From : Elbeshlawy, Farouk <Farouk.Elbeshlawy@disney.com>
Sent : Thursday, June 10, 2004 1:33 AM
To : <arabtimesnewspaper@hotmail.com>
Subject : مفهوم العلوقية



القنصلية المصرية بهونج كونج و مفهوم الـ "علوقية"
على لسان أحد الدبلوماسيين العاملين بها
احمد فاروق



أبعث بهذه القصة لـ "عرب تايمز" و أرجو نشرها من أجل هدف واحد فقط و هو المساهمة – حتى و إن كانت بسيطة – في نقد ذاتنا. إننا لن نتمكن من إصلاح حياتنا العامة أو بلادنا أو وضعنا المخزي في العالم بدون أن نبدأ بإصلاح أخلاقنا الشخصية و تنظيف نفوسنا الضعيفة و عقولنا الصدئة و ألسنتنا القذرة.

أنا أتفق تماما مع الدكتور عمرو إسماعيل على أن الديكتاتورية ليست شيئا خاصا بحكوماتنا و حكامنا فقط بل إنها متأصلة فينا تماما كثقافة عامة – وضيعة – و أسلوب حياة من أرباب منازل إلى موظفين صغار في الهيئات العامة و الخاصة إلى كبارهم إلى مسئولين كبار إلى حكام. و إليكم القصة كما حدثت:

ذهبت إلى القنصلية المصرية بهونج كونج من أجل استلام شهادة الميلاد المصرية الخاصة بابنتي التي رزقني الله بها منذ أربعة أشهر بعد أن انتظرت الشهادة شهرا كاملا (علما بأن شهادة الميلاد الصادرة من سجل المواليد الحكومي بهونج كونج تم إصدارها و تسليمها لي في نصف ساعة). كان الموظف المسئول بالقنصلية قد وعدني بأن يستخرج جواز السفر المصري الخاص بالإبنة في نفس يوم استلام الشهادة. الحق أقول أنا ذهلت .... لأني توقعت أن يقول لي إن إصدار جواز سفر سيستغرق شهرا آخر مثل شهادة الميلاد. و طبعا اتضح لي لمرة أخرى سبقتها عشرات المرات أن الإنسان العربي تعود أن يقول ما لا يفعل و تعود على عدم الاهتمام بعمله و عدم الدقة في القول و العمل و لذلك اضطررت أن أذهب عدة مرات للقنصلية لاستخراج جواز السفر لأسباب بيروقراطية و عقد نفسية يعرفها الجميع و لا مجال لذكر التفاصيل هنا لأني لا أريد التحدث عما لاقيت من نصب في التعامل مع إحدى قنصلياتنا العربية المبجلة و إنما أريد رسم صورة لها و للعاملين بها.

ففي إحدى المرات قمت بالاتصال بالقنصلية أولا لكي أتأكد أن سيادة الموظف المسئول موجود بمكتبه لأنه لا يوجد – و لا يصح أن يوجد وفقا لثقافتنا الديكتاتورية – من يحل محله في العمل حتى لا يضيع وقت الناس هباء .. و لكن متى كان للوقت أي قيمة عند هؤلاء؟ تذكرت قبل اتصالي أنه يجب علي أن أحادث زميله الذي يعمل بالمكتب المجاور في أمر آخر فكلمته أولا .. و بعد انتهائي من الحديث طلبت منه أن يحول المكالمة إلى الآخر فقال لي "حاضر ثانية واحدة" .... ثم انقطع الخط الهاتفي بالصوت المميز المعروف لإغلاق سماعة التليفون.

قلت لنفسي "يمكن ماعرفش يحول المكالمة". اتصلت مرة ثانية فردت السكرتيرة الصينية الجنسية .. طلبت منها أن أتحدث إلى الأستاذ "فلان" فقالت "أو كيه" و حولت المكالمة .. و إذا بي أسمع للمرة الثانية عل التوالي السماعة تغلق في وجهي بدون سبب واضح. كان من الضروري أن أعرف ما هي المشكلة بالضبط فاتصلت للمرة الثالثة و قلت للسكرتيرة بنبرة غاضبة إني أود التحدث مع "فلان" فأحسست من صوتها أنها تشعر بحرج شديد و تبذل جهدا كي لا تبين لي أن "فلانا" هذا .. ابن بلدك .. الذي يعمل بـ "السلك الدبلوماسي" .. هو الذي أغلق السماعة في وجهك.

كان السؤال الذي يتردد في رأسي حينئذ "ما سبب هذا؟". و بعدما كلمني في المحاولة الثالثة كان هذا أول ما سألته "قاموا بتحويل مكالمتي لك مرتين فلماذا كنت أسمع إغلاق السماعة؟ هو فيه إيه؟ فكان رده الأول "لأ أصل التليفون عندي مش شغال كويس" ... و عندما شعر أني طبعا غير مقتنع بكلامه الفارغ قال لي "معلش أصل إحنا النهاردة مشغولين قوي" .. و كأن طلب مواطن مصري استخراج جواز سفر من القنصلية المصرية ليس من مهام القنصلية!! فأحس أن هذا السبب أيضا غير مقنع و بخاصة أني ترددت كثيرا على القنصلية و أعرف أن أكثر من نصف يومهم العادي ينقضي بلا "شغلة و لا مشغلة" .. فجعله هذا يتسرع و يخطئ مرة أخرى فيقول "أصل القنصل النهاردة موجود في القنصلية"!! و كأن وجود القنصل المصري في مكتبه حدث شاذ!! ثم تابع حديثه فقال "لكن أوعدك بكرة إن شاء الله تيجي الساعة العاشرة صباحا و أنا هأخلص لك البسبور على طول .. و خللي بالك أنا باعمل كدة علشان خاطرك انت بس"!!

كنت أريد أن أقول له "يا سيدي العزيز .. يا ابن بلدي .. يا دبلوماسي .. يا من أغلقت سماعة الهاتف بوقاحة على مسمع من السكرتيرة الصينية يمكن بغرض أن توهمها بأنك رجل مهم .. يمكن تنظر لك مثلا .. أنا لا أريد أن تعمل شيئا علشان خاطري .. إنما أريد أن تعمله علشان دة شغلك .. يعني علشان خاطرك انت" و لكن تبادر إلى ذهني سؤال أهم من ذلك فسألته "هو وجود القنصل في القنصلية معناه إنكم ما تشتغلوش؟" فأنا أظن أن العكس هو الصحيح .. يعني وجود القنصل المفروض انه يدفع الموظف الديكتاتور المضحك الصغير الحجم الذي لا يهتم بعمله في عدم وجود رئيسه انه على الأقل "يعمل نفسه بيشتغل" في حال وجوده. و إذا به أخيرا يلقي بما في نفسه بصراحة و بدون تحفظ و يقول "بصراحة بقى أنا ما بحبش انك تتصل بفلان و تطلب منه انه يحول مكالمتك علي لأني بأحس في كلامه كدة بـ "علوقية" لما يقول لي الأستاذ فلان عاوز يكلمك .. ابقى تعال على طول كده من غير تليفونات".

الحق أقول أنا لم أعرف ماذا أقول له بالضبط. لم أندهش من أسلوب الكلام "الشوارعي" الذي تحدث به – فهو أولا و أخيرا دبلوماسي مصري عربي و للأسف .. مسلم .. مثلي .. يعني عنده كل مؤهلات الوقاحة و قلة الأدب – بقدر اندهاشي من سبب هذا الكلام .. لأني في الحقيقة لم أفهم أبدا ما وجه الـ "علوقية" في أن زميله أراد أن يحول مكالمتي له!! ثم كيف لموظف محترم يشغل منصبا بالخارجية المصرية أو بالـ "سلك" كما نقول نحن المصريون أن يتحدث بمثل هذه الطريقة. و كيف له أن يحاول التهرب من مكالمة مواطني بلده. و إذا كان هناك مشكلة أو ضغائن بينه و بين زميله الذي يعمل معه فما دخلي أنا بهذا؟ و ما دخل طلبي بإصدار جواز سفر لابنتي بموضوع الـ "علوقية" التي تسري في القنصلية المصرية؟

و لكن قلت لنفسي "و ما الغريب؟" و تذكرت قصة أخرى سمعتها من صديق لي مصري كان يعيش بـ "بكين" أيام الجامعة. و القصة على الرغم أني لم أشهدها بنفسي و لا أستطيع أن أجزم بحدوثها إلا أني أصدقها تماما لأنها تقع في نطاق المألوف و المعروف و البديهي وفقا للثقافة المعتمدة و المنهجية الخاصة بالـ "دبلوماسيين" العرب. ففي عام 1989 وقعت حادثة ميدان "تيانانمن" الشهيرة و التي يعتبرها العالم وصمة عار في تاريخ الصين الحديث .. حيث قامت مدرعات الجيش الصيني و جنوده بإطلاق الذخيرة الحية على طلاب الجامعة من الصينيين – و كان هناك العديد من الطلبة الأجانب أيضا – لأنهم تجمعوا في الميدان المذكور مطالبين الحكومة الصينية بالديمقراطية و انضم لهم الآلاف من الأهالي .. فامتلأ الميدان الفسيح و ما حوله من شوارع المدينة بالمتظاهرين سلميا. و عندما فتحت النار عليهم و استمرت لفترة من الزمن قتل فيها و جرح من الطلاب عدد غير معلن من قبل الصين حتى الآن .. و جرى الجميع خوفا على حياته. و كان من الطبيعي أن يتوجه الطلاب الأجانب إلى سفاراتهم أو قنصلياتهم ببكين طلبا للحماية و الشعور بالأمان .. حتى أن بعض سفراء دول الغرب ألزموا الطلبة بالبقاء داخل مبنى السفارة أو القنصلية من فرط إحساسهم بالمسئولية تجاه مواطنيهم و لشعورهم بأن هؤلاء إخوانهم و أبناؤهم. أما تعساء الحظ من الطلبة المصريين فما أن دخلوا السفارة المصرية و رأوا السفير المصري الـ "محترم" حتى شنف آذانهم بقوله "اسمع ياد انت و هوه .. أنا ممكن أبهدلكو .. مش عايزين وجع دماغ و قلق .. و كل واحد يروح على بيته و ما يطلعش منه".

يبدو أن سيادته – هذا الديكتاتور المضحك الصغير الحجم هو الآخر – وقتها خاف على نفسه و على مستقبله السياسي المشرق و تخيل بعقليته المريضة .. العلقة .. أن مجرد إظهار الحماية لأبناء بلده من الممكن أن تتسبب في غضب المسئولين الصينيين – و كأن الصين بقدرها و وزنها في العالم و أثناء أحداث هائلة كالتي وقعت في ميدان "تيانانمن" سوف تلقي بالا لما يفعله هذا الأذعر – أو من الممكن مثلا أن تحدث أزمة سياسية بين مصر و الصين بسببه هو لمجرد أنه احتضن أبناء بلده من الطلبة صغار السن في وقت خوفهم.

فلماذا ألوم اليوم موظفا "دبلوماسيا" بسيطا مسئولا عن إصدار جوازات السفر لمواطني بلده لأنه أضاع وقتي و أغلق السماعة في وجهي ثم كذب و أنكر ذلك و رسم دور الرجل المهم أمام السكرتيرة الأجنبية و تهرب من أسئلتي و سب زميلا له؟ إنه لا يريد سوى أن يلعب دور الديكتاتور الصغير الميكروسكوبي في حدود سلطته الصغيرة .. و لا يدري أنه يبدو كالأخرق .. و يمكن يدري .. من يعرف؟ و ما الذي يهم في ذلك؟ ما هي كلها "علوقية" في "علوقية".

أحمد فاروق

(مصري سافر من بلده منذ تسع سنوات طلبا للعيش بكرامة فاضطرته الظروف للتعامل مرة أخرى مع من لا يتسمون بها و لا يعرفونها من أبناء جلدته)