقَوْله تَعَالَى وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ قَالَ الْبَرَاء بْن عَازِب وَحُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَابْن عَبَّاس وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَغَيْرهمْ : نَزَلَتْ فِي أَهْل الْكِتَاب زَادَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَهِيَ عَلَيْنَا وَاجِبَة.

وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَات فِي بَنِي إِسْرَائِيل وَرَضِيَ اللَّه لِهَذِهِ الأُمَّة بِهَا .

وَقَالَ اِبْن جَرِير عَنْ عَلْقَمَة وَمَسْرُوق أَنَّهُمَا سَأَلا اِبْن مَسْعُود عَنْ الرِّشْوَة فَقَالَ مِنْ السُّحْت قَالَ : فَقَالا وَفِي الْحُكْم قَالَ ذَاكَ الْكُفْر ثُمَّ تَلى وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ.

وَقَالَ السُّدِّيّ وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ يَقُول وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلْت فَتَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ جَارَ وَهُوَ يَعْلَم فَهُوَ مِنْ الْكَافِرِين.

وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ قَالَ مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللَّه فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ فَهُوَ ظَالِم فَاسِق رَوَاهُ اِبْن جَرِير.

هذا هو قول الصحابة، والتابعين ـــ رضى الله عنهم ـــ فى تفسير الآية، كما نقل عنهم المفسرون، بروايات صحيحة واضحة الإسناد ... لا ما ذهب كاهن العلمانية، الذى ادعى أن الآية أنزلت فى اليهود، وأن المقصود بها القضاء ، الذى فهمه على أنه لا يعنى الحكم ... وهل الحكم، إلا الفصل بين الناس، وتحكيم الشريعة فيما ينشأ بينهم من خلاف، وما يرتكبون من جرائم .. ؟!

حقيقة ... جهل الكهنة بلغة العرب، وجهلهم بكتاب الله، مثير للضحك، إلا أن مقام الحديث لا يحتمل الضحك، نظراً لعظم القضايا التى نصبوا من ذواتهم مفتيين فيها .

كما كتب يقول : (لم يكن مقصوداً ــ بالآية ــ نظام الحكم أو الخلافة، التى عرفت الوجود بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم كإجتهاد بشرى، من الصحابة فى اجتماع السقيفة، وتم اختيار أبو بكر لأسباب سياسة و قبلية، ولم يتم الإحتجاج بأى نص دينى فى هذا الإجتماع لا من القرآن و لا من السنة) حسبما زعم ... كيف استوحى تلك الخرافات، ولأى دليل يستند( لأن الرسول نفسه لم يوص لأى شخص و لا بأى نظام للحكم) .

فقد أبان كاهن العلمانية الأكبر عن مدى ما تنطوى عليه عقليته من جهل، وياليت الجهلة كفوا ألسنتهم عن الإسلام، والتنظير فيما ليس لهم بهم من علم .. إذن لأراحونا وأراحوا أنفسهم .

أنكر هذا المتكاتب أن يكون للإسلام نظام متعارف عليه للحكم، حيث تكهن بأن (الرسول لم يوص بأى نظام للحكم) .. وأثناء ممارسته لهذا النوع من الكهانة، ألقى بنفسه ـــ عامداً متعمداً ـــ فى مزلق خطير، وأبان بسرعة عن عمى ملازم.

وأنا هنا لن أفضحك يا كبير الكهنة للقراء، بكتابة اسمك، وسأكتفى مع فرط وقاحتك فى حق الإسلام، بأننى كتبت عنوان مقالك، وأقول أنك نشرته فى صحيفة (شباب مصر) وأنك من فحول كتابها المتعلمنين .

أما حديثك عن نظام الحكم فى الإسلام، فأتسائل : كيف يقبل فهمك، ويطاوعك عقلك، على أن تذكر قول الله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ }.. الآية التى حذر الله تعالى فيها من مخالفة أحكامه .. ونهى عن تبديل شرعه فى كافة شئون الحياة .

والله يقول، وقوله الصدق، فهل رأى العلمانيون أن الله يحذر من ترك أحكامه، بغير أن يكون له أحكام، وأنه سبحانه يخبر عن أحكام أنزلها، دون أن ينزل هذه الأحكام، تعالى الله عن سفه السفهاء، وتنزه سبحانه عن جهل الجهلاء ... ذلك وإن تفلسفت حول الآية، ولهثت جاهداً لتطويعها لغرائزك .

فالإسلام دين الله، أنزل به كتابه، على رسوله الخاتم ... و(القرآنُ) دستور هذه الأمة، و(القرآن) ككتاب، أشتمل على أوامر الله ، فيما نص الله على تحكيمه بين البشر، من أحكام .

وهذه الأحكام شملت كافة المعاملات، والشئون التى يحتاج إليها الإنسان ..... وجاءت (السنة النبوية) مفصلة لمعظم ما ورد فى القرآن من أحكام عامة .. والله تعالى يقول : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى .. إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى }.. زكى اللهُ تعالى نبيه، بأنه لا ينطق عن هوى، وأن ما جاء به محمد وحى من الله إليه .

ولما كان هؤلاء المتخبطون، لا سبيل لهم للوقوف على مقصد الإسلام من الحكم .. وكيفية تحكيمه .

فنقول : إن أى نظام حكم، لا بد له أولاً من دولة، وشعب، وحاكم، ودستور ... ولابد من نظام يربط كل هذه الأجزاء، فيما يتعارف عليه بنظام عام للحكم .

ومع وجود الشعب المسلم (الأمة الإسلامية) ، والأرض التى يسكنها أغلبية مسلمة، وفرد حاكم تتوفر له شروط معينة، فدستور الأمة هو (القرآن) لا مجال للإستعاضة عنه بدستور بشرى آخر مهما كان واضعوه .

هذا الدستور فى ظل وجود المصدر الثانى للتشريع الإسلامى وهو (السنة) التى هى وحى الله إلى رسوله، و(القياس) المعتبر شرعاً، و (إجماع) علماء الأمة العدول .. هؤلاء الأربع بترتيبها كمصادر للتشريع الإسلامى .. لم تترك صغيرة ولا كبيرة فى شئون الأمة، إلا وفصلتها تفصيلاً لا يحتاج معه إلى تفصيل .

سواء فى تولية الحاكم، أو كيفية إختياره، وعزله، أو تعين الولاة الذين هم (موظفون فى مصالح الأمة وأقطارها) أو كيفية الخروج على الحاكم إذا حاد عن مقاصد الشرع فيه .

وأقول إن : (الشورى) ... و(البيعة) ... و(القضاء) .. و(الخلافة) وغيرها، تمثل أجزاء فى لبنات البناء الإسلامى للحكم .... وهذه أمور ـــ لا شك ـــ تحتاج إلى فهم تفاصيلها ... قبل أن يهب الغوغاء بردها جهلاً من أنفسهم .

وليس هذا بجديد فكل قارىء للتاريخ الإسلامى يدرك جيداً أن الإسلام خضعت لحكمه أمم الأرض قاطبة، وضرب مثلاً فى العدل، والمساواة فى ظل أحكام الله .

ونحن حينما نتكلم عن نظام الحكم فى الإسلام، إنما نعنى ما جاء به نص شرعى صحيح، أو فعله النبى (صلى الله عليه وسلم) أو الخلفاء الراشدون من بعده، أو ما أجازه علماء الأمة المعتبرون، وما لم يأت دليل شرعى على منعه وهو ضرورى فى تسيير مصالح الناس ...

ومن ثم لا يجوز لمخرف أن يقول لى مثلاً أن (الحجاج بن يوسف الثقفى) فعل وفعل خلال حكمه بالدولة الأموية .. أو أن (عبدالملك بن مروان) قال أو أمر ..... فلا يحاكم الإسلام بأخطاء المسلمين، إنما يحاكم الإسلام بفهم أحكامه التى نص عليها بدليل .

ولا يحق لأى عاقل أن يحمل العقيدة الإسلامية أخطاء معتنقيها، وهذا ينطبق على أمور وقضايا أخرى معترف عليها، فمثلاً من السفه، أنه إذا أخطأ طبيب فى إجراء عملية ما لأحد المرضى، وانتهت بوفاة هذا المريض، أن نحمل هذا الخطأ لمنهج تدريس علوم الطب، بل الخطأ يتحمله هذا الطبيب وحده .

وأنهى حديثى بأن أنصح نفسى أولاً ، ثم أنصح كل إنسان دب على وجه هذه الأرض، أن يتعرف على الإسلام من خلال مصدريه (الكتاب والسنة) ، قبل أن يضع نفسه فى صفوف منتقديه وهو جاهل بأحكامه.

وليس من الحكمة أن نعادى أحكام خالقنا، ونحن جهلة بمدلولاتها .