السيد الفاضل د. ريحان
من وائل عباس

إليك ما قاله الإمام محمد عبده عن الموضوع منذ ما يقارب القرن قبل الهوجة الحالية:

"فالقرآن ليس كتابا فنيا فيكون لكل مقصد من مقاصده باب خاص به، وإنما هو كتاب هداية ووعظ ينتقل بالإنسان من شأن من شئونه إلى آخر، ولذلك فإن التفسير الذي نطلبه هو: فهم كتاب الله من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، فإن هذا هو المقصود الأعلى منه، وما وراء ذلك من المباحث تابع له، أو وسيلة لتحصيله."

"إنه لو كان من وظيفة النبي أن يبين العلوم الطبيعية والفلكية لكان يجب أن تعطل مواهب الحس والعقل، وأن ينزع الاستقلال من الإنسان، ويلزم بأن يتلقى كل فرد من أفراده كل شيء بالتسليم، ولوجب أن يكون عدد الرسل في كل أمة كافيا لتعليم أفرادها في كل زمن ما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم، وإن شئت فقل: لوجب أن لا يكون الإنسان هذا النوع الذي نعرفه. نعم، إن الأنبياء ينبهون الناس، بالإجمال، إلى استعمال حواسهم وعقولهم في كل ما يزيد منافعهم ومعارفهم التي ترتقي بها نفوسهم، ولكن مع وصلها بالتنبيه على ما يقوي الإيمان ويزيد العبرة، ولقد أرشدنا نبينا صلى الله عليه وسلم إلى وجوب استقلالنا دونه في مسائل دنيانا في واقعة تأبير النخل، إذ قال "أنتم أعلم بأمور دنياكم". ومن هنا كان السؤال عن حقيقة الروح خطأ، كما كان السؤال عن علة اختلال أطوار الأهلة خطأ، بل عده القرآن من قبيل إتيان "البيوت من ظهورها." [بمعنى أن أبواب بيوت العلم هي العقل والتجريب، وليس النقل عن كتب الدين[.

"فحقيقة البرق والرعد والصاعقة وأسباب حدوثها، ليست من مباحث القرآن، لأنها من علم الطبيعة (أي الخليقة)، وحوادث الجو التي فيها استطاعة الناس معرفتها باجتهادهم، ولا تتوقف على الوحي، وإنما تذكر الظواهر الطبيعية في القرآن لأجل الاعتبار والاستدلال، وصرف العقل إلى البحث الذي يقوى به الفهم والدين.. يذكر القرآن، إجمالا، من آثار الله في الأكوان تحريكا للعبرة وتذكيرا بالنعمة وحفزا للفكرة، لا تقريرا لقواعد الطبيعة، ولا إلزاما باعتقاد خاص في الخليقة."

"فليس من وظائف الرسل ما هو من عمل المدرسين ومعلمي الصناعات، فليس مما جاءوا له تعليم التاريخ، ولا تفصيل لما يحتويه عالم الكواكب، ولا بيان ما اختلف من حركاتها، ولا ما استكن من طبقات الأرض، ولا مقادير الطول فيها والعرض، ولا ما تحتاج إليه النباتات في نموها، ولا ما تفتقر إليه الحيوانات في بقاء أشخاصها وأنواعها، وغير ذلك مما وضعت له العلوم ،وتسابقت إلى الوصول له دقائق الفهوم، فإن ذلك كله من وسائل الكسب وتحصيل طرق الراحة، هدى الله إليه البشر بما أودع فيهم من الإدراك، يزيد في سعادة المحصلين، ويقضي فيه بالنكد على المقصرين.. أما ما ورد على لسان الأنبياء من الإشارة إلى شيء مما ذكرنا من أحوال الأفلاك أو هيئة الأرض، فإنما يقصد منه النظر إلى ما فيه من الدلالة على حكمة مبدعه، أو توجيه الفكر إلى الغوص لإدراك أسراره وبدائعه."

"فلا يجوز أن يقام الدين حاجزا بين الأرواح وبين ما ميزها الله به من استعداد للعلم بحقائق الكائنات الممكنة بقدر الإمكان، بل يجب أن يكون الدين باعثا لها على طلب العرفان، مطالبا لها باحترام البرهان، فرضا عليها أن تبذل ما تستطيع من الجهد في معرفة ما بين يديها من العوالم، وكلن مع التزام القصد، والوقوف في سلامة الاعتقاد عند الحد، ومن قال غير ذلك فقد جهل الدين وجنى عليه جناية لا يغفرها له رب العالمين."

تعقيب ورد من كاتب الموضوع:

أحييك يا أستاذ وائل على عرضك هذه الفقرات من أقوال الإمام محمد عبده:

يقول الإمام محمد عبده :

(القرآن ليس كتابا فنيا فيكون لكل مقصد من مقاصده باب خاص به، وإنما هو كتاب هداية ووعظ........)

إن هذه حقيقة مؤكدة لا يختلف عليها عاقلان...ولا أدرى لماذا يتصور البعض أن الإشارة (لبعض) الحقائق العلمية يفهم منها أن القرآن ( كله) أصبح كتابا فنيا!!!.....وللعلم فأنا طبيب ...وأعلم أن مجلدات الطب لا حصر لها ... ومن المستحيل أن يتصور عاقل أن كل هذه العلوم الطبية بتفاصيلها موجودة فى القرآن!! .... فما بالك ببقية أنواع العلوم والمعارف!!.

ولكن فى نفس الوقت عندما يشير الله سبحانه وتعالى إلى مراحل تخليق الجنين مثلا فى القرآن (مجرد إشارة)...وأجد من دراستى الطبية أن ما قاله سبحانه منذ أكثر من 1400 عام يتفق مع نفس الكلام الذى أدرسه اليوم ... ما ذا تريدنى أن أفعل؟....أسكت؟!!...أم أقول سبحان الله... فإذا سمعنى التومرجى الذى يعمل معى وقال لى: " بتقول سبحان الله على إيه يا دكتور؟".... أرد عليه وأقول له: " ده الأمر كذا وكذا"... فمن الممكن أن يرد على ويقول: " طيب والنبى مراتى بتشتكى من سقوط فى الرحم وبقالها سنتين ما بتحملش ... ما تعرفش تشوف لها آية فيها السبب!!!...... .

إن عقلية هذا التومرجى تمثل الغباء بعينه .

يقول الإمام محمد عبده :(إنه لو كان من وظيفة النبي أن يبين العلوم الطبيعية والفلكية لكان يجب أن تعطل مواهب الحس والعقل..)

رحمة الله عليك أيها الإمام...فأنت قد أوجزت لذوى عقلية التومرجى علهم يفهمون....
وتأكيدا لهذا الكلام أقول:
هل تكفى بعض الآيات التى تكلمت عن (بعض) الحقائق الكونية لتدريس علم الفلك بأكمله؟؟!!!
إنها مجرد إشارة أن الخالق واحد لهذه الآية ولكل ما بأيدينا من علم ....وحتى لو أن النبى (ص) كان قد علم ( بوحى إلهى ) حقيقة كونية واحدة..(وليست كل علوم الفلك)..فليس من المفروض أن يشرحها لعقول لن تعيها مطلقا فى زمنه ... فهى ليست من وظيفته أولا... وثانيا لن يستطيع ولو فعل المستحيل مع هذه العقول فى هذا الزمن.. لعدم قدرتها على الإستيعاب دون خلفيات علمية لديها تساعدها على هذا الاستيعاب.

يقول الإمام محمد عبده :(لقد أرشدنا نبينا صلى الله عليه وسلم إلى وجوب استقلالنا دونه في مسائل دنيانا في واقعة تأبير النخل، إذ قال "أنتم أعلم بأمور دنياكم"..........).

وكلام الإمام هنا سليم 100%.....فهل من المنطق أن نترك كل العلوم الطبية بجميع تخصصاتها وجميع أنواع العلوم الأخرى ونكتفى (بإشارات الإعجاز) التى أتت بالقرآن؟!!!...........هل هناك عاقل يقول بذلك؟!!

يقول الأستاذ وائل عباس :[بمعنى أن أبواب بيوت العلم هي العقل والتجريب، وليس النقل عن كتب الدين[.

وكلام سيادتكم أيضا سليم 100%...وعلى سبيل المثال كانت رسالة الدكتوراه الخاصة بى تحتوى على معلومات قمت بجمعها من حوالى 700 مرجع علمى طبى....ولم يكن من بينها طبعا المصحف الشريف....لأن الموضوع الذى كنت أبحث فيه لم تأت عنه إشارة قرآنية واحدة....ولا يوجد أحد على الإطلاق ( غير التومرجى طبعا)...يتصور ان القرآن تكلم عن كل الحقائق العلمية التى خلقها الله سبحانه.

يقول الإمام محمد عبده :(ليس من وظائف الرسل ما هو من عمل المدرسين ومعلمي الصناعات.............................) طبعا.....وهل من الممكن أن يتخيل أحد أن النبى (ص) من الممكن بحوالى ألفي آية فقط أن يقوم بتدريس كل علوم وصناعات الدنيا؟!!!

يقول الإمام محمد عبده : (أما ما ورد على لسان الأنبياء من الإشارة إلى شيء مما ذكرنا من أحوال الأفلاك أو هيئة الأرض، فإنما يقصد منه النظر إلى ما فيه من الدلالة على حكمة مبدعه، أو توجيه الفكر إلى الغوص لإدراك أسراره وبدائعه............................)
هذا ما أردت قوله من المقال ....إشارة فقط للإعجاز....ثم حث للعقل على التفكر وفك الأسرار والبدائع.

يقول الإمام محمد عبده عن الأمة الإسلامية :
(يجب أن يكون الدين باعثا لها على طلب العرفان، مطالبا لها باحترام البرهان، فرضا عليها أن تبذل ما تستطيع من الجهد في معرفة ما بين يديها من العوالم، وكلن مع التزام القصد، والوقوف في سلامة الاعتقاد عند الحد، ومن قال غير ذلك فقد جهل الدين وجنى عليه جناية لا يغفرها له رب العالمين ..........................)  وأقول عن هذا الكلام : " ياليت قومى يعلمون."


و تعليق من الدكتور/ مصطفى عبد العال:

حتي لا نكون أمه من التمرجيه

تابعت الحوار الشيق بينكما وعلكم تسمحوا لي بطرح تصور سريع متعلق بالمثال الذي ضربه الدكتور ريحان عن التمرجي والمشكلة ليست في انك عندما تمارس عملك العلمي والإنساني تكتشف قدرة الخالق سبحانه فهذا هو عين العقل الذي نص عليه القرآن بتعبيرات (ألا ينظرون .. ألا يتفكرون .. ألا يعقلون..) أما ان تتحول المسألة الي سبوبة ويتفرغ لها (علماء) لا يمارسون عملا علميا ولا إنسانيا بل نوع من القص واللصق ثم يصبحوا هم علماء الأمة بينما من يعملون ويريدون أن يعملوا يتم تشريدهم أو إجبارهم علي الخضوع لعقلية التخلف فهذه هي المشكلة وحجمها أضخم من ألا نراه فما علينا إلا أن ننظر إلي المساحة الإعلامية والإعلانية والاجتماعية المعطاه لبتوع القص واللزق والمساحة أو التقدير المعطى لعلماء الأمة العاملين فعلا وطبعا هذه قضية مرتبطة بالاطار السياسي- الثقافي الذي نعيش داخله والذي يحتمي بالدين كذبا وعدوانا ليظل قابع علي أنفاس البشر.

مع تحياتي

أستاذى الدكتور مصطفى

من الواضح أننا نتفق فى أشياء كثيرة مما ذكرت وإن كان هناك اختلافات ستكون فى المسميات فقط.

وأحب أن ألفت نظر سيادتكم للآتى:- أنا تعرضت فى مقالى لكل من رفض الكلام عن الإعجاز العلمى على إطلاقه...أما من يعترض منهم على النقطة التى أثرتها سيادتكم فلم أراه يتكلم عنها بإسلوب لائق ولا بتحليل موضوعى كما تكلمتم أنتم.

وإذا تكلمنا موضوعيا عن هذه الظاهرة مثار انتقادكم، فسألخص ملاحظاتى عنها فى عدة نقاط مختصرة على ثقة أن المعنى سيصل إلى سيادتكم:

- هؤلاء الذين تقصدهم فى كلامك لم يدّعوا للحظة أنهم علماء هذه الأمة.

- ومن جعلهم يبدون كعلماء الأمة الوحيدين هم أنفسهم من أفسحوا الساحة الإعلامية لنجوم الكرة والغناء وجعلوا منهم المثل العليا لشباب هذه الأمة.

- إذا يجب أن توجه أصابع الإتهام لهؤلاء الذين غيبوا عن قصد العلماء الحقيقيين.

- لم نقرأ مقالا واحدا للأقلام التى قصدتها فى مقالى تنتقد تغييب علماء الأمة الحقيقيين عن الصفوف الأولى إعلاميا وتقديم توافه مخلوقات الله من البشر بدلا منهم كالراقصات ونجوم الفيديو كليب والإيحاء للشباب بأن هؤلاء هم القدوة والمثل!!.

- سيادتكم (جبت الخلاصة من الآخر) ... وقلت أن المشكلة لها شق سياسى وشق ثقافى.

- الشق السياسى يتعلق بحقيقة أن الحكومات العربية كلها لا تسمح بأى كلام فى الدين على قنواتها المحلية أوالفضائية سوى ما كان لا يهدد شرعيتها إطلاقا ولو بالإشارة عن بعد .. ولا يكشف فسادها أمام شعوبها...ويفسح المجال رحبا لما عدا ذلك ( إعجاز علمى- كيفية أداء المناسك والعبادات..الغسل والطهارة ... معاملات .. زواج ..طلاق..الخ) ... وشعوبنا تحب الدين بالفطرة وتريد برامج دينية...ولكن ليس مسموح لها سوى بمشاهدة هذه النوعيات من البرامج... فما ذنب القائمين عليها؟!!.

- الشق الثقافى يتمثل فى غياب الوعى والفهم والإدراك لدى نسبة كبيرة من عامة الشعب....فنلحظ سيادة الفكر (التومرجى ) لديهم.

- قد يلجأ مقدمو هذه البرامج لفكر (لى العنق) وتم انتقادهم من قبل الكثيرين وبينت ذلك فى المقال.

- مبدأ القص واللصق (المونتاج) لا شئ فيه بحد ذاته...ولكنه يكون معيبا .. بل مرفوضا .. عندما يقدم فى النهاية خطأً علميا فادحا فيما تعرض له من موضوع .. ولكنى لم أرى مقالا يناقش الموضوع نفسه بعقلانية.

- بعد كل هذا أقول لسيادتكم أننى لست من مشاهدى هذه البرامج أصلا.. ولم أشاهد ولو حلقة واحدة للدكتور زغلول النجار... وسبب رفضى لذلك ربما يكون سببا خاصا بى وحدى ... وهو إحترامى و إيمانى الشديد بأهمية التخصص الدقيق فى كل شئ...فمن رأيى ألا يتعرض للكلام عن معجزة طبية أتى ذكرها فى القرآن سوى طبيب متخصص فى هذه الجزئية..(وليس أى طبيب متخصص أيضا.. بل لابد من مواصفات معينة تتوافر فيه)...وأنا لا أفهم فى علوم الجيولوجيا شيئا على الإطلاق .. وبالتالى فلن أستطيع الحكم على كلام الدكتور زغلول .. وهل ما يقوله صحيحا أم يلوى عنق الآية؟... ولهذا لا أسمع له ولا أشاهده ... ولكن بالطبع أرحب بمشاهدة مناظرة له مع عالم جيولوجى يضع كلامه تحت ميكروسكوب النقد العلمى ... ولكن للأسف لم يظهر مثل هذا المناظر المنتظر...بل ظهر الناس اللى بيحدفوا بالطوب وبس!!!.

د.سيد ريحان