|
تقرير خطير عن حرية الصحافة في
تونس
تضع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بمناسبة اليوم العالمي لحرية
الصحافة بين يدي الرأي العام هذا التقرير عن حريّة الإعلام و الصّحافة بتونس
بعد أن كانت أصدرت سنة 1999 و تحت عنوان "حريّة الصّحافة في تونس " ، دراسة
شاملة لواقع الإعلام التونسي.وقد حرصت الرابطة في تقاريرها وبلاغاتها ونشاطاتها
على الاهتمام بواقع الإعلام التونسي لما شهده هذا القطاع من تدهور خطير بمرور
السنوات جعل المواطنين التونسيين يهجرونه إلى الإعلام الخارجي، ولاعتقاد
الرابطة أن الإعلام هو المرآة العاكسة لأي تطور يمكن أن تشهده البلاد،
ولاعتقادها أيضا أن حرية التعبير هي المدخل لإرساء الحريات العامة.
وقد حرص التقرير على التقيد بالوقائع والأحداث الموثقة التي شهدها العقد الأخير
والتي تبرز لوحدها التراجع الذي شهده القطاع من خلال الصنصرة والضغط والتضييق
على الصحفيين وتحقيق التشابه والرتابة المفرطين بين جميع وسائل الإعلام مما أدى
إلى إجماع وطني للمطالبة بتطوير القطاع. ولم يقتصر هذا التقرير على ما لحق
الصحافيين والصحف من أضرار متعددة نتيجة ملاحقات السلطة، وإنما شمل التقرير
أيضا كل مواطن حاول أن يمارس حقه في التعبير خاصة من خلال وسيلة الأنترنت لكنه
تعرض أيضا للإيقاف والمحاكمة. فالتقرير لم يفصل بين حرية الصحافة والصحفيين
وبين حرية التعبير.
تمت الاستفادة في إعداد هذا التقرير من المتابعة المستمرة والدقيقة لواقع
الإعلام ببلادنا، ومن الدراسة التي أصدرتها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق
الإنسان لسنة 1999 وتقريري الرابطة لسنة 2001 ولسنة 2002 ( هذا الأخير بصدد
الإعداد) وتقرير الحريات الصحفية لجمعية الصحفيين التونسيين لسنة 2002، وتقرير
المقرر الخاص لحرية الإعلام بلجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الذي زار
تونس سنة 1999، وتقارير منظمة "مراسلون بلا حدود" ودراسات إعلامية أكاديمية
أنجزت في السنوات الأخيرة.وتود الهيئة المديرة للرابطة التنويه باللجنة
الرابطية التي سهرت على صياغة المشروع الأولي لهذا التقرير. وهو المشروع الذي
قامت الهيئة المديرة بمراجعته وتنقيحه من أجل إثرائه وتدقيق معلوماته. وتتكون
اللجنة من سهير بلحسن وصلاح الدين الجورشي ورشيد خشانة والعربي شويخة ولطفي
حجي.وإذ تنشر الرابطة هذا التقرير فهي حريصة أن يصبح ذلك تقليدا سنويا بمناسبة
اليوم العالمي لحرية الصحافة في 3 ماي من كل سنة.
المقدمـــــــــة
أصبحت السمة البارزة للإعلام التونسي التناغم والتشابه بين جميع وسائله
المكتوبة والمسموعة والمرئية، خاصة فيما يتعلق بالأحداث الوطنية، التي يتم
عرضها بنفس الطريقة في كافة تلك الوسائل مع تقديمها دوما في جوانبها الإيجابية،
ولا تتضمن وسائل الإعلام التونسية تحليلا أو نقدا لسياسة الحكومة، كما أنها
تفتقر إلى الأخبار والتحاليل غير الرسمية، وتتجنب الحديث منذ سنوات طويلة عن
الانتهاكات في مجال حقوق الإنسان التي عادة ما تبرز في بيانات عدد من المنظمات
غير الحكومية التونسية، والتي لا تنشر إلا في مواقع عبر الأنترنت.
كما اتسم الإعلام التونسي في السنوات الأخيرة بغياب مقالات الرأي حول القضايا
المصيرية التي تهم المجتمع وواقع البلاد ومستقبلها وهي مقالات كانت تعج بها في
السابق صحف عديدة مثل "الرأي" و"المستقبل"، و" لـوفـار" (المنار)، و"ديمكراسي"
(الديمقراطية)، و"الشعب" و"الطريق الجديد" و"المغرب العربي" و"حقائق" و
"الوحدة" و "الموقف" وجميعها صحف ومجلات صنعت ربيع الإعلام التونسي من سنة 1977
إلى نهاية عقد الثمانينات.
و تلك الوضعيّة جعلت المواطن يبحث عن منافذ إعلامية أخرى خاصّة مع ظهور معطيات
جديدة في الفضاء الإعلامي و خاصّة ظهور و توسّع الفضائيّات و الإنترنت و قد
ظهرت قنوات تلفزيّة تونسيّة تبثّ من الخارج استقطبت قسما واسعا من المواطنين
–رغم محدوديّة ساعات البثّ - لتناولها الشّأن الوطني بصورة مختلفة عن وجهة
النّظر الرّسميّة و لتمكينها للنّشطاء و المعارضين و المستقلّين من التّعبير و
اهتمامها بالأخبار التي لا تجد مجالا في الإعلام التّونسي . ( " قناة
المستقلّة" سنة 2001 و قبل أن تتراجع و قناة 3الزّيتونة في 2002 و قبل أن
تتوقّف عن البثّ و قناة "الحوار " و التي بدأت البثّ حديثا في 2003 ) .
إن تلك الوضعية التي أصبح عليها الإعلام التونسي والتي تتراجع من سنة إلى أخرى
مثلما تؤكد ذلك المقارنة بين مضامينه المختلفة من سنة 1989 إلى اليوم شغلت
العديد من الهيئات المهنية والمدنية والسياسية والبرلمانية، والحقوقية، كما
جعلت العديد من المنظمات غير الحكومية تستغرب اختيار تونس لاحتضان الجزء الثاني
من القمة العالمية حول مجتمع المعلومات في نوفمبر 2005 و التي يلتئم جزأها
الأول بحنيف (سويسرا) في ديسمبر 2003 .
- المستوى المهني : لا تخلو جلسة عامة من جلسات جمعية الصحفيين التونسيين من
التطرق إلى الوضعية المتردية التي أصبح عليها الإعلام التونسي ... وقد صدرت عدة
لوائح في الغرض ... وكان من توصيات المؤتمر الأخير للجمعية الذي انعقد في شهر
أفريل 2002 بعث مرصد للحريات الإعلامية. ورغم أن ذلك المرصد لم يؤسس إلى حد
الآن فقد أصدر مكتب الجمعية المنبثق عن المؤتمر المذكور تقريرا حول أوضاع
الحريات الصحفية يوم 03 ماي 2002.
- الهيئات المدنية : تعتبر حرية التعبير والإعلام، والارتقاء بالقطاع الإعلامي
من المطالب الدائمة والملحة للمنظمات المدنية، فقد أصدرت الرابطة التونسية
للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1999 تقريرا شاملا عن حرية الصحافة في تونس. وتتعرض
تقارير الرابطة والمجلس الوطني للحريات حول أوضاع الحريات في تونس إلى واقع
الحريات الصحفية والانتهاكات التي تحدث في القطاع.
يضاف إلى ذلك عديد من التقارير الدولية التي تصدر عن منظمات مختصة مثل تقرير
المقرر الخاص للأمم المتحدة حول تنمية الحق في حرية الإعلام والتعبير. وقد سبق
أن زار تونس في أفريل 1999 وأعد تقريرا شامــــــــلا حول واقع الإعلام التونسي
من جميع جوانبه . وكذلك تقارير " مراسلون بلا حدود " و" اللجنة الدولية لحماية
الصحفيين ".
- الهيئات السياسية : إن بيانات الأحزاب التونسية تعج بمطالب تطوير قطاع
الإعلام، وجعله أكثر انفتاحا على الهيئات المدنية والسياسية، ومن تلك الأحزاب
من يشكو حصارا إعلاميا يتراوح بين المؤقت بالنسبة للبعض، والدائم بالنسبة للبعض
الآخر، ويتم تشديد الحصار عليها، عندما تتضمن بياناتها ومواقفها نقدا لسياسة
الحكومة أو لبعض الممارسات الرسمية.وقد عقدت أحزاب عديدة في العقد الأخير
ندوات، وحلقات نقاش حول واقع الإعلام التونسي وسبل تطويره.
- البرلمان : لا تخلو مناقشة لميزانية الدولة التي تقع في شهر ديسمبر من كل
سنة، من تعرض النواب لقطاع الإعلام، وعادة ما يصبح الموضوع الأكثر نقاشا بينهم
وبين أعضاء الحكومة خاصة بعد أن أصبحت المعارضة ممثلة في البرلمان منذ سنة
1994.
- الهيئات الحقوقية : طالبت الهيئة الوطنية للمحامين وجمعية المحامين الشبان في
أكثر من مناسبة بتطوير الإعلام خاصة وأنهما تتعرضان إلى محاصرة إعلامية في
المدة الأخيرة تتحول أحيانا إلى مقالات تهجم عليهما بعد أن توترت علاقتهما
بوزارة العدل باعتبارها سلطة الإشراف.
بعد خيبة الانتخابات التشريعية التي جرت في شهر أفريل من سنة 1989 بدأ تراجع
القطاع الإعلامي إثر مرحلة قامت على الوعود دامت سنتين من نوفمبر 1987 إلى
أفريل 1989. وقد ارتبط تراجع الإعلام التونسي مع حدثين هامين عرفتهما بلادنا :
· الأول هو حرب الخليج الثانية سنة 1991 : فقد
عاشت تونس حدثا فريدا في تاريخها من الناحية الإعلامية هو المراقبة المباشرة
على الصحف فقد فرضت السلطة السياسية على جميع الصحف التونسية أن تسلم المواضيع
قبل نشرها إلى كتابة الدولة للإعلام للإطلاع عليها وتحديد المواضيع المرخص لها
للنشر حسب قرار كاتب الدولة، وعلاوة على الطابع الزجري المنافي للحرية لذلك
القرار فقد تسبب في صعوبات مهنية تهم الناحية الإجرائية، مما اضطر بعض الصحف
إلى إصدار مساحات بيضاء، فأتخذ كاتب الدولة للإعلام قرارا بمنع المساحات
البيضاء في الصحف التونسية.
وقد تم التراجع فيما بعد عن المراقبة المباشرة لعدم جدواها من الناحية
الإجرائية بالنسبة للمهنيين وعوضت بوسائل أخرى أشد صرامة وتأثيرا كما سنأتي على
ذلك.
· الحدث الثاني هو مواجهة السلطة مع حركة النهضة المحظورة : فمنذ ذلك الحين بدأ
الاعتماد على المصدر الواحد للمعلومات .. وبدأت العديد من " الصحف المختصة " في
نشر أخبار، ومقالات وتحاليل غير ممضاة، وغير منسوبة إلى مصادرها ويعد ّ ذلك
مخالفا لأخلاقيات المهنة الصحفية.
وتم التغاضي عن ذلك الإجراء إلى أن أصبح قاعدة عامة في جميع الصحف التونسية حيث
لا تأخذ الأخبار المتعلقة " .بـأحداث سياسية هامة " إلا من مصدر واحد، ولا
تتجرأ أي صحيفة تونسية على نشر ما يخالف الخبر الرسمي حتى وإن كانت بحوزتها
أخبار يقينية.
القانـــــــــون
منذ نشأة حركة حقوق الإنسان في تونس كان من أهم مطالبها إلغاء قانون الصحافة
الزجري وتعويضه بقانون أكثر ملائمة لتطلعات أهل المهنة، والحركة السياسية
والحقوقية عامة، لأن قانون سنة 1975 المذكور حوكم بمقتضاه العديد من الصحفيين و
غيرهم من المناضلين السّياسيين و الجمعيّاتيين من المخالفين في الرّأي، وراحت
ضحيته صحف عديدة.
ومنذ 7 نوفمبر 1987 تم تنقيح قانون سنة 1975 ثلاث مرات الأولى في 2 أوت سنة
1988، والثانية في 2 أوت سنة 1993، والثالثة في 3 ماي 2001. وقد ترافق كل تنقيح
بحملة إعلامية تصوره كنقلة نوعية في قطاع الإعلام، وتم تقديم التنقيح الأخير
كثمرة لمشاورة الجهات المعنية، من صحفيين ومثقفين وخبراء في الإعلام وأساتذة
جامعيين، وقدم كذلك على أساس أنه سيحرر الصحافيين من الرقابة الذاتية التي ترى
فيها السلطة عائقا كبيرا أمام تطوير قطاع الإعلام.
إلا أن الصحفيين التونسيين وبعد إطلاعهم على الفصول المنقحة بمجلة الصحافة لم
يستبشروا بالتنقيح واعتبروه في لائحة صادرة عن جلسة عامة لجمعية الصحفيين
انعقدت إثر تنقيحه:" التفافا على قرارات رئيس الدولة التي أعلن عنها في خطابه
يوم 7 نوفمبر 2000" ، فقد حذف جريمة ثلب النظام العام إلا أنه أبقى على
المكونات الأساسية للنظام العام باعتبارها جرائم يعاقب عليها بالسجن مثل
الدوائر القضائية وجيوش البر والبحر والجو والهيئات الرسمية والإدارات
العمومية.
واعتبرت جمعية الصحفيين التونسيين أن هذا التنقيح أحال الفصول السالبة للحرية
من مجلة الصحافة إلى القانون العام دون إلغائها. ففي هذا الصدد تم سحب الفصول
35 و37 و38 و39 و45 و61 و62 من مجلة الصحافة وإدراجها بالمجلة الجنائية وذلك
لتعلقها بأحكام زجرية. كما سحب الفصل 56 من مجلة الصحافة وأدرج في مجلة البريد
تحت عدد 29 مكرر، وذلك لتعلقه بجرائم ترتكب بواسطة البريد.
ولم يحور التنقيح قضية الإيداع القانوني التي شكلت على امتداد سنوات أداة
للصنصرة المسبقة ، و ينص الفصل الثاني من مجلة الصحافة :
- تخضع لإجراءات الإيداع القانوني :
1) المصنفات المطبوعة بجميع أنواعها من كتب ونشريات دورية، ومجلدات، ورسوم،
ومنقوشات مصورة، وبطاقات بريدية مزينة بالرسوم ومعلقات، وخرائط جغرافية،
ونشريات، وتقاويم، ومجلات وغيرها.
2) المصنفات التالية : التسجيلات الموسيقية والصوتية والمرئية، والصور الشمسية،
والبرامج المعلوماتية التي توضع في متناول العموم بمقابل أو بدون مقابل أو التي
تسلم بقصد إعادة نشرها.
- الترخيص للمؤسسات الإعلامية : من المطالب الأساسية للإعلاميين في تونس هو
تنقيح الفصل 13 من مجلة الصحافة الذي يخول لوزارة الداخلية وحدها حق الترخيص
لكل من أراد إنشاء مؤسسة إعلامية و ينص الفصل 13 من مجلة الصحافة على أن يقدم
إلى وزارة الداخلية قبل إصدار أية نشرية دورية إعلام في كاغد متمبر وممضى من
مدير النشرية الدورية ويسلم وصل في ذلك وتحيل وزارة الداخلية على كتابة الدولة
للإعلام، وعلى وكالة الجمهورية نظائر من الإعلام مع التنصيص على جميع الوثائق
المدلى بها من طرف المعني بالأمر.
وينص الفصل 14 المتمم للفصل 13 على :
قبل طبع أية نشرية دورية يجب على صاحب المطبعة أن يطالب بالوصل المسلم من قبل
وزارة الداخلية والذي يجب ألا يكون مرّ على تاريخ تسليمه أكثر من سنة.وفي
"الوصل" معضلة مجلة الصحافة التونسية. وقد وصف المقرر الخاص حول حرية الإعلام
والتعبير التابع للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في تقرير له حول حرية
التعبير في تونس صدر سنة) 2000 اثر زيارته الى تونس في افريل 1999 ) وصف ذلك
الفصل بأنه أكبر نقطة ضعف في مجلة الصحافة التونسية لأن وزارة الداخلية لا تسلم
الوصل المذكور إلى المعنيين بالأمر الذين يتقدمون بمطالب لإنشاء مؤسسات إعلامية
مستجيبة للشروط القانونية. مما يجعل إصدارها مستحيلا ما دام القانون في فصله 14
يشترط طبع أية دورية بحصول صاحب المطبعة على الوصل.
مقابل ذلك ونظرا لعدم الحصول على الترخيص لا يستطيع أصحاب الشأن متابعة الإدارة
قضائيا لحرمانهم من حقهم في إنشاء مؤسسات إعلامية.
وتشير إحصائيات غير رسمية إلى أن قرابة المائة طلب تقدم بها أصحابها إلى وزارة
الداخلية ولم تجبهم الإدارة، ومنهم من تقدم بطلبه منذ أكثر من عشر سنوات مثل
الصحفية نورة البورصالي، التي تقدمت بطلب إصدار مجلة عنوانها "مغاربيات" ،
والأستاذ محمد الطالبي الذي تقدم بطلب مجلة فكرية بعنوان "مقاصد"، والصحفية
سهام بن سدرين التي طلبت إصدار مجلة بعنوان "كلمة"، ودفعها تجاهل الإدارة إلى
نشرها عبر الأنترنت.
إضافة إلى البعد القانوني يشتكي أصحاب المطالب، والإعلاميون من غياب المقاييس
الموضوعية لإسناد رخص المؤسسات الإعلامية التي يسند الكثير منها لغير المهنيين
وأهل القطاع ... وقد طالب الصحافيون التونسيون في مؤتمراتهم وجلساتهم المتعاقبة
بضرورة ضبط مقاييس موضوعية في إسناد التراخيص ومراعاة الأبعاد المهنية في ذلك.
وتجمع الأطراف المهنية والحقوقية على ضرورة إلغاء شرط الوصل المتضمن بالفصل 14
من مجلة الصحافة، واعتبار التصريح المرسل عبر البريد المسجل مثلا هو الترخيص
الفعلي كما أصبح الحال في دول عربية.
الأخبار الزائفة : أبقت مجلة الصحافة المنقحة على الفصل 49 المتعلق بالأخبار
الزائفة و قد جاء بهذا الفصل :" إن النشر والترويج أو إعادة النشر بأية وسيلة
كانت للأخبار الزائفة والأوراق المصطنعة أو المدلسة المنسوبة للغير، يعاقب
مرتكبها بالسجن من شهرين إلى ثلاثة أعوام بخطية من 100 إلى 2000 دينار أو بإحدى
العقوبتين إذا كان ارتكاب ذلك عن سوء نية وعكر أو من شأنه أن يعكر صفو الأمن
العام."
وأبقى المشرع على الغموض إذ لم يحدد مفهوم الأخبار الزائفة ولا مفهوم الأمن
العام. لذلك يعتبر المهنيون والحقوقيون ذلك الفصل عائقا أمام تنوع الأخبار
وتعددها بالإعلام التونسي.
إن تنقيح سنة 2001 لمجلة الصحافة لم يرتق إلى طموحات الإعلاميين والحقوقيين
التونسيين. وقد عبر عن ذلك الصحافيون التونسيون صراحة في جلستهم العامة التي
انعقدت يوم 11 ماي 2001 حين اعتبروا في لائحة عامة أن "التنقيح الأخير لقانون
الصحافة لم يلب كل تطلعات الصحفيين وانتظاراتهم ولم يأخذ بعين الاعتبار مقترحات
الجمعية في هذا الشأن". كما أنّ الّرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان
جدّدت في تقريرها لسنة 2001 تمسكها بجملة المطالب التي تمثل ضمانة حقيقية
لمصداقية وجدية الصحافة والصحافيين التونسيين وذلك بتنقيح التشريعات وإزالة
العقوبات بالسجن والإيقاف التحفظي لمخالفات تتعلّق بالرّأي وتعويض التراخيص
المسبقة الفعلية بمجرد إعلام مسبق لكل عملية نشر ورفع يد الدولة على قطاع
الإعلام والتي هي أساس العراقيل أمام حرية التعبير، وكذلك فك احتكار الدولة
لمصادر الخبر ومصادرتها لاستقلالية المؤسسات الصحفية والإعلامية والكف عن
اللجوء إلى الجهاز القضائي لانتهاك حرية التعبير وتحجيم حرية الصحافيين وإنهاء
التمييز السياسي وتمكين المؤسسات العمومية من توزيع إشهارها- الذي تحتكره حاليا
الوكالة التّونسيّة للاتّصال الخارجيATCE - على الصحف حسب معايير فنية بحتة لا
علاقة لها بما تنشره هذه الصّحف و مدى ولائها للسّلطة .والرابطة تعتبر أن حرية
التعبير تمثل الأساس الضامن لممارسة جميع الحريات الديمقراطية.
الصنصـــرة
لا ينص قانون الإعلام التونسي على أي شكل من أشكال الصنصرة. إلا أن الصحفيين
التونسيين يشكون من تعدد طرق الصنصرة وتنوعها من خلال ممارسات أصبحت أعلى سلطة
من القانون. وتتمثل في الإجراءات التالية :
- غلق مصادر الخبر أمام الصحفيين وتحويل وكالة تونس إفريقيا للأنباء، الوكالة
الرسمية الوحيدة بالبلاد، إلى مصدر وحيد للأخبار بخصوص الأحداث الرسمية، يضاف
إلى ذلك غياب ناطقين رسميين في الوزارات التونسية أو مسؤولين باستطاعتهم
التصريح إلى الصحفيين ومدهم إجابتهم عن تساؤلاتهم.
وقد ابتكرت الحكومة التونسية منذ سنوات اللقاءات الدورية للوزراء بالصحفيين،
التي لا تستجيب لتطلعات الصحفيين في فتح مصادر الخبر، إذ تحولت إلى ما يشبه
الأخبار الجماعية التي تنشر بنفس الطريقة والصبغة في جميع الصحف.
ويرى الصحفيون التونسيون أن ذلك الأسلوب ساهم في تغييب مفاهيم صحفية أساسية مثل
"السبق الصحفي"، والتنوع، والحوارات الخاصة ...الخ
- الإشهار : أصبح تمويل الصحف عبر الإشهار إحدى الوسائل الأساسية للصنصرة
المنظمة منذ تأسيس وكالة الاتصال الخارجي التي تتحكم في توزيع الإشهار العمومي
الذي يبلغ نسبة عالية جدا، وأصبحت تحرم منه الصحف التي تنشر مواضيع لا تتماشى
مع الخط الرسمي أو هكذا تصنف في الدوائر الرسمية.
وقد أدرك المسؤولون عن الصحف جيدا هذه الرسالة، فأصبحوا يتحاشون نشر المقالات
التي من شأنها أن تحجب عنهم الإشهار فتوسعت بذلك دائرة الحذر
والصـــــــــنصرة، وأصبح الإشهار بذلك أداة فعالة في " الصنصرة الوقائية "
بعيدا عن أي قانون أو محاسبة.
علاوة على سلطة وكالة الاتصال الخارجي تعمد السلطات المختصة إلى وسيلة أخرى
للضغط المالي على الصحف والمجلات وهي قطع الاشتراكات العمومية عنها مما يتسبب
لها عادة في عجز مالي يصعب تعويضه عندما تكون نسبة الاشتراكات مرتفعة.
الهرسلة : يشتكي الإعلاميون التونسيون في العقد الأخير من غياب القانون – على
زجريته – كفيصل في التعامل بين سلطة الإشراف والمؤسسات الإعلامية. وقد تم تعويض
القانون بالاتصال المباشر بالمسؤولين عن المؤسسات الإعلامية العامة والخاصة
لإعطائهم التعليمات غير القابلة للنقاش، وتعتمد تلك الأساليب الجديدة، التي
يعتبرها الصحفيون التونسيون شكلا من أشكال الهرسلة المتواصلة التي أتت أكلها،
أكثر من اعتماد القانون كما كان الأمر في السابق، تعتمد على ثلاث طرق :
- الأولى هي الحث على تغطية بعض الأحداث التي توليها السلطة أهمية خاصة، لذلك
تتعدد في كثير من الأحيان الافتتاحيات المتشابهة، والمقالات في نفس المواضيع،
ولا يقدر القائمون على المؤسسات الإعلامية رفض تلك الطلبات/الأوامر خوفا على
محاسبتهم على صمتهم أو عدم تفاعلهم الإيجابي.
- الثانية هي النهي عن الكتابة في مواضيع أو أحداث لا ترغب فيها السلطة وتتعدد
الأمثلة في هذا السياق وأقربها هي تجاهل وسائل الإعلام التونسية للندوة الصحفية
التي أعلن فيها الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي الأستاذ أحمد نجيب
الشابي ترشحه لرئاسة الجمهورية خلال شهر مارس 2003 وتغافل التلفزة التونسية عن
تغطية مظاهرات الهيئات المدنية، ومظاهرة الاتحاد العام التونسي للشغل المساندة
للشعب العراقي يومي 24 و25 مارس2003 رغم أنها أفردت قبل يوم واحد المظاهرة التي
دعا إليها التجمع الدستوري الديمقراطي بحيز واسع من التغطية.
- الثالثة هي تعود بعض مديري الصحف أو رؤساء التحرير استشارة جهات مختصة حول
نشر بعض المواضيع، وعادة ما يرسلون المقالات " المختلف حولها " إلى تلك الجهات
للإطلاع عليه والحسم في أمرها، وقد ساهمت تلك الطرق في تعميق الرقابة، والتسابق
نحو نشر المقالات التي ترضي السلطة أكثر من غيرها.
المضايقــــات
يشتكي الصحافيون من تعدد الضّغوطات والمضايقات التي تستهدفهم وتنوّع آلياتها
مما يعيقهم عن القيام بواجباتهم وفق المعايير الصحافية المتعارف عليها.
أ/ الآليات المؤسّساتيّة و المهنيّة
1 - عدم الفصل الواضح في المؤسسات الإعلامية التونسية بين الإدارة والتحرير كما
هو معمول به في أغلب دول العالم بما في ذلك دول عربية وحسب ما يقتضيه سير العمل
الإعلامي حيث تختص الإدارة في المهام الإدارية والمالية، وتشرف رئاسة التحرير
على ضبط الخط التحريري للمؤسسة ومتابعته.
وقد أصبحت الإدارة أعلى سلطة بالمؤسسات الإعلامية التونسية طوال العقد الأخير.
وتتدخل في شؤون التحرير ولها الكلمة الفصل في ضبط الخط التحريري. ويستوي ذلك
الأمر في المؤسسات العمومية والخاصة التي يتصرف فيها أصحابها كأي مشروع تجاري
خاص نافين بذلك خصوصية العمل الصحفي وكذلك خصوصية الصحفي الذي يعتبر مسؤولا
أمام قرائه ويحكمه ميثاق شرف المهنة. وذلك التعامل همّش التحرير على حساب
الإدارة.
2 – غياب مجالس التحرير داخل المؤسسات الإعلامية فقد حافظت مؤسستان إعلاميتان
على هذا التقليد وغابت مجالس التحرير من كافة المؤسسات الأخرى ومنها من لم
يجتمع منذ أكثر من عشر سنوات، مما همّش دور الصحفي التونسي في رسم سياسة تحرير
المؤسسة وجعله يكتفي بتلقي الأوامر وتنفيذها وفي حالة إبداء رأيه قد يتعرض إلى
العقوبة.
3 – الملاحقة المستمرة للصحافيين التي تتخذ أشكالا متعددة حسب المؤسسة
والأشخاص، وذلك عبر صنصرة المقالات وذلك قاسم مشترك بين الجميع، المساءلة
الإدارية، التعجيز بشتى الطرق منها توقيت العمل غير المطابق للاتفاقية المشتركة
مثلما حدث في شهر مارس 2003 في دار الصباح حيث تم تكليف الصحفيتين دلندة الطويل
ومليكة دغفوس بالعمل من الساعة الرابعة مساء إلى الساعة العاشرة ليلا بعد
خلافهما مع إدارة الصحيفة إثر مطالبتهما بحقوقهما المهنية صحبة عدد من
زملائهما.
وقد تصل الملاحقة إلى حد التجميد داخل المؤسسة، ولم يعد التجميد يمارس
بالمؤسسات العمومية بل أصبح يمارس في المؤسسات الخاصة أيضا مثلما حصل في أفريل
2003 للصحفيين سالم بوليفة وعبد الحميد القصيبي بدار الصباح. ولا يقتصر أمر مثل
تلك المعاملة على دار الصباح وحدها بل أصبح القاسم المشترك بين أغلب المؤسسات
الإعلامية.
4 – الحرمان من الحقوق المادية التي تنص عليها الاتفاقية المشتركة المنظمة
للقطاع، فالكثير من الصحفيين التونسيين يتقاضون أجورا زهيدة لا تتناسب مع
مستوياتهم العلمية ، أو رتبهم الوظيفية أو أقدميتهم. ويعد ذلك شكلا فعّالا من
أشكال الضغط على الصحفيين اشتكى منه الصحفيون التونسيون في العديد من جلساتهم
العامة، ويعد مخالفة للقانون دأب عليه عدد هام من مديري المؤسسات الإعلامية
أمام سكوت السلطات عن ذلك رغم أن القانون واضح في هذه المسألة إذ ينص الفصل 407
من مجلة الشغل على أن "لا ينتفع بتوزيع المبالغ التي تخصصها الدولة والمجموعات
والمؤسسات المستلزمة للمصالح العمومية لمصاريف الإشهار عند طلب الاقتراض من
العموم إلا المؤسسات المرسّمة بالقائمة المحررة طبقا لأحكام الفصل 406" الذي
ينص بدوره على ضرورة الاحترام الكامل لمقتضيات الاتفاقية المشتركة للصحافة
المكتوبة والقوانين الأساسية من طرف المؤسسات الإعلامية.
وقد كان مطلب تطبيق القانون في هذه المسألة من أهم مطالب الجلسة العامة
للصحفيين التونسيين التي انعقدت في شهر نوفمبر 2002.
ويأتي هذا المطلب الملح للصحفيين التونسيين ضمن المطالب العامة لتحقيق كرامة
الصحفي التونسي التي هي شرط أساسي لتطوير القطاع الإعلامي.
5 – الطرد التعسفي : عمدت العديد من المؤسسات الإعلامية التونسية
العمومية/الرسمية إلى طرد الصحفيين كحل وقائي للتخلص من العناصر غير المرغوب
فيها سياسيا أو مهنيا. وتنوعت حالات الطرد بين طرد يعتقد أنه مملى من السلطة
وأخرى لأسباب مهنية. فقد تم طرد الصحفيين توفيق بن بريك وعزة الزراد سنة 1990
من صحيفة لابراس إثر كتابة مقالات حول وضع الصحافة في تونس.
وطرد الصحفي كمال العبيدي سنة 1994 من وكالة تونس إفريقيا للأنباء إثر كتابته
لسلسلة من المقالات حول السياسة التونسية بصحيفة "لاكروا" الفرنسية التي كان
يراسلها من تونس مما أغضب السلطات التونسية التي ضغطت بعد ذلك بقليل على إدارة
المؤسسة لطرده إثر إجرائه حوارا مع الدكتور المنصف المرزوقي بوصفه أحد
المترشحين لرئاسة الجمهورية سنة 1994.
كما تم طرد الصحفي صلاح الدين الجورشي من مجلة "حقائق" سنة 1997 حيث كان يشغل
رئيس تحرير القسم العربي بالمجلة، إثر ضغط السلطات على مدير المجلة لطرده على
خلفية نشاطاته ومواقفه بالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
وطرد الصحفي زياد الهاني من صحيفة "الشروق" سنة 1993 وبقي ثماني سنوات محروما
من العمل إلى أن تم إلحاقه بصحيفة "الصحافة" سنة 2002. ويعتقد أن طرده له علاقة
بنشاط والده المعارض، والذي أعلن عزمه على الترشح لرئاسة الجمهورية سنة 1994.
كما طردت إدارة صحيفة الصباح الصحفي الهاشمي نويرة مطلع السنة الجارية بدعوى
مخالفته لقانون الشغل بعد إحالته على مجلس التأديب، وتعيب عليه إدارة الصحيفة
إلقائه مداخلة بجمعية الصحفيين في مسامرة رمضانية حول القضية الفلسطينية في
الوقت الذي غاب عن العمل برخصة مرض.
وتعددت حالات الطرد (أنظر ملحق التواريخ في آخر
هذا التقرير) وجميعها تروم تحقيق هدفين :
- الأول سياسي : حيث عادة ما تتم ملاحقة الصحفيين الذين لهم نشاط حقوقي إنساني
ويتمسكون بكتابة ما تمليه عليهم ضمائرهم وأخلاقيات المهنة. وعادة ما تكون حالات
الطرد هذه بضغط من السلطات السياسية وبإيعاز منها.
- الثاني مهني : حيث تعمد إدارات المؤسسات إلى طرد الصحفيين الذين يطالبون
بتطبيق القوانين والاتفاقيات المشتركة من باب الخوف من انتشار "العدوى" إلى
زملائهم.
وتبرز دراسة واقع القطاع أن الطرد، والتهديد بالطرد في حالات أخرى كان سلاحا
ردعيا من جهة وساهم في إفقار القطاع من العديد من كفاءاته الذين غادروا القطاع،
أو هاجروا، أو حولوا وجهتهم لمراسلة مؤسسات عربية وأجنبية أمام انسداد الأفق
أمامهم.
6 / – الاستقالات المبرمجة : على إثر الضغط المادي والمعنوي الذي يمارس على
الصحفيين يضطر عدد منهم إلى الاستقالة .. وقد جسدت حالة الصحفي الهادي يحمد
أحسن مثال على ذلك.
فقد نشرت مجلة "حقائق" يوم 12 ديسمبر 2002 ،بمناسبة اليوم العالمي لحقوق
الإنسان، تحقيقا عن أو |