From : Amir Ulger <amirs05@hotmail.com>
Sent : Friday, June 4, 2004 3:47 PM
Subject : يا علماء السعودية إلى متى الصمت ؟



يا علماء السعودية إلى متى الصمت ؟
أمير اوغلو
خاص بعرب تايمز


صُدم العالم بأجمعه بأحداث الخبر وقبلها أحداث ينبع , والتي ظهر فيها نوع من استعراض القوة من قبل منفذي الهجمات كسحل الجثث الأجنبية في الشوارع , وتقصد الخبراء والعمال المدنيين من الأجانب , ثم وللمرة الأولى اللجوء إلى أسلوب احتجاز رهائن , وأخيرا التمكن من الهروب بعد أربع وعشرين ساعة أو أكثر من بدء الأحداث .

كما ظهر على الطرف الآخر تضارب الأنباء واختلاف الجهات الإعلامية المحلية وتضارب أقوالها وتخبطها في نقل الأحداث , يضاف إلى هذا موقف الإعلام الرسمي السعودي الذي يمكن تلخيصه بمشاهدة برامج الفضائية السعودية التي لم تكلف نفسها الحديث عن الموضوع في البداية سوى كخبر صغير في نشرات الأخبار بما لا يقارن مثلا بتغطية العربية والجزيرة للحدث , وبالكيفية الإستعراضية التي تجلت في منظر الطائرة المروحية التي يهبط منها الأبطال لمدة دقيقتين كاملتين .

تصريحات الأمير عبد الله أمام العدسات واجتماع أعضاء الوزارة أمامه كانت في حد ذاتها كارثة أكبر من الكارثة الأصلية نفسها , فقد أظهرت شخصا لا يستطيع أن يكمل جملة تامة مفهومة إلى نهايتها ولا يستطيع أن يركز على معنى أو فكرة يحاول إيصالها إلى ملايين المشاهدين في أرجاء العالم , فقد غلبت ضرورة الظهور التلفزيوني الإعلامي السريع لإظهار القوة والسيطرة الحكومية على التحضير الجيد المطلوب والإعداد السياسي فكانت المقابلة أو الجزء الذي نقل منها كارثة كما قلنا . أما تواجد الأمراء والناس وقوفا مواجه الأمير وهو جالس يتكلم أمامهم فقد ذكرتنا بصور مزارع العببد في القرن السابع والثامن عشر , ولا أدري من تفيد مثل هذه الممارسات التي تصور المملكة بهذا الشكل الذي لم يعد مقبولا في القرن الحادي والعشرين بشكل من الأشكال . ولو تذكرنا أن هذا هو القائد الحكيم الفذ الذي ينوب عن القائد المريض والمعاق حاليا فلنا أن نقول : إن شعبا يدار بمثل هؤلاء الحكام لهو شعب يستحق فعلا الرثاء والحزن والأسف أكثر مما يستحقه منفذو العملية والضحايا الأبرياء .

على صعيد آخر وكما علق بعض المحللين السياسيين من داخل المملكة فقد بينت سرعة البيانات الصادرة عن الجماعات المنفذة للعملية ودقة اطلاعها على مجريات الأحداث ووجود أسماء متجددة بين أفرادها وقلة خسائرها بالمقارنة مع العمليات الأولى أن العمليات تسير نحو الأمام وتلقى من الدعم والتأييد أكثر مما هو متوقع من قبل الشعب المضغوط والمضطهد والمكبوت لا كما تدعي الحكومة من أن هؤلاء شرذمة من العملاء المدعومين من الخارج والذين سيتم القضاء عليهم بسرعة .

إن الأمور كما يبدو تسير في المملكة إلى الأسوأ , وقد كثر المتربصون الذين ينتظرون وفاة الرجل المريض لتقاسم التركة الوافرة , وشجعت التصريحات الأمريكية التي تمرر من وقت لآخر حول تغييرات قادمة في المنطقة عامة وفي السعودية خاصة الكثيرين على رفع أصواتهم والتكلم بما كان محرما فيما مضى , وقامت الدولة بالباقي باستمرارها في سياسة التعجرف والتكبر وتأكيد كونها مالكة للأرض وللشعب وللمقدرات والثروات تعطي من تشاء وتمنع من تشاء.

لقد مرت دول عربية أخرى بأوضاع مشابهة واستطاع حكامها قمع مثل هذه الحركات كما حصل في سوريا في أوائل الثمانينيات ولكن السؤال المطروح هل الوضع ما زال كما هو وهل ستستطيع الحكومة السعودية تكرار ما حصل في سوريا ؟ لا نعتقد هذا ونوافق الدكتور عبد العزيز القاسم الذي قال إن الحل الأمني لن ينجح كما نجح في مصر وسورية لعدة عوامل لا مجال لشرحها في هذا الحيز الضيق .

من الواضح أيضا أن المستفيد الأخير قد لا يكون هو الذي يقوم الآن بالعمليات والذي يضحَى به عادة في سبيل وصول آخرين إلى النتائج النهائية وأن الحل لن يكون أمنيا بحال من الأحوال والمسؤولون عن إيجاد البديل هم علماء الأمة ومثقفوها والنخب القيادية البعيدة عن الأسرة الحاكمة ودورهم في هذا كبير ومسؤوليتهم عظيمة . لن يفيد الوقوف مع الحاكم الذي يرفضه معظم الشعب الآن بحجة أن القادم أخطر , ولن يفيد تدبيج الإحتجاجات بالآيات والأحاديث التي تحرم قتل النفس , فقد برح العناء بأبناء الأمة . وإن كان بعض العلماء من الذين تكفيهم رواتبهم وأموالهم وتجارتهم لا يرون ما يراه المواطن العادي من الفقر والضغوط والإذلال والتعنت فلا يحق له أن يعمم هذه الرؤية الناقصة العوراء على كل أفراد الشعب ثم يطلب منهم الخضوع والخنوع بحجة أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان . لئن كان العالم لا يرى الأسباب الحقيقية لهذه الثورة ولهذا التغير في أسلوب المعارضة ويظن أنه باجتماعه مرتين مع ولي الأمر في مؤتمرات النفاق الوطني أو الحوار الوطني كما تسميها الدولة والتي كان الهدف الرئيسي منها امتصاص النقمة وسحب البساط من تحت أرجل المثقفين والعلماء وضرب بعضهم ببعض , فهو مخطئ مرتين الأولى لأنه نسي ماذا فعل الحاكم منذ مائة سنة ولم يقرأ التاريخ بشكل صحيح والثانية لأنه ظن أن كل ما قاله هو وأمثاله من قبل سيمحوه قوله الجديد من عقول الناس والشباب الذين كان يخاطبهم فيما مضى بخطاب مختلف ومعاكس تماما للخطاب الحالي .

ولكن يبدو أن النخب والعلماء في هذه الأمة يشعرون بقلة إمكانياتهم في مواجهة الأحداث ليس فقط في السعودية وإنما على مستوى العالم العربي والإسلامي كله وهم يشعرون بالعجز عن مواكبة الأحداث فيؤثرون السلامة في الإستمرار في هذا النهج على محاولة التجديد والإصلاح التي تتطلب إبداعا وفكرا وتضامنا وجهودا وتخطيطا لا يملكون منه الكثير . أو أنهم يكتفون ببعض الترقيعات التي تحفظ عليهم مكاسبهم وماء وجههم أمام الحاكم وأمام الشعب في نفس الوقت . ولكنهم لا يدركون أن الشعوب تجاوزت تفكيرهم هذا وأنها لم تعد تقبل بحل وسط ولم يعد لديها النَفَسَ ولا الرغبة لتجربة حسن نية الحاكم العربي مرة أخرى بعد كل ما حصل ويحصل في بلاد النكبة بلاد العرب . لم تدرك النخب أن أحداث فلسطين والعراق وحربي الخليج والتطور الإعلامي الهائل في السنوات العشر الأخيرة لعبت دورا كبيرا ومتسارعا في غسيل دماغ المواطن العربي وتوجيهه إلى مناح ومسارات لم تكن واردة فيما قبل . لم تستطع النخب تصور الضغط المتراكم في نفس كل إنسان في هذه الأمة من تصرفات حكامه الأبديين خاصة عندما يقارن نفسه ووضعه بكل شعوب الأرض من أقصى أمريكا اللاتينية إلى أقصى الصين فهو لا يجد ذلا كالذل الذي يعيشه ولا يجد قهرا كالقهر الذي يعيشه ولا يجد قمعا كالقمع الذي يعيشه ولا يجد في نفس الوقت حاكما أطول عمرا من عمر حاكمه خاصة إذاحسبنا عمر أبنائه وإخوانه وعشيرته من بعده . لقد عاش الكثيرون من أبناء أمتنا وماتوا وهم لا يعرفون إلا رئيسا واحدا أو حاكما واحدا بيده خيرات البلاد يزداد ثراء كلما ازدادوا هم فقرا ويزداد تنازلا وضعة أمام الأجنبي كلما ازداد شراسة وتجبرا أمام أبناء وطنه . كل هذه العوامل يجب أن تدرس وأن تؤخذ بعين الإعتبار قبل أن يفتي العالم أو يتكلم المثقف , ولكن أين لنا بأمثال هؤلاء الذين يجمعون الأمر من أطرافه ويتحلون بالشجاعة الكافية لإبداء رأيهم في وقت الأزمة ويتجردون من أهواء نفوسهم في نفس الوقت ليعلنوا للشعوب أن أصل الفساد في الأمة هو الحاكم , وسلطانه غير القابل للمناقشة , ونهبه وعشيرته لثروات الأمة , وعدم تداول السلطة , وجمع السلطات الثلاث بيدواحدة , وتغييب المجتمع بأسره لحساب ثلة من المهرجين والمنتفعين والمنافقين .

أيها السادة العلماء والمثقفون , لا يريد منكم أحد أن تمدحوا الإرهاب ولا الإرهابيين ولكن نريد أن نسمع كلمة الحق في وجه الجميع على السواء . إن أدنتم الإرهاب فأدينوا معه إرهاب الدولة , وإن أدنتم القتل العلني فأدينوا القتل في السجون وأقبية المخابرات والتصفيات الجسدية السرية , إن أدنتم العنف فأدينوا عنف الدولة وأدينوا أسباب العنف , وإن أدنتم انفجار الشباب وحماقاتهم فأدينوا ظلم الحاكم وتفرده وبقاءه إلى الأبد في منصبه وضغوطه التي دفعت الناس للإنفجار , إن أدنتم كفر الشباب وخروجهم عن الملة وشبهتموهم بالخوارج فلا تشبهوا الحاكم بعلي بن طالب رضي الله عنه وأدينوا الكفر المبطن والفساد الخفي والمنكرات العظمى الذي مازال حكامنا يرتكبونها مما لا يعتبر شيئا أمام جهل هؤلاء الشباب وخروجهم , أدينوا خروج الحاكم عن إجماع شعبه وتفرده بتسيير الأمة على هواه وبحسب مصالحه لا يراعي في هذا دينا ولا يأبه لقرآن ولا لسنة . إن حكمتم بقطع يد السارق لبضعة آلاف فاحكموا بقطع يد السارق لمقدرات الأمة كلها وثرواتها وأرضها وإمكانياتها . إن حكمتم بقتل القاتل الذي فجر قنبلة في أبرياء فاحكموا أيضا بقتل القاتل الذي اغتال عقول شعب وأمة وحضارة وقتل مئات الآلاف من خيرة شباب هذه الأمة وشردهم وباعهم للأجنبي يستثمر عقولهم وخبراتهم وذكائهم وإمكانياتهم . إن حكمتم بجرم من يروع الآمنين من الناس في بيوتهم فاحكموا بجرم من روع الشعب كله وجعله يخشى أن يفتح فمه بكلمة نقد أو إصلاح .

قد يكون عنوان المقال موجها إلى علماء السعودية وذلك لأنهم الآن في قلب المعمعة ولكنه يخاطب علماء الأمة كلها ومثقفيها فليس لدينا وطن أفضل من وطن وليس لدينا حاكم أسوأ من حاكم فكلنا في الهم شرق وكلنا في المصيبة عرب والأيام حبلى والمولود طوفان لا يبقي ولا يذر .


أمير أوغلو / الدانمارك 3 حزيران 2004