كتب : أسامة فوزي
لا جدال في ان اصوات الشباب الذين شاركوا في برنامج "  سوبر ستار"  كانت جميلة واخص بالذكر صوت واداء الشابة السورية "رويدا عطية" التي يبدو ان الحظ لم يحالفها ليس لان صوت الشابة الفلسطينية "ديانا كرازون" اجمل وانما لان تقنية الاتصالات الهاتفية المحمولة والانترنيت في الاردن متطورة اكثر مما هي عليه في سوريا وبالتالي فان عدد الاصوات التي اعطيت لديانا تتوازى مع عدد الهواتف المحمولة في الاردن مع ان هذا لا يقلل من جمال صوت ديانا وحضورها القوي.


لست في معرض الحديث عن الجانب الفني من " سوبر ستار" وانما يعنيني الجانب السياسي والامني لهذه المسابقة والذي انعكس على الشارعين الاردني والسوري ومن المؤكد ان دخول الدولتين بقوة -من خلال اجهزة الاعلام والصحف التابعة لها- لم يتم عفو الخاطر وهو قطعا لا يعكس حرص واهتمام النظامين في سوريا والاردن على الفن والطرب الاصيل بقدر ما يعكس الرغبة في استغلال هذه الحمى التي نشرها برنامج" سوبر ستار" في الشارعين الاردني والسوري للتعمية على قضايا سياسية وامنية واقتصادية حساسة سببت للنظامين خلال الاشهر التي اعقبت سقوط بغداد قلقا زائدا لناحية الدور الذي لعبه النظامان في سقوط بغداد.


النظامان السوري والاردني ركبا عربة نجاح رويدا وديانا ليس بسرقة النجاح ونسبته الى جلالة الملك وفخامة الرئيس فحسب وانما ايضا لالهاء الشعبين في سوريا والاردن عن قضايا داخلية وخارجية هامة يعاني منها الشعب العربي في البلدين ولا يمكن فهم تفرغ الفضائية الاردنية ليومين كاملين لهذا الانتصار الساحق على العدو السوري  بغير فهم خلفية النظامين السياسية .


قبل اعوام لبيت دعوة فنان سوري معروف وقمت بزيارة دمشق لحضور فعاليات معرض الكتاب وخلال تجولي في المدن السورية لاحظت ان دور السينما الشعبية (سينما درجة ثانية) تعرض افلاما جنسية هابطة من انتاج كوريا وتايوان وكانت بوسترات هذه الافلام وملصقاتها تملأ الشوارع وقاعات السينما وتظهر صورا لمشاهد الاغتصاب والجنس والعنف في هذه الافلام لجذب المشاهدين السوري وبالتحديد المراهقين الى دور السينما وقد حرصت ان ادخل دارين للسينما في مدينتين مختلفتين فوجدت ان الجمهور كله من المراهقين الصغار واكثرهم من الهاربين من المدارس او من المتشردين وكانت دور السينما توفر لهم السجائر ولم تكن هناك اية ضوابط تتعلق باعمار المسموح لهم بدخول هذه النوعية من الافلام التي تخلو من اية قيمة فنية او فكرية والتي تتناقض تماما مع شعارات حزب البعث الحاكم.


هل هذه مصادفة ام هو تقصير من مؤسسة السينما السورية واجهزة الرقابة في وزارة الاعلام ام هي سياسة مقصودة يراد منها الهاء الشباب وحرفهم عن الاهتمام بالشأن الوطني والساسي ؟!


الكتاب والادباء السوريون الذين التقيت بهم رجحوا التفسير الثالث وزادوا عليه ان هناك عملية ممنهجة لتخريب الشعب السوري وافساد الشباب وتحويل المجتمع كله الى مجتمع استهلاكي لصالح الفئة المنتفعة المسيطرة التي اكتنزت ذهبا وفضة والتي تجني الملايين من شراء افلام جنسية هابطة كهذه بأسعار رخيصة يعود عليهم بالملايين يدفعها الطلبة والمراهقون من مصروفاتهم المدرسية .


الحكاية في الاردن لا تختلف فالتوجه الرسمي في البلدين المتجاورين الصديقين اللدودين واحد وهو الهاء الشباب والمجتمع والتعمية على الشأن العام بكل مافية من مظاهر فساد وانحراف.


بعد مجازر ايلول في الاردن وبعد ان اكتشف الملك حسين ان الشباب الاردني كان ينخرط في صفوف المقاومة ومعسكرات الشبيبة في الاغوار للتدريب على السلاح نزلت الى دور السينما الاردنية افلام جنسية مكشوفة كانت ممنوعة من العرض كاملة حتى في مواطنها وبدأت الموجة بفيلم (عشيقة ابنها) الذين يتضمن مشاهد جنسية كاملة بين شاب وامرأة عجوز تبين انها امه ثم فيلم (لماذا ومتى ومع من) الذي يتضمن عمليات جنسية كاملة.


هذا الانفتاح على افلام الدعارة في الاردن - بعد مجازر ايلول - واكبه انشاء "مراكز الشباب" وهي مراكز تعنى بالشأن الرياضي والترفيهي وهما امران لا يزال النظام في الاردن يعنى بهما وينفق عليهما ملايين الدنانير الاردنية رغم انتشار البطالة في صفوف الشباب الاردني وتحظى هذه النشاطات بتغطية اعلامية موسعة تنسي الشعب الاردني جرائم السطو على البنوك التي يقوم بها الكبار وعمليات الفساد التي اصبحت تمارس في وضح النهار دون خجل وارتفاع الضرائب وغلاء المعيشة وتغول اجهزة الامن وتكريس الشعارات الاقليمية والعنصرية.


ما حدث مؤخرا في عمان ودمشق جاء ترجمة حقيقية لواقع الحال ولولا لحسة ذوق لاشتبك الجيشان على طرفي الحدود لحسم المعركة بين ديانا ورويدا على الطريقة العربية بعد ان وجه السوريون واللبنانيون الاتهامات لشركات المحمول الاردنية بالتزوير التي اخرجت الشاب اللبناني ملحم من المسابقة ولم يطيب خاطره الا الرئيس لحود الذي استقبله في قصره وتم محاصرة السفارة الاردنية في بيروت بقوات امنية لمنع الاعتداء عليها بعد خروج مظاهرات غاضبة في بيروت وجهت الاتهامات للملكة رانيا بالايعاز الى شبكات الانترنيت في الاردن بالضغط على موقع التصويت للحيلولة دون التصويت لرويدا عطية كما ذكرت وكالة الانباء الفرنسية بل وقيل ان الملك والملكة اقاما غرفة عمليات لادارة الحرب في اليوم الاخير وان الخروج الى الشوارع وتعطيل المدارس والمؤسسات الحكومية قد تم بايعاز من الملك وقيل ايضا ان الطرف الاردني الرسمي كان وراء ارسال ام ديانا الى بيروت لتظهر في صور عائلية خلافا للسورية رويدا التي تبين انها على خلاف مع امها وهي معلومات روجها الجانب الاردني ... والطريف ان التلفزيون الاردني كان يقدم خبر انتصار ديانا باناشيد حماسية تظهر فيها دبابات وطائرات عسكرية حتى ليظن المشاهد ان الجيش الاردني الباسل قد عاد من مهمة تحرير القدس التي هرب منها و سلمها دون قتال عام 1967م.


النظامان السوري - الذي سلم الجولان- والاردني - الذي سلم الضفة الغربية والقدس- انتصرا يوم امس في معركة الطرب الاصيل وانفقا ملايين الدولارات على شاشات العرض الضخمة والبوسترات وبرامج البث الفضائي المباشر الذي انسانا معاناة الشعب السوري في الجولان المحتل والشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة وهو بث متواصل انتهى من مهرجانات جرش والفحيص واللاذقية ليدخلنا في مهرجانات سوبر ستار ولا ندري ما هو البرنامج الالهائي القادم لكنه قطعا لا يمت بصلة الى الوطن المحتل الذي اصبح يعيش على هامش الذاكرة العربية.