لقد عدنا فى كتابة هذا التاريخ الى مراجع كثيرة منها كتاب لفالح حنظل صدر عن امارة أبو ظبى ومجلة دراسات الخليج ومقالات لمحمد الرميحى رئيس تحرير العربى الكويتية ومجلة الخليج العربى التى تصدر فى البصرة ووثائق الخارجية البريطانية أيضا.
كما قلنا من قبل ، يعتبر عام 1507 الميلادى البداية الأولى لظهور زعامات ومشيخات الخليج الحالية، ففى هذا العام نزل البرتغاليون على الساحل العربى، وقاموا بقمع وترشيد الأنظمة العربية القائمة آنذاك وفتحوا المجال لظهور تجمعات من القراصنة واللقطاء وقطاع الطرق وتجار الرقيق الذين اغتصبوا الأراضى والجزر والخلجان والثغور ليقميوا عليها مشيخات سرعان ما تحالفت مع المستعمرين الجدد (الانجليز) ومن بين هذه التجمعات مشيخة (فلاح)، وهو رجل مجهول النسب استطاع أن يحط الرجال فى امارة الظفرة (أبو ظبى) وأن يتولى زعامة قبائل بنى ياس التى تعيش فيها (وأهمها المناصير).
ومن سلالة فلاح هذا تحدرت الاسرة النهيانية الحاكمة الآن فى أبو ظبى واسرة آل مكتوم الحاكمة الآن فى دبى، ويتندر آل نهيان - فى مجالسهم الخاصة - بالقول ان آل مكتوم كانوا (مطارزية) لهم فما مدى صحة هذا القول؟
تتكون بنو ياس من عدة قبائل أهمها السودان، الهوامل، المحبارة (أصحاب جزيرة داس)، المناصير (أصحاب ابو ظبى)، المزاريع، آل بومهير، الرميثات، القبيسات (اصحاب خور العديد)، المرر، ودلموج، آل بوحمير، القمزان، السبايس، الهواجر.. وقد خضعت كل هذه القبائل لرجل اسمه (فلاح)، مجهول النسب، استطاع بثرائه الفاحش واغداقه المال على هذه القبائل دون حدود أن يشكل هو الآخر قبيلة من عدة أشخاص عرفت فيما بعد بقبيلة آل بو فلاح ومنها بوفلاسة - الذين استولوا على حكم دبى فيما بعد.
وفى سعيه لارضاء الجميع وتلزيق نسب لهؤلاء اللقطاء، الذين لا ذكر لهم فى أنساب العرب، سارع محمد بن حسن الخزرجى وزير الأوقاف والشؤون الاسلامية فى دولة الامارات وصاحب فندق (ستراند) أكبر موزع للخمور فى الجزيرة الى الزعم بأن هذه القبائل تنحدر من الأز أو من طىء.. وان هذا ما يقوله السلف منقولا من ىبائهم وعلينا أن نصدقهم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الناس مصدقون فى أنسابهم) وبهذه الفتوى يحسم فضيلته مسألة النسب الذى تنحدر منه زعامات الامارات المتصالحة الحالية، وهى مسالة هامة جداً فى ظل تحرك أحفاد القبائل العربية المالكة الأصلية لهذه الجزر، ومطالبتها بالحكم أو بشىء من موارد النفط التى تدخل كلها فى الحسابات الشخصية لحكام الامارات، وبفتوى وزير الأوقاف يصبح أى حديث عن (صحة) نسب آل نهيان أو آل مكتوم من قبيل الكفر لمخالفته السنة النبوية الشريفة.
بداية ظهور آل مكتوم فى دبى ترتبط بظهور (آل فلاح) فى امارة الظفرة حيث كان أجداد آل مكتوم من أتباعه ومطارزيته.. وكاونا يعيشون معه فى امارة الظفرة وجزيرة (أبو ظبى) بينما كانت قبائل دلموج والمرر وغيرهم تعيش فى خور دبى باعتبارها تنحدر من القبائل العربية المالكة لها، والتى تعرضت لضربات برتغالية متتالية أدت الى تشرذمها.
بعد موت (فلاح) آلت الزعامة الى ولديه صقر ومحمد وفى عهدهما وقعت الحرب الأهلية بين قبائل عثمانية كبيرة هى الغافرية والهنائية حيث انضم أحفاد فلاح آل الغوافر ثم انقلبوا عليهم وانضموا الى الهنائيين حتى تشتت شمل بنى ياس فرتكوا الظفرة الى جزيرة (صير بنى ياس) وظلوا هناك الى أن تولى (سعيد بن راشد بن شرارة) تجميعهم مرة أخرى وذلك فى معركة (السميحة) عام 1759 .. وسعيد بن راشد بن شرارة هو ابن عم والد الزعيمين مكتوم بن بطىء وسعيد بن بطى وجدهما من الأم، ومكتوم هذا هو الذى انشق بآل بوفلاسة عن آل فلاح - فى أبو ظبى- وقادهم الى دبى حيث احتلها عام 1833 وشرد اصحابها الاصليين وأقام حكم آل مكتوم فيها.
وفى عام 1831 كتب الملازم (هينيل) تقريرا عن بنى ياس (وهو محفوظ فى لندن فى وزارة الخارجية - حكومة بومبى - فى المجلد رقم 24 صفحة 463) ذكر فيه ان الشيخ ذياب بن عيسى حاكم أبو ظبى وامارة بنى ساس قد طرد ابن عمه هزاع بن زايد وأتباعه الى البحرين، وان الأخير قد تربص بالحاكم وقتله بالسيف فى عام 1793 وقد أدى ذلك الى انقسام (بنى ياس) الى قسمين بين مؤيد للحاكم الجديد ومعارض.. وقام شخبوط بن ذياب بالثأر من قاتل أبيه (هزاع بن زايد) وطارده الى جبل على فى دبى حيث ذبحه هناك.. وبدأ شخبوط بن ذياب يعيد ترتيب أوراقه فاصدرا قرارا بتعيين الشيخ هزاع بن هزاع بن زعل حاكما علىدبى، وكانت دبى مثلها مثل البريمى والعين وداس وخور العديد تتبع حاكم أبو ظبى بينما عين راشد بن سعيد بن شرارة زعيم آل بوفلاسة وابن (سعيد بن راشد) محرر بنى ياس من الغوافر قائدا لقواته.
واعتبارا ن عام 1816 بدأ الصراع على الحكم بين أولاد الشيخ شخبوط الثمانية (محمد وطحنون وخليفة وهلال وسلطان وسعيد وجعفور وحارب) حيث استولى الابن الأكبر محمد على الحكم بينما هرب أبوه الى مدينة العين ليغاصب أرضها من شيوخ الظواهر .. ثم قام الشيخ طحنون باسقاط حكم أخيه عام 1818 وحتى يأمن شر بقية اخوته قام بطردهم من الجزيرة، لذا فاننا سنرى الشيخ خليفة والشيخ صقر ويستولى على الحكم.
كانت دبى فى تلك الأثناء تحت حكم امرأة اسمها (فاخرة) وهى ابنة هزاع بن زعل الذى عينه حاكم أبو ظبى واليا على دبى، وكانت فاخرة هذه تسعى لتوطيد حكم أسرتها فى دبى وتطلع الى الاستقلال عن تبعيتها لابى ظبى، لذا فاننا سنراها فى عام 1820 ترسل شقيقها الصغير (محمد) القاصر وأخته وتثبيتهما فى حكم دبى.. وقد وقع (الحاكم القاصر) على معاهدة تنص على مايلى: 
المادة (1) يسلم أهلى دبى الى الجنرال كير السفن التى فى دبى وتوابعها والمدافع الموجودة فى الأبراج وسيترك الجنرال مراكب صيد اللؤلؤ وصيد الاسماك.
المادة (2) يسلم أهلى دبى كافة الأسرى الهنود.
المادة (3) ستمتنع بريطانيا عن تدمير الحصن والأبراج فى مدينة دبى كما فعلت فى غيرها من المشيخات وذلك تقديرا لرسالة التوصية التى وصلتها من الامام سعيد بن سلطان (سلطان عمان).
فى هذه الأثناء بدأت قبائل دبى بالتململ من سيطرة حكام أبو ظبى على مقاليد الأمور فيها واقحامهم فى معراك وصارعات ليس لهم مصلحة فيها خاصة عندما أوعز الشيخ طحنون حاكم أبو ظبى الى زايد بن سيف الوصى على الحكم فى دبى بناء قلاع فى ديرة لمواجهة القواسم رداً على تحرك هؤلاء فى البريمى، ممادفع القواسم الى مهاجمة ديرة فى دبى، كما أقدم شيخ أبو ظبى المعزول محمد بن شخبوط على ذبح جميع ركاب احدى السفن التابعة لدبى.
وبالمقابل بدأ حكام أبو ظبى بالتخوف من التوجهات (الاستقلالية) لحكام دبى بعد أن تزوجت (فاخرة) أخت الشيخ محمد بن هزاع حاكم دبى من الشيخ سلطان بن صقر القاسمى حاكم الشارقة والعدو الألد لحكام أبو ظبى، وقد ساعد هذا المناخ المضطرب فيما يتعلق بمستقبل دبى على ظهور نزعة استقلالية فى صفوف بنى ياس بزعامة الرواشد وشيخهم (عبيد بن سعيد بن راشد بن شرارة) قائد قوات اليخ طحنون حاكم أبو ظبى، وكان شيوخ المجاردة والمجاعدة والمصايحة واليديوات - وكلهم من آل بوفلاسة - يدينون لعبيد بن سعيد واخويه (جمعة ودلموك) بالولاء .. وقد عزز عبيد بن سعيد ولاء القبائل اليه بتزويج أخته فاطمة من الشيخ بطى بن سهيل فولدت له مكتوم وسعيد، وكان (مكتوم) الساعد الأيمن لخاله وأحد الضاغطين باتجاه الانفصال عن (أبو ظبى) والاستيلاء على حكم دبى، وكان الى جانب ذلك يحرص على أن يظل قريبا من الشيخ طحنون بن شخبوط حاكم أبو ظبى، انتهازا للفرصة المتواتية حتى أصبح سمستودع أسراره ورئيس أركان حربه، وقد لعب مكتوم - فيما بعد - دورا اساسيا فى اسقاط حكم طحنون بن شخبوط حاكم أبو ظبى بالتعاون مع خليفة وسلطان أشقاء طحنون، بل وتقول بعض الروايات ان مكتوم هو الذى قتل طحنون وفر الى دبى فى مؤامرة ستتمخض عنها فيما بعد ولادة الأسرة الحاكمة حاليا فى دبى.
بدأت خيوط المؤامرة عام 1833 عندما ساعد شخبوط بن ذياب ولديه خليفة وسلطان على السلل الى جزيرة ابو ظبى لذبح أخيهم الأكبر طحنون بمساعدة مكتوم بن بطى الساعد الأمين لطحنون والطامح للاستقلال عن أبوظبى.
تقول بعض الكتب الصادرة مؤخرا عن حكومة أبو ظبى ان مكتوم قد ذهب الى دبى فور مقتل طحنون بعد أن اتفق مع الموالين له من آل بوفلاسة فى (الخيران) باللحاق به فى دبى ، ولما وصل الى حصن الفهيدى - وكان فيه الوالى سلطان بن ماجد السويدى نائبا عن الشيخ طحنون - قال له: ان طحنون يريدك على عجل.. فقام السويدى بتسليم الحصن لمكتوم وذهب الى أبو ظبى لعلمه ان مكتوم من خواص طحنون ومن المقربين اليه.. وقيل ايضا ان الشيخ مكتوم نزع خاتم الشيخ طحنون من اصبعه بعد مصرعه وكتب كتابا الى سلطان بن ماجد السويدى أن يسلم الحصن الى مكتوم بن بطى وان يصل مسرعا الى أبو ظبى ، ولما تم لمكتومما أراد اتصل بالشيخ سلطان بن صقر القاسمى وجرى بينهما اتفاق أرصل بموجبه الشيخ سلطان رجالا من قومه الى دبى لمساعدة مكتوم على صد أى هجوم مباغت، وتتابع آل بولافلاسة بالوصول الى دبى حتى بلغوا ثمانمائة رجل، ودخلت امارة دبى فى حلف مع القواسم.
بدأت دبى فى عهد مكتوم تطلع فى الاستيلاء على ابو ظبى بدعم من قواسم الشارقة، لذا شارك آل بوفلاسة فى محاصرة جزيرة أبو ظبى فى 10/9/1833 وقد انضم اليهم شيخام القيوين الى أن تدخلت بريطانيا وأجبرت حكام أبو ظبى على الاعتراف باستقلال دبى، التى أصبحت تدين بالولاء للشيخ مكتوم بن بطى بن سهيل المطارزى السابق لحاكم أبو ظبى ، ولكن الشيخ خليفة بن شخبوط حاكم ابو ظبى ظل يضمر لدبى الكثير، لذا سنجده فى صيف عام 1838 يهاجم مدينة دبى مستغلا غياب أهلها فى رحلة الغوص.. ويكرر ذلك فى عام 1841 حيث نجح فى الوصول الى (الشندغة) والجميرة.. مما حدا بانكلترا الى التدخل مجددا لحماية حكام دبى حيث جمع المقيم السياسى البريطانى فى الخليج شيوخ الامارات المتصالحة وأجبرهم على توقيع هدنة بحرية لمدة عشر سنوات فى حزيان/ يونيو 1843م.
ويعود اسم مكتوم بن بطى للظهور مرة أخرى عام 1845 عندما يستضيف زوجة خليفة بن شخبوط حاكم ابو ظبى ، الذى ذبح على يدى أولاد عمه، وقد أعطى مكتوم بن بطى الأمان لزوجةى الحاكم السابق وولديه زايد وذياب وساعدهما فى العبور الى الشارقة حيث أقاموا فيها، وسيعود (زايد) الصغير بعد ذلك لتولى حكم أبو ظبى ويقتل أولاد عمه طحنون ويؤسس امارة أبوظبى الحالية، لذا يقول بعض المتنفذين فى دبى انه لولا جدهم (بطى) لما وصلت زوجة خليفة مع ولديها الى الشارقة، ولما ظهر فى التاريخ زايد الأول أو الكبير مؤسس امارة أبو ظبى وجد حاكمها الحالى زايد بن سلطان ، بينما يقال ان تعاطف حاكم دبى (بطى) مع أولاد خليفة مرده تولى سعيد بن طحنون الحكم فى ابو ظبى ، ومطالبته برأس (بطى) الذى انقلب على والده طحنون عندما كان (مطارزيا) له.. ولعل هذا هو السبب الذى دفع حاكم دبى الى التحالف مع السعودية التى كانت تخطط آنذاك للاستيلاء على البريمى وتوباعها فى العين.
فى أغسطس / آب من عام 1852 توفى مؤسس دبى بطىء بن سهيل مخلفا ثلاثة أولاد هم: حشر وسهيل وراشد، لكن البيعة عقدت لأخيهم سعيد بن بطى المر الذىجعل دبى تدخل مرحلة دامية من الصراع والتنافس على الحكم بين الأخوة وأولاد العم، فقد اعترض أولاد (بطى) على زعهامة عمهم حيث انقلبوا عليه وزجره ؟؟ ونائبة فى السجن، الا ان الشيخ سعيد بن بطى الذى عاد الى دبى من رحلته الى مسقط قد استطاع محاصرة قلعة الفهيدى وتمكن من طرد أولاد أخيه منها: الا ان آل بوفلاسة عادوا الى اختيار حشر بن مكتوم بن بطى بن سهيل حاكما لهم اثر وفاة عمه الشيخ سعيد بالجدرى وظل حشر يحكم حتى عام 1859 (حوالى سعبة وعشرين عاما)، وبعد وفاته تسلم المشيخة أخوه راشد لكن هذا لم يرق لأبنه البكر (مكتوم) الذى ظل يطلب المشيخة لنفسه، وقد أخذ على راشد حاكم دبى انه عاد بدبى الى ايامها السابقة عندما كانت تابعا لحاكم أبو ظبى تتلقى الأوامر منه خاصة ان زايد الأول (حاكم أبو ظبى) كان فى عام 1891 قد أصدر أوامره لحاكم دبى بالتوجه الى مدينة العين واخضاع ثورة الشوامس فيها، وكانت قبيلة (المرر) أولى قبائل دبى التى تعلن عصيانها حين لجأت الى الشارقة، ولم يتمكن حاكم دبى الشيخ راشد من حسم الموقف لأنه مات فى عام 1894 بعد أن حكم ثمانى سنوات فقط وترك لدبى ستة ذكور هم: مانع وسهيل وسعيد وحشر ومكتوم وبطى، وما أن أذيع نبأ وفاته حتى اجتمع أعيان آل بوفلاسة واختاروا ابن أخيه مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطى بن سهيل حاكما لدبى ، وكما هو متوقع لم يسعد ذلك أولاد الحاكم المتوفى فثاروا على الحاكم الجديد، ولكن الشيخ مكتوم استطاع اجهاض ثورتهم وايداعهم السجن ثم نفى اثنين منهم هما: سعيد وبطى الى الشارقة وانصرف الى تكريس هوية دبى التجارية خاصة فى مجالى صيد اللؤلؤ وتجارة الرقيق ، وقد لعب عدد من آل (الوتاه) دوراً فى تحويل الأنظار الى دبى بصفتها مركز الرقيق واللؤلؤ فى المنطقة وأثروا بذلك ثراء فاشحا.
فرض الشيخ مكتوم رسما جمركيا قدره 5% على السفن الداخلة الى ميناء دبى، وفتح أبواب الامارة أمام الهنود والفرس لدعم مركزه العسكرى والاقتصادى حيث كان هؤلاء يشكلون خط الدفاع الثانى للحاكم - بعد الانجليز - وفى عام 1906 مات حاكم دبى تاركا ثلاثة ذكور هم: سعيد وجمعة وحشر، ولكن المشيخة آلت الى ابن عمه بطى بن سهيل بن مكتوم بن بطى بن سهيل الأمر الذى لم يعجب الابن البكر سعيد (والد حاكم دبى الحالى) الذى سرعان ما تحالف مع المقيم البريطانى كوكس ضد ابن عمه.. مما جعل كوكس يقصف مدينة دبى بالمدفعية بدعوى ان شيخها يهرب السلاح ويبيعه للبدو المتقاتلين، وعلى اثر ذلك سقط حكم بطى ليتولى سعيد آل مكتوم حكم دبى معلنا عن ولادة (دبى) جديدة يسير فليها الدم جنبا الى جنب مع النفط والرقيق.
لم ينس سعيد آل مكتوم أن وجهاء آل بوفلاسة وزعماء القبائل فى دبى قد فضلوا ابن عم والده عليه، وانهم قد تدخلوا كثيرا من قبل فى تعيين الحكام وفى سن الشرائع والقوانين، لذا قرر عند توليه الحكم أن يستفرد بالسلطة معتمدا على دعم الانجليز وبعض كبار التجار من الفرس والهنود الذين هجروا مدينة (لنجة) على الساحل الغربى من الخليج وحطوا الرحال فى دبى، كما قرر ضرب آل راشد خصومه فى الحكم ودعة (الاصلاح) فى أنظمة الادارة بدبى ، خاصة ان آل راشد بدأوا بالتذمر بعد أن طالبت مدة حكم سعيد بن مكتوم لأكثر ن خمسين سنة (من عام 1912 الى عام 1958) فى الوقت الذى اعتبروا فيه أنفسهم - بخاصة مانع وأخوه حشر أولاد راشد بن مكتوم الذى حكم دبى عام 1886 - الورثة الشرعيين لحكم الامارة، ويلاحظ ان اولاد راشد قد تحاللافوا مع شريحة تجارية دبوية وطالبوا بقيام مجلس تشريعى لحكم دبى هدفه الظاهر اصلاح الادارة، وهدفه البعيد تقييد صلاحيات الحاكم ومشاركته فى الأرباح خاصة بعد أن بدأت عوائد النفط ورسوم الميناء تدخل الى جيب سعيد بن مكتوم وحده.
كان سعيد بن مكتوم يعيش فى بحبوحة مع زوجته (حصة) - أم راشد - ولده البكر الذى كان يطمح بتولى الحكم بعد أبيه، وقد تولاه فعلا ومازال الى الآن على رأس الامارة رغم ما أصابه من مرض أقعده.. ولم يكن سعيد بن مكتوم ليكتفى فقط بنسبة 5% التى سنها الحاكم السابق، حيث أخذ يحتكر مع عائلته معظم الأنشطة التجارية والاقتصادية فضلا عن عوائد اتفاقيات النفط التى وقعها مع الشركات البريطانية منذ العشرينات، وكذلك أموال امتياز تسهيلات الطيران والبرق والبريد وغيرها من الاتفاقات التى وقعهها لصالح شركات انجليزية.
فى عام 1929 احتج وجهاء دبى على الشروط المجحفة التى وقعها راشد لشركات النفط الانجليزية وقاموا تحت رئاسة محمد بن احمد بن دلموج بتعيين مانع بن راشد المكتوم حاكما لدبى، الا ان بريطانيا أجهضت هذا التحرك واعادت سعيد بن مكتوم الى الحكم وحمته من عدة انقلابات دبرها اولاد راشد، بل وأجبرا حشر بن راشد وسعيد بن بطى - عام 1934 - على أداء يمين الولاء لابن عمهم الحاكم سعيد بن مكتوم مع اعطاء سعيد بن بطى (أكبر أبناء بطى الذى حكم دبى بين 1906 - 1912) حق ولاية ديرة (الجزء التجاريى من دبى)، وكان هدف سعيد بن مكتوم من هذا التعيين ضرب أولاد عغمومتهم فيما بينهم حيث اعترض أولاد راشد (مانع وحشر) على هذا التعيين وعلى القرارات التى أصدرها بطى وخاصة طرد المومسات من ديرة واعلان حظر التجول مساء، ولكن سرعان ما عقدت المصالحات بين أولاد العم بعد أن تبين لهم ان الحاكم سعيد بن مكتوم يحصل وحدة على دخل دبى كله.
وفى عام 1938 قامت مظاهرات معادية لسعيد بن مكتوم بسبب تحالفه مع الانجليز والسماح للمقيم البريطانى بالتدخل فى شؤونهم الخاصة، الا ان المواجهة الحقيقية بين أولاد راشد وأولاد مكتوم حدثت فى يونيو عام 1938 حيث احتج مكتوم بن راشد على احتكار (راشد بن سعيد) الحاكم الحالى لدبى وابن الحاكم آنذاك لخدمة النقل بالتاكسى بين الشارقة ودبى، وعند اشتداد التنافس جمع راشد بن سعيد (الحاكم الحالى لدبى) ثلاثين مسلحا وهاجم سيارة مكتوم فى 26 مايو وهى فى طريقها الى الشراقة فجر سائق السيارة والقى القبض على رجال مكتوم ، فلما سمع مكتوم بالخبر هدد بان يوقف كل سيارات راشد العاملة على الخط.
اثر هذا الحادث تقدم وجهاء دبى بقائمة مطالب للحاكم منها:
1 - ايجاد ميزانية معروفة للامارة.
2 - تأمين الرعاية الصحية للسكان من دخل المينا.
3 - تعيين مخصصات محددة للحاكم وعائلته.
4 - الغاء الاحتكارات الخاصة بالحاكم وزوجته وولده راشد (الحاكم الحالى).
احتل آل بوفلاسة قلاع المدينة وسلحوها تمهديا لتنفيذ مطالبهم بالقوة، الا ان الانجليز هددوا بقصف القلاع كما أوعزوا لسلطان بن سالم حاكم رأس الخيمة وسلطان بن صقر حاكم الشارقة بدعم سعيد بن مكتوم حاكم دبى، الأمر الذى أفرز معسكرين فى دبى: معسكر الحاكم فى بر دبى، ومعسكر آل بوفلاسة ووجهاء دبى فى بر ديرة التجارى، مما أجبر حاكم دبى على تلبية بعض هذه المطالب، فقام بتعيين ابن عمه (مانع بن راشد) رئيسا للمجلس الاستشارى لكن سعيد بن مكتوم وزوجته حصة وولده راشد لم يرق لهم قيام المجلس بشق الطرق وبناء المدارس من ميزانية الميناء، التى كانت تصب من قبل فى جيوبهم، كما لم يقرر لهم قرار المجلس بتحديد دخلهم السنوى (عشرة آلاف روبية فقط) لذا قرر سعيد بن مكتوم اللجوء الى فضيلة (الغدر) لحسم الموقف عسكريا فانتهز فرصة زواج ولده راشد لينفذ المؤاتمرة.
فى 29 مارس 1939 تداعى الشيوخ لحضور حفل زفاف راشد (الحاكم الحالى) على لطيفة بنت حمدان بن زايد (أم مكتوم ولى عهد دبى وناب رئيس الوزراء)، وكان حفل الزفاف فى بر ديرة حيث دعا راشد بن سعيد بدو الحصراء المؤيدين له لحضور حفل الزفاف وجعلهم ينتشرون بخيامهم وأسلحتهم فى بر ديرة ، وقبل غروب الشمس وصل راشد مع بعض خلصائه الى بر ديرة، وكان وصوله اشارة البدء، حيث احتل البدو المدينة وقام راشد - العريس والحاكم الحالى - بقتل حشر بن راشد وابنه بينما فر مانع بن راشد رئيس المجلس الى الشارقة، وألقى القبض على عدد من مناصرى رئيس المجلس حيث خرقت عيونهم بالنار وسفروا الى البحرين، وقام سعيد بن مكتوم بالغاء المجلس وباشر سلطات الحكم بنفسه وبالاشتراك مع زوجته حصة وولده راشد، الى تسلم المشيخة بعد موت أبيه، ومازال يحكم دبى حتى هذه اللحظة، يساعده فى ذلك ثلاثة من أولاده هم مكتوم نائب رئيس مجلس الورزاء فى الدولة الاتحادية وولى عهد الامارة وصاحب اسطبلات الخيل المشهورة فى لندن وابن حصة .. وحمدان، وزير المالية ومحمد بن راشد وزير الدفاع، والخيول والقصور والشاعر الصنديد ، الى جانب مستشاره مهدى التاجر.
نعود الى زايد واولاده من فاطمة فنقول ان (هزاع) هو الاخطر بين أولادها رغم انه يأتى فى منتصف العقد بين أولاد زايد وبناته من زوجاته وجواريه الكثيرات، إلا ان هذا الشيخ الصغير يعتبر حاليا أخطر أبناء زايد لنه يشغل رئاسة جهاز المخابرات (امن الدولة) وهو جهاز يعتمد عليه آل نهيان كثيرا هذا الأيام لحماية مصالحهم وأمنهم الشخصى ونظام حكمهم الذى بدأت تعصف به الخلافات والصراعات والحساسيات.
وإذا صح ما نشرته مجلة (المشاهد السياسى) اللندنية من ان الصراع على ولاية العهد قد استقر لصالح الشيخ خليفة وان والده حسم هذا الصراع قبل سفره للعلاج فى أمريكا، إلا ان تكهنات الكثير من المراقبين تذهب الى ان (هزاع) هو الذى سيلعب الدور الأكبر فى ترجيح كفة ولاية العهد التى يتصارع عليها ثلاثة أخوة من ثلاث أمهات مختلفات هم: خليفة ابن (حصة)، وسلطان ابن (شيخة): ومحمد ابن (فاطمة) وهى ذاتها أم هزاع!!
الجديد فى الدور الجديد الموكل لـ (هزاع) والذى أثار علامات استفهام كبرى مؤخرا، هو تكليفة برئاسة مشروع عملاق يهدف الى بناء منطقة حرة فى أبو ظبى بميزانية مبدئية تقدر بثلاثة مليارات دولار وسبب الدهشة هنا، هو ان تكليف رئيس المخابرات بادارة السوق الحرة لم يكن اختيارا اعتباطيا، المر الذى جعل الكثيرين يتساءلون: لمصلحة من يعمل هزاع؟!
لقد استخدمت المناطق الحرة فى الخليج (خاصة المنطقة الحرة فى جبل على التابعة لدبى) فى عمليات مخابرات كبرى خلال الحربين الأخيرتين فى الخليج، فالأسلحة التى استخدمها الايرانيون لقصف بغداد والبصرة عبرت الى طهران من خلال المنطقة الحرة فى دبى، وهروب شاهبور بختيار من ايران تم عبر دبى، ومن خلال غطاء تم تفصيله فى جبل على ، وحتى الصفقات الكبرى خلال حرب الخليج الثانية (خاصة فيما يتعلق بتزويد قوات التحالف بالغداء والعتاد) تمت عبر منطقة جبل على المملوكة بالكامل لآل المتكوم.
لذا عندما توكل مهمة بناء منطقة حرة فى أبو ظبى لرئيس المخابرات وابن زايد، فإن العملية برمتها مثيرة للتساؤل ، خاصة إذا ما علمنا ان الجدوى الاقتصادية من المنطقة المذكورة لن تكون ذات قيمة، فجبللا على يقع على مرمى حجر منها ولا نرى مصلحة للشركات التى أسست نفسها فى جبل على فى الانتقال الى (السعديات) خاصة وان التسهيلات التى يقدمها آل المكتوم لمنطقتهم الحرة لا مثيل لها فى العالم، كما ان أبو ظبى لا تستطيع المضاربة بالنفط فى أسواقها الحرة لأن بترول الامارة ليس ملكا لها، فهو مرهون لعقود طويلة مع شركات أمريكية وأوروبية، ولايوجد لدى الامارات حصة تذكر فى السوق الحرة للنفط.
لماذا إذن قرر زايد اهدار ثلاثة مليارات دولار فى مشروع ليست فيه أية جدوى اقتصادية تذكر، ولماذا توكل مهمة تنفيذ المشروع لرئيس المخابرات وليس لوزير الاقتصاد مثلا؟!
ولماذا اقترن الاعلان عن بناء المنطقة الحرة تلك بتكليف رئيس المخابرات (هزاع) برئاستها فى الأسبوع نفسه الذى أعلن فيه ديوان رئيس الدولة عن زيادة فى مرتبات العاملين فى جهاز المخابرات بلغت 30%، أى ضعف الزيادة التى قررت للموظفين العاديين فى الأجهزة الاتحادية؟
لقد عرف الشيخ زايد - رغم أميته - كيف يوظف ثروة ابو ظبى الهائلة لشراء الولاءات وبناء اجهزة الأمن وفرض التبعية على الامارات الأخرى تحت شعار (الوحدة)، فالصحف المصرية كلها - دون استثناء - مخترقة من قبل مخابرات زايد، من خلال الاستكتاب المباشر لكبار الصحفيين فيها الذين يتقاضون مبالغ طائلة من صحف الامارات وأجهزتها الاعلامية وعلى ذلك قس.
أما تبعية الامارات الأخرى للشيخ فهى ظاهرة للعيان فى كل مرافق الحياة فى الامارات، ولم تنجح محاولات الشيخ راشد (حاكم دبى) والشيخ صقر (حاكم رأس الخيمة) فى فرملة هذه التبعية فميا عرف بمعركة (المذكرات) التى أعقبت المظاهرات التى أخرجتها مخابرات زايد ضد حكام الامارتين لاجبارهما على التسليم لزايد ولأولاده، ونظن ان زايد قد انتصر فى معركته، بعد موت (راشد) وقيامزايد بشراء أولاد الشيوخ أنفسهم.
فى محاولة لحل اللغز علينا ان نقف على الوضع الداخلى فى الامارات، وصولا الى علاقات الامارات العرية والدولية.
فالاتحاد الهش الذى يجمع الامارات السبع أقيم على أكتاف امارة أبو ظبى وحدها فى حينه ذهب دخل امارة دبى كله لمشروعات ضخمة أقامها آل المكتوم مستغلين كرم الشيخ زايد وطموحاته للزعهامة مثل المنطقة الحرة فى جبل على ومثل شركة طيران الامارات ، وفى الوقت الذى كان زايد يستنزف أموال امارته للانفاق على مرافق دبى الاتحادية (المدارس والمستشفيات.. الخ) كانت مشيخة دبى تعيد استثمار ما وفرته فى (دبل على) وساطبلات الخيول المملوكة لأبناء راشد المكتوم فى بريطانيا وفرنسا، ويبدو ان زايد اكتشف ان تعملق امارة دبى الاقتصادى فى (ظل النظام العالمى الجديد) سيجعلها - مستقبلا - تلعب دورا بارزا فى المنطقة ليس بالاعتماد على قواتها العسكرية التى تضاءلت أمام قوات زايد، وانما الاعتماد على قوتها الاقتصادية.
لقد أدرك زايد ان الترسانة العسكرية الهائلة التى بدأ يبنيها فى امارته الصغيرة والتى أنفق عليها المليارات وأوكل مهمة الاشراف عليها لولده المدلل محمد لن تحسم صراعه مع اولاد المكتوم فى ظل (النظام العالمى الجديد) الذى يرفض استخدام القوة لفرض الأمر الواقع خاصة فى منطقة الخليج، فبدأ يتوجه نحو المشروعات الاقتصادية التى يمكن لها ان تنافس مشروعات آل المكتوم، وعلى رأسها المنطقة الحرة فى جبل على وطيران الامارات المملوك بالكامل لدبى ومحطة دبى الفضائية التى تتفوق على تلفزيون أبو ظبى الفضائى ، ولعل قرار زايد بشراء جميع أسهم (طيران الخليج) يأتى فى اطار هذا الصراع.
و (جبل على) ميناء اسطورى لا مثيل له فى الشرق ولا الغرب، هو محطة ترانزيت لكل أنواع البضائع، ونقطة تحميل وتفريغ لكل أشكال السفن الحاملة للسلاح، والنفايات النووية، والنفط والمهربات والمخدرات والنساء والأطفال، والميناء هذا، الذى خطط له وبناه مهدى التاجر عام 1976 هو مصدر الدخل الرئيسى لشيوخ آل المكتوم الحاكمين فى امارة دبى ، وهو الذى جعلهم - وثروتهم النفطية تقل عن ثروة غريمهم شيخ آل نهيان - يسودون الامارات السبع، ويستقطبون رؤوس الاموال، ويتولون اتخاذ القرارات فى مؤسسات الدولة الاتحادية وفى وزاراتها الرئيسية: الدفاع (المقطوعة لمحمد بن راشد) والمالية (المقطوعة لحمدان بن راشد) ومجلس الوراء (المقطوع لمكتوم بن راشد).
شيخ دبى السابق (راشد بن سعيد المكتوم) اختار التاجر منذ عشرات السنين ليسلمه مفاتيح دبى، ثم اختار بعده سلطان بن سليم ، وكلاهما ليسا من تجار دبى المشهورين، وليسا من شيوخها أو مخاتيرها أو الوجوه المعروفة فيها، وكان يبحث منذ كان وليا للعهد عن وسائل للنهوض بدبى - ومن ثم بثرواته الخاصة - من حالة الركود الاقتصادى ، وكساد تجارة اللؤلؤ وضعف الطبقة المسطيرة على هذه الصناعة التى انت فى طريقها الى الافلاس، وذلك بايجاد طبقة حوله قادرة على الاستفادة من الموقع الجغرافى والتجارى لدبى من دون أن يوصلها طموحها الى التفكير بالاستيلاء على الحكم.
كان الشيخ راشد يحتكر - مع والده سعيد - معظم الأنشطة التجارية والأقتصادية فى الامارة فعوائد النفط منذ أوائل العشرينات تصب فى (خرجه) .. كذلك أموال امتياز تسهيلات الطيران مع الحكومة البريطانية فى أواخر الثلاثينات وذلك - وفقا لما أورد الدكتور محمد الرميحى (مجلة دراسات الخليج) فى العدد الرابع 1975 ص 55 - فى مقابل حرمان بقية ىل بوفلاسة والمجمعات التجارية النامية من كل هذه الامتيازات أو المشاركة فيها!!
وبجانب هذا لم يكن هناك مؤسسات سياسية فى دبى فى ذلك الوقت، ولا يوجد أى تنظيم ادارى أو أمنى ولو بسيط فى مدينة تنمو تجاريا، فكان الميناء يدار عشويائيا، وتمور فيه تناقضيات كانت تهدد دوما عرش سعيد وطموحات ولى عهده - غير المسمى آنذاك - ولده راشد بن حصة .. فهناك التجار الذين هم فى الغالب هنود وبعض الفرس والعرب، وهناك الشيوخ أولاد عمومته الطامحين فى نصيب أكبر من مداخلي الامارة، والقادرين - دوما - على خلق المشاكل له، تارة بدعوى انهم غير راضين عن الامتيازات، التى أعطاها الشيخ فى أواخر العشرينات لشركة البترول العراقية، تارة أخرى بطرح قضية الأمن فى المشيخة ، وكان على رأس هؤلاء الطامعين وجهاء عائلة (آل بوفلاسة) وبعض التجار البدويين على رأسهم محمد بن أحمد بن دلموج - وهو تاجر متنفذ ووالد زوجة مانع بن راشد المكتوم - الذى تولى الحكم 48 ساعة فقط فى 15 نيسان (ابريل) 1929، واضطر الى التنازل تحت ضغط المندوب السامى البريطانى الذى أبلغ مانع المكتوم أن الحكومة البريطانية ليست على استعداد للاعتراف بحاكم لدبى وصل الى الحكم تحت ظروف غير مرضية!!
تلك الحادثة علمت راشد بن سعيد المكتوم الحذر من أقربائه وأولاد عمومته وكبار المتنفيذين من تجار مشيخته، وجعلته يبحث عن اشخاص (مجهولين) ليسهموا معه فى حمل مفاتيح دبى فيشرون معه ولكن دون أن يطمعوا فى (الكرسى) .. ويبدو أنه لم يجد صعوبة فى العثور على (موهبة) بهذه المواصفات مثل مسؤول الجمرك (مهدى التاجر) الذى لا يعرف أهل الامارة من اين جاء وأين تضرب جذوره، لكنهم كلهم عرفوه رجل مال وأعمال نجح فى جعل الميناء صنبورا لا ينضب من الدخل ودارة الجمارك بئر نفط لا تكل ولا تمل، وعقود النفط مع الشركات الانجليزية والأمريكية قواعد انهاض لأسرة راشد بن سعيد المكتوم الذى أصبح محسودا على (مهدى التاجر) حتى من خصومه، وقد أشار الى ذلك صراحة الصحافى الانجليزيى (كلود موريس) حين ذكر فى كتابه عن زايد بن سلطان آل نهيان المسمى (صقر الصحراء) - ص 79 - انه يطمح بالعثور على مساعد مثل (مهدى التاجر) الدبلوماسى الذى يتمتع بقدرة فائقة على التفاوض ومقدرة فى المشاريع التجارية!!
الظروف الموضوعية التى أنتجت (مهدى التاجر) وجعلته الحاكم بأمره فى مشيخة دبى، بالرغم من انه ليس شخيا ولا أميرا ولا تاجر لؤلؤ ، ولم يكن محسوبا على جماعة شهبندر التجار (محمد بن دلموج)، هى ذاتها التى أنتجت فى أواخر السعبينات (سلطان بن سليم)... فهذا الشاب لا يذكر اسمه بين أهل المال والأعمال، وعلاقاته ومصالحه مع أصحاب الاقطاعات والامبراطوريات المالية فى دبى محدودة، وليس له ولاء إلا للشيخ مكتوم ومحمد وحمدان، وهو لايطمع - فى مثله سنه - الى أكثر من المنصب الذى وضعوه فيه، كرئيس لمجلس ادارة ميناء جبل على، بوابة المال والأعمال ليس لدبى فحسب وانما للمنطقة كلها، ومن ثم فإن ولاء (سلطان بن سليم) لا جدال فيه ولا شبهة حوله، وطموحات هذا الشاب لن تبلغ - مهما امتدت - كرسى الحكم !! على الطرف الآخر (هزاع) سيلعب الدور نفسه!!
ويبدو ان المنطقة الحرة فى أبو ظبى هى الوليدة الشرعية لبرنامج صفقات المبادلة التى تطبقه دولة الامارات على عقود التسلح التى تبرمها مع الدول الأخرى.
وحسب ما يقوله الخبراء فإن انشاء المنطقة الحرة كان نتيجة تعثر تنفيذ بعض الالتزامات الناشئة عن صفقات المبادلة، وذلك بسبب ضيق اتلسوق المحلى الاماراتى من جهة، وبسبب طول الاجراءات وتعدد القنوات الادارية التى يتعين على الشركات الأجنبية سلوكها لتنفيذ التزاماتها بموجب نظام المبادلة.
ويشير هؤلاء الخبراء بصفة خاصة الى تعثر شركة جيات الفرنسية التى كانت قد فازت عام 1993 بصفقة لبيع دبابات من طراز (دوكليرك) للامارات بقيمة (3.7) مليار دولار، فى تنفيذ التزاماتها الناشئة عن هذه الصفقة.
فالمبلغ الذى يتعين على شركة جيات الفرنسية اعادة استثماره فى دولة الامارات يعادل (60%) من قيمة الصفقة وهو مبلغ ضخم من الصعب ايجاد منافذ استمثارية له.
ولذلك يرى الخبراء بأن مشروع انشاء المنطقة الحرة الجديدة فى أبو ظبى سيكون فرصة استثمارية هامة لشركة جيات وغيرها من شركات تصنيع الأسلحة اتلأجنبية التى تفوز بعقود مع الامارات، حيث ان اجمالى الاستثمارات فى هذه المنطقة يصل الى (3) مليارات دولار، كما ان الاجراءات ستكون سهلة لهذه الشركات التى لن تواجه عقبات ادارية أو روتينية فى المنطقة الجديدة.