انا وحسيب كيالي .. والخوازيق

كتب : اسامة فوزي

تزاملت مع الاديب والكاتب السوري الساخر الكبير حسيب كيالي في مطلع الثمانينات حين كنت اعد واقدم برامج ادبية وثقافية من تلفزيون دبي وكان حسيب يعمل كمراقب للنصوص في التلفزيون ويسكن مع اخته التي تكبره سنا ( حسيبة ) وابنه محمد في شقة مفروشة مملوكة للتلفزيون ...  .. وسرعان ما صرنا اصدقاء حميمين جدا وفي شقته تعرفت على الكاتب والاديب والمثقف الاماراتي محمد المر وهو - اقصد المر - نمونة مختلفة تماما عن جميع الكتاب والادباء والصحفيين الاماراتيين الذين تعرفت بهم خلال فترة اقامتي في الامارات .. وهو اكثرهم صدقا حتى في خصومته ولم يكن يجامل حتى اصدقائه عندما يحمى الوطيس حول قضية ادبية او سياسية او فكرية ...  ولا زلت اذكر انه - رغم صداقتنا القوية - بعث الي في عام 1986 ببهدلة خطية لان العدد الاول من مجلتي ( اسرار ) لم يعجبه واستنكر علي يومها مهاجمتي لتريم عبدالله تريم وجريدة الخليج بل واستاء من اقحامي لاسم صديقي الشاعر باهر النابلسي في مقال من باب ان باهر يعمل في الامارات وان هذا قد يسيء اليه .. وللامانة كان الشاعر الاماراتي عارف الخاجة مثله .... صادقا وشفافا واكثر الشعراء الاماراتيين الذين عرفتهم شاعرية وابداعا

ورغم ان حسيب كيالي كان يكبرني بثلاثين سنة  وكسور ( فهو من مواليد 1921 وانا من مواليد 1950 ) الا ان علاقتي به توطدت الى درجة اننا اصبحنا نختلف احيانا مثل الاطفال على ابسط الاشياء وكنت انا دائما المبادر بالمصالحة حتى لو كان هو المخطيء ... واصبح ( ابو محمد )   يعتبرني مرجعا في اموره الادبية والحياتية والصحفية وحتى العائلية رغم ان خبرته الحياتية والادبية تزن عشرة من طرازي

وظلت هذه العلاقة قائمة حتى بعد ان هاجرت الى امريكا عام 1986 ... كان ابو محمد يحرص على استشارتي في كل صغيرة وكبيرة حيث يطير الي التساؤلات اولا بأول ... واذا تأخرت في الرد كان يهاتفني غاضبا

ولاني كنت كثير الترحال ... فقد وقر في ذهن حسيب كيالي اني ابن بطوطة  وبالتالي لا يجوز ان يقوم هو بأي رحلة خارج دبي دون ان يستشيرني .. ومع انني كنت دائما اشور عليه بخطط ما انزل الله بها من سلطان تنتهي بخوزقته  الا انه ظل على عهده وقناعته  بأني ابن بطوطة .. واني العارف الوحيد بأمور السفر والترحال

في مطلع عام 1987 بعث الي يخبرني بأنه اخذ اجازة طويلة وانه يخطط للسفر الى اوروبا وطلب مني استشارة حول المدن والدول التي يجب ان يزورها .. فكتبت اليه ردا من سطرين اذكره فيهما ان متعة الترحال في  اوروبا لا تتم الا بالقطار .. وبالتالي اقترحت عليه ان يقطع تذكرة سفر بالجو من دبي الى سويسرا  وان يركب القطار من مدينة برن وان يبدأ رحلته البطوطية من هناك

طبعا .... نسيت ان اخبره بأن جواز سفره السوري - وهو جواز سفر  كان يومها غير معترف به حتى في سوريا - يوجب عليه ان يحتاط بتأشيرات مناسبة والا ( تبهدل ) ..وظننت انه سيتنبه الى ذلك بنفسه وانه سيقوم  باستصدار التأشيرات المطلوبة من قنصليات الدول التي سيزورها في دبي .. ولكنه لم يفعل

ابو محمد اكل خازوقا بعد 24 ساعة من وصوله الى سويسرا .. لخصه بالبطاقة البريدية التي بعث بها الي .. وهذا نصها

ابا نضال الحبيب

بناء على توجيهات حضرتك حصلت على فيزا يوغسلافية من برن في سويسرا وقطعت تذكرة في القطار الى بلغراد عبر زوريخ .. قبل بلوغي الحدود النمساوية انزلوني لاني لا املك فيزا نمساوية وارهابي ... قطعت بالطائرة بعد ان قضيت ليلة في حجز الشراميط .. وصلت البارحة الى بلغراد ولكن حقيبتي لم تصل فنمت بالزلط .. سأكتب لك بالتفصيل مغامراتي الدنكيشوتية التي تضحك الثكالى

الطريف ان ابا محمد لم يتعلم الدرس ... فبعد ان حل مشكلاته مع الفيز والتاشيرات الاوروبية .. بعث الي يسألني عن الخطوة التالية ... فاقترحت عليه ان ينهي رحلته بزيارة الى دولة عربية ولتكن الاردن .. بخاصة وانه كسوري لا يحتاج الى تأشيرة دخول .. ونصحته ان يقطع تذكرة الى عمان مع  الطيران الهولندي كي ال ام لانه طيران مريح ... ونفذ ابو محمد الاقتراح  ..... وكاد يقضي ما تبقى له من عمر في السجون السورية

لماذا؟

لان ابو محمد كان معارضا  لحزب البعث السوري  وكان يعتبر مواطنا سوريا هاربا  ولاجئا في الامارات  وبالتالي كان مطلوبا للمخابرات السورية واسمه مدرج على نقاط الحدود وفي المطارات السورية .... والطائرة الهولندية التي استقلها الى عمان كانت تتوقف ( ترانزيت ) في مطار دمشق قبل ان تواصل رحلتها الى عمان ( وهذه معلومة لم اكن اعرفها )  .. وخلال فترة الترانزيت كان ضابط مخابرات في المطار يصعد الى الطائرة ويدقق في جوازات الركاب ..  ولحسن الحظ لم يكن وجه حسيب كيالي مألوفا للمخبر السوري  كما ان جواز سفره كان في شنطة موضوعة في مكان بعيد عن مكان جلوسه وبالتالي لم يصر المخبر على النظر الى الجواز ويبدو ان ابو محمد برطم مع المخبر بالفرنسية التي يجيدها فظن المخبر ان الرجل فرنسي  فتركه .. وبلش بغيره

بعد هذه الواقعة بشهرين .. بعث الي ابو محمد يستشيرني بموضوع اخر له علاقة بالسفر ايضا .. فامتنعت عن الرد على رسالته لانه ( ليس كل مرة بتسلم الجرة ) كما يقولون في سوريا

رحم الله ابو محمد .. كان شيخا يفيض بالحيوية والابداع والبراءة والصدق ... وكان يحب الحياة كثيرا ...ويحب أكل الخوازيق من اصحابه .. مثلي

لقراءة ( قصقوصات ) سابقة عن حسيب كيالي ... انقر هنا