تناقض الحرية وحرية التناقض في ساحة الإمارات الإعلامية 
د. عبد الله محمد الشامسي 

قبل أقل من عام، صرح وزير الإعلام والثقافة بدولة الإمارات، بأن هنالك مساحة من الحرية في الإعلام لم يتم استغلالها بعد، مشيراً بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى انفتاح إعلامي، وأن القيود على حرية الإعلام مقروءة كانت أم مسموعة أم مرئية أصبحت محدودة، وبالفعل انفتح الإعلام الإماراتي الرسمي وغير الرسمي للعديد من الكتّاب والمفكرين من داخل الدولة وخارجها، وأعطى مساحة لا بأس بها للمقالات والتحليلات الصحافية المتنوعة الجريئة والمقابلات التلفزيونية لمناقشة القضايا المحلية والعربية والدولية.

فعلى الصعيد الوطني، حظي التعليم العام بنصيب الأسد من النقد من حيث الآراء المؤيدة والمعارضة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الدولة، وتناولت وسائل الإعلام السياسات التربوية والشخصيات التربوية العامة بالنقد أحياناً وبالطعن والتشكيك أحياناً أخرى، وخصوصا فيما يتعلق برؤية وزارة التربية والتعليم 2020، هذه الحرية أسهمت في تناول سياسات وطنية في مجالات أخرى كسياسات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وكذلك سياسات وخدمات وزارة الصحة.

أما على الصعيد الإقليمي والعربي، فقد تم تناول سياسات مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية والقضية الفلسطينية بشكل صريح وجريء، ومن أكثر القضايا المتعلقة بما يسمى حرية الإعلام هو الانفتاح المثير للجدل على العدو الإسرائيلي وإجراء المقابلات التلفزيونية مع شخصيات إسرائيلية متنفذة بحجة الموضوعية وإبراز وجهات النظر المختلفة، هذه السياسات التي يراها مسؤولو الإعلام جزءا من حرية الإعلام يراها البعض الآخر خطوة تطبيعية متقدمة.

إلا أنه مما يثير الاستغراب، هو أنه في الوقت الذي نقرأ فيه مقالات صحافية لكتّاب من شتى أنحاء العالم، تمّ إعطاؤهم مساحة كبيرة في صحف الإمارات، وتمّ السماح لهم بالكتابة في مواضيع مختلفة في صحف ومجلات الدولة، بالإضافة إلى منحهم فترات زمنية مهمة على الشاشات التلفزيونية بمن فيهم مفكرون وسياسيون إسرائيليون، ثم مصادرة حرية التعبير عن الرأي في وسائل الإعلام المحلية لعدد من أبناء هذه الدولة ومنعهم من الكتابة في صحف الدولة كافة أو الظهور والمشاركة في أي حوار تلفزيوني مهما كان نوعه لأسباب لا تزال غامضة على الجميع.

هذه القضية حظيت ولا تزال تحظى باهتمام الشارع الإماراتي، ففي يوم الثلاثاء الموافق 2001/1/9، ناقش المجلس الوطني الاتحادي بدولة الإمارات العربية المتحدة (ذو سلطة استشارية فقط) سياسة وزارة الإعلام والثقافة بحضور الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الإعلام، وقد نال موضوع إيقاف أو توقف مجموعة من مفكرين وكتّاب ومواطنين عن الكتابة في صحف الإمارات وعن الظهور في تلفزيون الدولة الرسمي جزءا كبيرا من وقت الجلسة، فقد سأل عدد من أعضاء المجلس منهم سعيد بن حفيظ وعبيد المهيري وأحمد لحه وعلي جاسم ومبارك الشامسي وصالح الشال وغيرهم من أعضاء المجلس عن سبب هذا الإيقاف أو التوقف مشيرين إلى دستور الدولة الذي منح مواطنيها حق وحرية التعبير.

الوزير رد قائلا: «أما السؤال عن منع كتّاب مواطنين من الكتابة ومنع البعض من الظهور في التلفزيون، فغير صحيح، وأتحدى أن يأتي أحد بالتعليمات الصادرة من الوزارة، نحن لم نتصل بأي جهة ولم نمنع أحدا، هنالك خلافات شخصية بينهم وبين المؤسسات وهذا شيء يخصهم ولا نتدخل فيه».

المؤسسات الإعلامية المعنية تقول من جهتها، إنها لا يمكنها إبراز التعليمات لأن التعليمات شفوية صارمة صادرة عن مصدر مسؤول كبير في وزارة الإعلام والثقافة، أما الكتّاب فهم جميعا يؤكدون منعهم عن الكتابة وتم إبلاغهم شفويا (بالطبع) بهذا المنع، على الرغم من النفي «الرسمي» من قبل وزارة الإعلام والثقافة.

القضية يمكن تلخيصها بالتالي:

  1. اختفاء كتابات العديد من الكتّاب المخضرمين، مثل د. سعيد حارب المهيري، نائب مدير جامعة الإمارات العربية المتحدة وعضو مجلس أمناء جامعة الخليج العربي، والدكتور عبد الرزاق الفارس، استاذ الاقتصاد المساعد في جامعة الإمارات وممثل دولة الإمارات بصندوق النقد الدولي بدرجة نائب رئيس، والدكتور محمد عبد الله الركن، استاذ القانون المساعد في جامعة الإمارات، وغيرهم منذ أكثر من 4 أشهر، كما شمل المنع أشخاصا آخرين بعضهم ربما يكتب لأول مرة.

  2. وقف برامج تلفزيونية ناجحة جدا، مثل برنامج للدكتور عتيق جكة، وبرنامج المرسى للدكتور احمد النجار.
    وبين نفي رسمي من جهة، وتأكيد من جهة أخرى، تبقى مجموعة من مفكري دولة الإمارات في حيرة من أمرهما فيما يتعلق بأبعاد هذا التوقف أو الإيقاف على مستقبل الحرية والثقافة في دولة الإمارات وبالخطوة التي يمكن لهؤلاء المفكرين اتخاذها لإعادة الأمور إلى نصابها، وعلى الرغم من هذا النفي والتأكيد، فإن المؤكد هو ان إعلام الإمارات يعاني حاليا من تناقض خطير جدا في وقت أصبح من الصعب بل من المستحيل السيطرة على ما يمكن مشاهدته وما يمكن سماعه وما يمكن كتابته في أي مكان في العالم، وبالتالي أليس من الأجدر أن يتم السماح للجميع بالكتابة تحت سمع وبصر ورقابة الإعلام المحلي بدلا من إجبار هذه الأقلام على الهجرة إلى صحف العالم المفتوحة لكل الشعوب من خلال تقنيات الاتصالات الحديثة التي استطاعت الوصول للجميع.