بيان صحفي (للنشر فوراً)

تونس: مهزأة للعدالة في قاعة محكمة
"مراقبة حقوق الإنسان" تحث الحكومة على الإفراج عن نشطاء سياسيين لم يلجأوا للعنف
(واشنطن، 7 فبراير/شباط 2002) - وجهت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" رسالة إلى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي اليوم أعربت فيها عن احتجاجها على ما وقع في قاعة إحدى محاكم العاصمة تونس من سلوك وحشي للشرطة وإخفاق في تطبيق العدالة في الثاني من فبراير/شباط الجاري. ففي هذا اليوم، ظهر ثلاثة من المعارضين اليساريين كانوا متوارين عن الأنظار طالبين إعادة محاكمتهم، بناءً على اتفاق مسبق؛ وكانوا قد أدينوا غيابياً من قبل بتهم سياسية. غير أن أفراد الشرطة الذين يرتدون ثياباً مدنية قاموا في واقع الأمر باختطاف الرجال الثلاثة من قاعة المحكمة، وتعدوا بالضرب عليهم، وعلى غيرهم ممن تجمعوا في القاعة لمراقبة إجراءات المحاكمة. ومن ثم أيد القاضي عقوبات السجن الطويلة المفروضة عليهم، دون أن يتيح لهم أي محاكمة تتمشى مع ما ينص عليه القانون.

ويقول هاني مجلي، المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان":
"كثيراً ما كانت الحكومة في الماضي تحرص على خلع غطاء قانوني على ما تمارسه من القمع ضد المعارضين المسالمين؛ ولكن يبدو أنها تخلت في الثاني من فبراير/شباط حتى عن التظاهر بإقرار سيادة القانون واستقلال القضاء"
. وقالت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" إن هذا الانطباع لا يمكن أن يخففه سوى الأمر بإجراء تحقيق جدير بالتصديق في مسلك المحكمة والشرطة ذلك اليوم. كما حثت المنظمة الحكومة على الإفراج فوراً وبلا شروط عن المتهمين الثلاثة المسجونين، حمة الهمامي وسمير طعم الله وعبد الجبار مدوري، استناداً إلى أنهم لم يدانوا ولم يسجنوا لشيء سوى ممارستهم حقهم في حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات أو الانتماء إليها، دون اللجوء إلى العنف.

^^^^^^^^^^^^^^^^^

نص الخطاب

6 فبراير/شباط 2002
فخامة الرئيس زين العابدين بن علي
قصر الرئاسة
قرطاج
تونس

فخامة الرئيس
إن منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" تعرب عن استنكارها للتصرفات الوحشية الفادحة من جانب الشرطة والمخالفات القضائية التي وقعت أثناء مثول ثلاثة متهمين أمام المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة يوم 2 فبراير/شباط الجاري، وهم حمة الهمامي، وعبد الجبار مدوري، وسمير طعم الله.
ونحن نحث حكومتكم على إجراءتحقيق فوري يتسم بالتجرد والنزاهة والشفافية في الأحداث التي وقعت في ذلك اليوم، كيلا تصبح بمثابة دليل سافر على افتقار القضاء التونسي للاستقلال، وعلى تمتع قوات الشرطة بحصانة من المساءلة والعقاب تجعلها في حل لأن تعتدي على المعارضين وأنصارهم. كما أننا نعتقد بضرورة إبطال أحكام الإدانة الصادرة ضد المتهمين الثلاثة على أساس أنها لا تستند لشيء سوى ممارستهم حقهم في التعبير السلمي وتكوين الجمعيات أو الانتماء إليها بصفتهم أعضاء في حركة سياسية معارضة.
فقد أدين الهمامي ومدوري وطعم الله، وجميعهم أعضاء في حزب العمال الشيوعي التونسي، غيابياً في 14 يوليو/تموز 1999 بعد محاكمة جائرة أمام المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، وحُكم على كل منهم بالسجن تسع سنوات وثلاثة أشهر. وأدانت المحكمة الثلاثة بتهم شتى بات من المعتاد في تونس استخدامها لمعاقبة الأفراد على أنشطة المعارضة الخالية من العنف؛ ومن بين هذه التهم الاحتفاظ بجمعية "تحرض على الكراهية"، وقذف النظام العام والسلطات القضائية، وتوزيع منشورات من شأنها أن تثير البلبلة، ونشر معلومات كاذبة من شأنها أن تشوش النظام العام، والتحريض على العصيان، وتحريض الجمهور على مخالفة قوانين البلاد، وعقد اجتماعات بدون ترخيص؛ وقد أدين سائر المتهمين في القضية، البالغ عددهم ثمانية عشر، وسجنوا جميعاً إلا واحداً.
وظل المتهمون الثلاثة حيناً مختفين عن الأنظار؛ ولكن في يناير/كانون الثاني 2002، أعلن محاموهم أن موكليهم يرغبون في الظهور مرة أخرى للطعن في أحكام الإدانة الصادرة بحقهم في محاكمة جديدة، وفقاً لما ينص عليه القانون التونسي. وتقرر إجراء المحاكمة في الثاني من فبراير/شباط الجاري، أمام القاعة رقم 5 من المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة. وكان في المحكمة لفيف من الدبلوماسيين والصحفيين الأجانب والمراقبين الذين يمثلون المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، ونحو 200 من المحامين التونسيين، سجل الكثيرون منهم أسماءهم للانضمام إلى فريق المحامين المدافعين عن المتهمين. ولكن لم تجرِ أي محاكمة في هذا اليوم؛ وإنما جرت الأحداث التالية، وفقاً لما تجمع لدينا من معلومات:
قبل أن يتمكن قاضي المحكمة مصطفى كباشي من افتتاح الجلسة، طلب أفراد الشرطة الذين كانوا موجودين في القاعة المزدحمة من محامي الدفاع الابتعاد عن المكان الذي كان يجلس فيه المتهمون؛ وبعد قليل، وبدون صدور أي أمر أو تعليق من القاضي الذي يترأس الجلسة، قام عدد كبير من أفراد الشرطة الذين يرتدون ثياباً مدنية بدفع المحامين جانباً، وأخرجوا المتهمين الثلاثة عنوة من قاعة المحكمة. واعتدى أفراد الشرطة على أسيمة، ابنة الهمامي البالغة من العمر ثلاثة عشر عاماً، عندما حاولت التشبث بأبيها. واحتجاجاً على قيام الشرطة بالقبض على المتهمين واقتيادهم إلى خارج قاعة المحكمة على هذا النحو، بدون أي أمر من القاضي، انسحب المحامون من الجلسة؛ وبعد ذلك بنحو ساعة، أحضرت الشرطة المتهمين الثلاثة إلى قاعة أخرى؛ وقال المتهمون إنهم تعرضوا للضرب على أيدي أفراد الشرطة، وحاولوا إظهار الجروح الناجمة عن الضرب؛ وما كادوا يفعلون حتى تدخلت الشرطة مرة ثانية لإخراج المتهمين من القاعة بالقوة - دون أن يصدر أي أمر أو تعليق من القاضي، حسبما ورد. وفي حوالي الساعة 5:45 مساءً، أعيد الهمامي وطعم الله إلى المحكمة؛ ولكن الشرطة لم تحضر مدوري، ولم تقدم أي تفسير لتغيبه، مما أثار القلق على سلامته البدنية. وأصر المتهمان على حضور مدوري معهما؛ فما كان من القاضي إلا أن أمر بإحضاره، حسبما ورد، ولكن الشرطة لم تمتثل لهذا الأمر؛ وتوقفت الجلسة مرة أخرى.

وبعد قليل، أعلن القاضي كباشي أن المحكمة قد حكمت بتأييد الأحكام الابتدائية القاضية بسجن المتهمين الثلاثة، وبإضافة حكم بالسجن عامين آخرين ضد مدوري لإهانته هيئة المحكمة. وحكم القاضي بالتنفيذ الفوري لأحكام السجن الصادرة ضد المتهمين.
وقد أصدر القاضي كباشي حكمه هذا ضارباً عرض الحائط بالإجراءات القضائية المعمول بها في تونس؛ فحينما يتقدم المتهمون بطعن في أحكام الإدانة الصادرة بحقهم غيابياً، يتعين على القاضي بادئ ذي بدء أن يستجوب المتهمين، ثم يبت فيما إذا كان طعنهم في أحكام الإدانة الصادرة ضدهم عام 1999 مستوفياً للشروط القانونية؛ فإذا ما قبله القاضي، يكون من حق المتهمين تلقي محاكمة جديدة. بيد أن المحكمة لم تحسم قط مسألة قبول الطعن في جلسة الثاني من فبراير/شباط، ثم قررت تأييد أحكام الإدانة والعقوبات السابقة دون إجراء أي محاكمة، لا كلياً ولا جزئياً. وعلاوة على هذا، فإن القاضي أصدر حكماً إضافياً بالسجن عامين ضد مدوري دون حضوره في قاعة المحكمة، ودون أن تتاح له الفرصة للرد على ما اتُّهم به، ودون تحديد الأساس الذي تستند إليه التهمة؛ وهو الأمر الذي يمثل هو الآخر مخالفة للإجراءات القانونية التونسية وانتهاكاً للمبادئ الدولية للمحاكمة العادلة.
وفي نهاية الجلسة، اعتدى أفراد الشرطة على عدد من الحضور، داخل قاعة المحكمة وخارجها، بما في ذلك ما لا يقل عن ثلاثة صحفيين فرنسيين أتلفت أجهزتهم أو صودرت. وكان أسوأ هذه الوقائع وأدعاها للقلق والانزعاج انقضاض نفر من أفراد الشرطة يرتدون ثياباً مدنية على عمار عمروسية، وهو عضو آخر في حزب العمال الشيوعي التونسي، ظل متوارياً عن الأنظار في أعقاب صدور حكم نهائي بإدانته عام 1997، بتهمة الانتماء للحزب المذكور، ثم قرر الظهور مع الهمامي وطعم الله ومدوري. فقد تعرض عمروسية للضرب لدى اعتقاله أمام قاعة المحكمة يوم 2 فبراير/شباط، ولا يزال مكان اعتقاله غير معروف حتى اليوم. أما الهمامي وطعم الله ومدوري فهم محتجزون حالياً في سجن "9 أفريل" في تونس العاصمة.
لقد دأبت حكومتكم على اضطهاد أعضاء حزب العمال الشيوعي التونسي بسبب معتقداتهم وأنشطتهم السياسية رغم أن الحكومة لم تقدم أي أدلة جديرة بالتصديق على صلتهم بأي أعمال عنف. وقد قضى الهمامي، الناطق باسم الحزب ومحرر جريدة "البديل" المحظورة، بضع سنوات في السجن منذ السبعينيات، وقاسى صنوف التعذيب أكثر من مرة. وفي عهدكم، تعرض الهمامي للاعتقال والتعذيب عام 1994، ثم زُجَّ به في السجن لمدة 21 شهراً. ومن بين أعضاء حزب العمال الشيوعي التونسي الذين سجنوا وعذبوا في الماضي عبد المؤمن بلعانس الذي حُكم عليه في 19 نوفمبر/تشرين الثاني بالحبس ثلاثة أشهر بتهمة تتعلق بعضويته في الحزب؛ و أطلق سراحه ريثما يبدأ تنفيذ الحكم.

إن منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" تعتقد بوجوب الإفراج عن كل من الهمامي وطعم الله ومدوري وعمروسية فوراً ودون قيد أو شرط، وإبطال حكم الإدانة الصادر ضد بلعانس. ويتوجب على تونس، وفاءً بتعهدها باحترام أحكام "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، باعتبارها من الدول الأطراف فيه، أن تسمح لهؤلاء الأفراد بالتعبير عن معتقداتهم السياسية وممارسة أنشطتهم السياسية السلمية دونما خوف من مضايقة أو اضطهاد.
وبنفس القدر من الأهمية، فإننا نحث حكومتكم على الأمر بإجراء تحقيق مستقل بشأن الإجراءات القضائية الفادحة الجور التي جرت يوم 2 فبراير/شباط، والسلوك الوحشي للشرطة ذلك اليوم، وكلاهما تسبب في إهدار حقوق الإنسان المكفولة للمواطنين التونسيين، والإضرار بسمعة المؤسسات التونسية. ولا بد من إجراء فحوص طبية لكل من الهمامي وطعم الله ومدوري وعمروسية، إذا ما طلبوا ذلك، للتحقق من أي إصابات ربما تكون قد لحقت بهم على أيدي أفراد الشرطة. ويجب تحديد ومعاقبة أعوان الشرطة الذين يتبين أنهم عمدوا لاستخدام القوة البدنية دون مبرر ضد أي مواطنين تونسيين أو أجانب.
وفي الختام، نشكركم سلفاً على اهتمامكم بهذا الأمر، وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،
هاني مجلي
المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
منظمة "مراقبة حقوق الإنسان"

مرسل نسخ إلى كل من:
· وزير العدل السيد البشير التكاري
· وزير الداخلية عبد الله كعبي
· وزير حقوق الإنسان صلاح الدين معاوي