|
* كتب زهير جبر
ماذا بعد الملك فهد" مستقبل الحكم في السعودية" هو عنوان الكتاب الذي وضعه س
هندرسون باللغة الانجليزية واعتبر من اهم الكتب التي تتناول مستقبل الصراع على
الحكم في السعودية بعد وفاة الملك فهد .
في هذه الصفحات يتناول المؤلف عهد الملك سعود والصراع الذي دار بينه وبين فيصل
فيقول:
كان قرار تعيين سعود ملكاً قراراً غريباً في العديد من أوجهه، ولعله عكس القلق
حول العائلة الحاكمة أكثر من الثقة بها ومنذ مطلع العام 1933 حين سمي ولياً
للعهد، إتضح أن الصفات القيادية في شخصيته أدنى من تلك التي يتمتع بها شقيقه
فيصل، الأصغر منه مباشرة. وحين توفي إبن سعود إنكشف الفارق بين الرجلين أكثر
فأكثر، وعلق مصدر على ذلك بالقول: "سعود معروف بأمر واحد: انه لا ينفع في شئ".
ولأنه مبذر مشهور، فقد إحتفل سعود بتوليه العرش عن طريق هدم قصر منيف فاره
وبناء قصر آخر بدلاً عنه... أكثر رفاه وبهرجة.
وسرعان ما تراكمت التحديات في وجهه، ولم تكن إقتصادية أساساً بقدر ما عكست
الإضطراب السياسي في المنطقة. ولم يدرك سعود أن إسقاط ملك مصر وصعود جمال عبد
الناصر كقائد شعبي في عام 1952 هو تهديد للعروش الملكية العربية الأخرى مثل
عرشه، ولكنه إعتبر الحدث مجرد طريقة في الثأر من شرور الإمبريالية البريطانية
والفرنسية. ولقد وقع اللوم على واشنطن في إقامة دولة إسرائيل، في حين بادرت
لندن إلى منع السعودية من إسترداد واحة بريمي الواقعة على حدود ما يعرف اليوم
بإسم الإمارات العربية المتحدة وعُمان.
وفي عام 1955 إنضم الملك سعود إلى مصر وسورية في موقف موحد ضد حلف بغداد، وهو
التحالف الذي قادته بريطانيا وجمع تركيا والعراق والباكستان، وهدف إلى وقف
إمتداد النفوذ السوفييتي إلى الشرق الأوسط. وفي عام 1956 وقف سعود إلى جانب مصر
إثر العدوان البريطاني ـ الفرنسي على قناة السويس. ولكي يزيد الطين بلة، ناور
سعود داخلياً لوقف خلافة فيصل للعرش، حين هندس تقديم إبنه محمد لوراثته.
وفي آذار (مارس) 1958 كان الكيل قد طفح بباقي أفراد الأسرة الحاكمة، فدعوا إلى
نقل كامل لمسائل السياسة الداخلية والخارجية والمالية إلى ولي العهد فيصل، رغم
أنهم لم يطالبوا سعود بالتنازل عن العرش. وبعد ذلك بيومين جرى إعلان نقل
السلطات من إذاعة مكة. وفي الشهر التالي أصدر فيصل بلاغاً حول السياسة الخارجية
الجديدة، وأعلن التقارب مع بريطانيا وفرنسا، ورسم خطة عمل لمجلس الوزراء. وفي
شهر أيار (مايو) إكتشف أن الخزينة شبه مفلسة، الأمر الذي يوجب تخفيض الموازنات
وتعليق المبالغ المستحقة في ديون الدولة لإستعادة التوازن المالي. وفي حزيان
(يونيو) منع فيصل إستيراد السلع الكمالية.
في أثناء ذلك أثار مسار هذه الأحداث حنق سعود، فقرر إستعادة السلطة. ولقد
إستفاد من سياسة فيصل في التقشف الإقتصادي وإستخدم أمواله الخاصة لبناء مشاريع
تجذب انتباه القبائل، وفي الوقت ذاته شجع الاصلاح حين طرح صيغة للتمثيل
الحكومي. وفي كانون الأول (ديسمبر) 1960 تآكل دعم فيصل إلى درجة إضطراره لتقديم
إستقالته، فشكل سعود مجلس وزراء جديد وسمى نفسه رئيساً للمجلس. وعين شقيقه طلال
وزيراً للمالية، لكنه إستقال بعد أشهر قليلة حين أدرك أن سعود لم يكن ـ مثله ـ
مهتماً كثيراً بالتغيير الدستوري. وبعد مرور عام، وبضغط من كبار أبناء العائلة
المالكة، وافق سعود على إعادة فيصل إلى السلطة أثناء غيابه في الخارج للعلاج
الطبي. وكان فيصل غير مستعد لخسران موقعه السياسي.
لكن فوضى آل سعود تواصلت في اعين السعوديين. الأمير طلال أعلن وقوفه مع عبد
الناصر بصراحة، وذلك حين هنأه بتجريب مصر لصاروخ بعيد المدى. ورغم تصريح عبد
الناصر، القائل بأن تحرير القدس يمر بتحرير الرياض، فإن طلال ضم إليه في
القاهرة شقيقيه بدر وفواز وإبن عم ثالث. في الرياض أعلن شقيقه عبد المحسن دعمه
لتحالف أخوته مع جمال عبد الناصر، وساند دعوة طلال إلى تأسيس ديمقراطية دستورية
ضمن الإطار الملكي في السعودية.
وفي غضون ذلك إستفاد فيصل من تدهور صحة سعود، فقوى مواقعه، وفي آذار (مارس) سنة
1962 عين فيصل الشيخ أحمد زكي يماني وزيراً للنفط، وبعد أشهر قليلة إستبدل
أبناء سعود ببعض أبنائه في مجلس الوزراء. وفي نهاية عام 1963، وأثناء تولي فيصل
لمقاليد الحكم في إحدى غيبات سعود، بات واضحاً للجميع أن الملك يشك أكثر فأكثر
في إمكانية استعادته للسلطة التامة من جديد.
وفي آذار (مارس) 1964 إفتعل فيصل أزمة في الرياض حين أصدر إنذاراً (سلمه المفتي
الأكبر) بأنه ينوي الإحتفاظ بالسلطة، وطالب سعود بقبول هذا الوضع. لكن سعود رفض
ذلك، وعبأ حرسه الملكي، فرد فيصل بتوجيه أمر إلى قوات "الحرس الوطني" الأقوى
عدداً وعدة، وطلب منها العمل على إستسلام قوات سعود. وإستسلم الحرس الملكي
وأصدر العلماء فتوى بنقل السلطات التنفيذية إلى فيصل في الوقت الذي تركوا فيه
لسعود حق البقاء ملكاً. وبعد ثمانية أشهر خلع نفسه واقسم يمين الولاء لفيصل.
ولم يعين فيصل ولياً للعهد حتى ربيع عام 1965. وكان المنافس الواضح لهذا المنصب
هو محمد، التالي في أقدمية السن، لكنه إعتبر غير صالح بالنظر إلى سوء سلوكه
وإدمانه على الخمر . كذلك يقال بأن محمد لم يكن مهتماً بالوظائف الإدارية
والألقاب الملكية، فبادر بدوره إلى التنازل بعد بضعة أسابيع من تولية فيصل.
وكان خالد هو التالي بعد محمد، فهو شقيقه وأصغر منه بسنتين. وعلى العكس من
أشقائه، كان خالد شخصاً هادئاً ورجل مصالحة داخل الأسرة، بالرغم من عزوفه عن
الحكم. وكانت الحاجة ماسة لهذا الدور بعد شقاقات وصرعات عهد سعود . وظلّ فيصل
رئيساً لمجلس الوزراء، لكنه منح لقب نائب رئيس مجلس الوزراء إلى خالد.
بلغ عهد فيصل نهاية مفاجئة في آذار (مارس) 1975، حين قتل بالرصاص على يد إبن
اخيه البالغ من العمر 22 عاماً، ويدعى فيصل بدوره، وهو إبن لأخ غير شقيق يدعى
مساعد. وكان فيصل بن مساعد قد قصد ديوان الملك بذريعة الإجتماع معه، وأطلق عليه
ثلاث رصاصات عن قرب. إحدى الطلقات مزّقت شرياناً في عنق الملك، فمات خلال ساعة.
ولعل الأمير، الذي درس في الولايات المتحدة الامريكية، أراد الإنتقام لموت
شقيقه خالد المتعصب دينياً، والذي قتلته الشرطة السعودية عام 1965 أثناء مظاهرة
ضد إدخال التلفزة إلى المملكة، الأمر الذي اُعتُبر مخالفة للإسلام.
وتضاعفت صدمة وفاة فيصل بحقيقة أن القاتل ينحدر من الأسرة الحاكمة. وعلم
السعوديون بالخبر من مذيع راديو الرياض الذي أجهش بالبكاء وهو يعلن النبأ. وفي
اليوم ذاته صدر بلاغ لاحق يعلن أن خالد أصبح ملك السعودية.
ولم يكن تعيين فهد ولياً للعهد بالأمر اليسير، إذ كان يسبقه في الولادة شقيقان
هما ناصر بن عبد العزيز وسعد بن عبد العزيز. ورغم أحقيتهما في العرش، فقد كانا
مرشحين ضعيفين. في مقابل ذلك كان فهد قد عمل وزيراً للتربية منذ عام 1953 وحتى
عام 1960 ووزيراً للداخلية منذ عام 1962 وحتى عام 1968، وكسب خبرة جوهرية وذاع
صيته كتكنوقراطي ناجح، وهما أمران تحتاج إليهما المملكة الآخذة في ثراء متزايد.
إضافة إلى ذلك خدم فهد كنائب ثانٍ لرئيس مجلس الوزراء منذ عام 1968، وكان نائب
فيصل الفعلي بالنظر إلى أن منصب خالد كنائب أول لرئيس الوزراء كان شكلياً
وتشريفياً.
والحق أن أوراق قوّة فهد كانت كثيرة إلى درجة أن بعض الدبلوماسيين في جدّة
إعتقدوا أن فهد سيصبح الملك وأن العائلة الملكية ستتجاوز خالد تماماً، لكنهم
أساءوا تقدير حسّ الوحدة داخل عائلة آل سعود. اللاعب الأساسي هنا كان الأمير
محمد، الذي جرى تجاوزه من قبل، والذي إجتمع مع خالد وبقية الأخوة في الرياض في
تلك الأمسية. وإذ بادر إلى تحية خالد، أردف بإعطائه البيعة، ثم إلتفت إلى فهد
وبايعه كولي للعهد. وبذلك أعاد محمد تأسيس خط الخلافة الذي لم يعترض عليه أي من
الأخوة. والواقع أن ناصر وسعد كانا الأميرين التاليين في إعطاء البيعة.
لم يكن بالأمر المفاجئ أن يكون عهد خالد بعيداً عن الديناميكية. وكانت مقادير
الحكم ـ وبينها سقوط شاه إيران في كانون الثاني (يناير) 1979 وإستيلاء غلاة
المتدينين على الحرم الشريف في مكة في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ذاته ـ
بيد فهد أساساً، سيّما وإنه إحتفظ بلقب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء لكنه
في واقع الأمر كان رئيس الوزراء الفعلي.
لكن تعيين عبد الله، قائد الحرس الوطني والتالي في خط الخلافة نظرياً، كنائب
ثانٍ لرئيس الوزراء أطلق الجدل داخل العائلة حول درجة تكريس سلطة فهد رسمياً.
وفي عام 1977 تنامت مخاوف حقيقية حول صحة خالد وسرت شائعات قوية حول ضرورة
إعتزاله .
وباتت مسألة إعطاء عبد الله مزيداً من السلطات كولي عهد مؤجل ذات صلة بالجدل،
ومال بعض الأمراء إلى تفضيل سلطان ـ شقيق فهد الأكبر سناً بعده ـ سيّما وأنه
عمل وزيراً للدفاع والطيران منذ عام 1962. بيد أن عبد الله بدا مصمماً على
الإحتفاظ بمنصب قائد الحرس الوطني، مدركاً أن العكس سيجعل سلطان ـ بوصفه وزيراً
للدفاع ـ قادراً بالمعنى المادي على منعه من الخلافة. ويذكر أحد التقارير أن
250 أميراً إجتمعوا في الرياض بتاريخ 16 آب (اغسطس) 1977 لمناقشة هذه القضية.
وفي هذا الاجتماع قيل آن فهد عرض تعين عبد الله ولياً للعهد إذا تخلى الأخير عن
قيادة الحرس الوطني لصالح الأمير سلمان (أحد أشقاء فهد من أبيه وأمه)، أو إدخال
فصائل الحرس في الجيش النظامي بقيادة سلطان. ورفض عبد الله هذا العرض، وبقيت
مسألة خط الخلافة غير محسومة. وعند وفاة خالد في أيار (مايو) 1982، أعلن كبار
الأمراء بقيادة الأمير محمد تسمية فهد ملكاً، وقام هذا الأخير بتسمية عبد الله
ولياً للعهد في اليوم ذاته.
حين بادر خالد إلى تعيين عبد الله نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، كان بذلك
يسجل إقراراً بسيطاً بحق الأخير في العرش. لكن فهد واجه مشكلات أكبر عندما أصبح
ملكاً. ولقد سمى سلطان نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، في خطوة خلقت مخاوف
متجددة لدى الأخوة غير الأشقاء. وكما هو حال الأخوة الآخرين الخمسة (أو "السبعة
السديريون" كما يطلق عليهم)، عُرف عن فهد وسلطان الطموح والجسارة مما جعل أبناء
إبن سعود الآخرين يقلقون على فرصتهم في الجلوس على العرش إذا إحتفظ السديريون
بالخلافة ونقلوها إلى أبنائهم.
ولقد أثيرت بعض المعارضة حول تسمية سلطان نائباً ثانياً لرئيس الوزراء، إذ كان
أمامه إثنان من أخوته يسبقانه في خط الخلافة. إحتجاجات مساعد ظلّت بلا طائل لأن
إبنه إغتال الملك فيصل. ولكن كان من الصعب تجاهل مصالح بندر، المولود سنة 1923
مثل عبد الله. وبندر لم يكتف بحقه في أن يكون التالي في الوراثة، بل أراد وزارة
الدفاع أيضاً. ولقد نشب نزاع عائلي، ورفض طلبه في تولي وزارة الدفاع على أساس
إنعدام خبرته الإدارية.
وتعويضاً له عن هذا الرفض عُيّن إثنان من أبنائه في مناصب رفيعة .
صيرورة إتخاذ القرارات في المملكة العربية السعودية تظل غامضة، وذلك بالرغم من
التحليل المستمر الذي يقوم به الدبلوماسيون والمسؤولين عن شركات النفط
والأخصائيون العسكريون وسواهم. أما العارفون ببواطن الأمور فيعتقدون أن عدد
وهوية الأمراء والمشاركين من غير العائلة الملكية في عملية القرار مسألة تتفاوت
بين قضية وأخرى، مع وجود قرارات هامة لا يتخذها سوى الملك وحين يدرك وجود إجماع
حولها. وحين يكون هذا الإجماع خادعاً أو غير تام، فإن القرارات تؤجل ببساطة،
ويدين هذا النظام بأصوله إلى الطريقة التقليدية لإتخاذ القرارات في قبائل البدو
العرب الرحّل، أو ما يسمى "البدو ـ قراطية"، حيث يتشاور الشيخ مع عقلاء العشيرة
الأكبر سناً. والصيرورة لا تنطوي على المساواة، ولكنها عموماً تضمن الولاء
والإذعان بدل الإحتجاج والتمرد.
ولكن الخلافة قرار خاص لا يحتمل التأجيل الطويل. ورغم أن ولي العهد والوريث
الجلي قادر على تسلّم مقاليد الحكم مباشرة، فإنه ـ للغرابة ـ عاجز عن تأكيد
صيرورة الوراثة ذاتها. وبالمعنى النظري يبدو باقي أفراد الأسرة الملكية على
الدرجة ذاتها من العجز، بالنظر إلى الدور المعروف والراسخ الذي يلعبه علماء
الدين.
يقتضي العرف أن يعتمد أي ملك سعودي جديد على الأمراء الآخرين لتوطيد موقعه،
وذلك باللجوء إلى اداء قسم الولاء. ويتوجب على العلماء، عند ذلك، إعلان الملك
إماماً، ولا يتم ذلك إلاّ على قاعدة الإفتاء بأن الخلافة شرعية. وموافقة
الزعماء الدينيين لا تسبغ على الخلافة شرعية مرتكزة إلى قواعد دينية فحسب، بل
تخدم كتذكرة بالعلاقة التاريخية الوثيقة بين بيت سعود والطائفة الوهابية.
وثمة، نظرياً، خطر إستقلال العلماء بأحكامهم، وإصدارهم فتوى تحول الزعامة
بعيداً عن خط الخلافة المعتاد، لكن هذا الإحتمال لم يحدث أبداً. والعلماء
المكلفون بإصدار الفتوى يعيّنهم الملك في المجلس الديني الأعلى، ولم يسبق لهم
أن إتخذوا رأياً مستقلاً عن رغبات كبار أعضاء الأسرة الملكية. ولعل الملك سعود
إقترف خطأ حين أهمل تعيين عدد كاف من العلماء الموالين له، إذ كان سيتفادى
الفتوى التي صدرت ضده في عام 1964 وأسبغت الشرعية على قرار تنحيته.
وبذلك ينصبّ خيار الملك على توطيد العائلة الملكية، بالرغم من أن الأفراد
المعنيين والحجم النسبي لعملية "التصويت" مسألة متباينة في الجوهر.
حين إختار إبن سعود أكبر أبنائه سعود ليكون ولياً للعهد في عام 1933، كان هذا
الأخير وريثاً واضحاً منذ عام 1919 إثر وفاة تركي (الذي يسبقه في الولادة) في
جائحة أنفونزا. وبينما بدا منح اللقب إلى سعود بمثابة تحصيل حاصل، كان قرار إبن
سعود بتسمية فيصل ولياً للعهد بعد سعود أكثر تعقيداً. فهذا القرار لا يكتفي
بالتشديد على إنتقال الخلافة من أخ إلى آخر بين أبنائه، بل يراد منه دفع
إنتقادات أبناء الأسرة الآخرين، الذين إعتبروا سعود ملكاً ضعيفاً، والإيحاء بأن
مقاليد الحكم ستكون جزئياً في يد فيصل الأقدر والأقوى. ومن المرجح أن يكون
الأمراء الذين أبدوا مخاوف من تسلّم سعود للعرش هم أخوة إبن سعود: محمد بن عبد
الرحمن، سعود، عبد الله، وسعد. ولأنهم أكبر سناً من سعود (الذي كان في عامه
الواحد والثلاثين سنة 1933) ومن فيصل (29 عاماً آنذاك)، فقد زعموا إمتلاك حكمة
السن ورشاد الرأي والتجربة، ما يفتقر إليه الأبناء.
وفي نهاية الأمر لعب عبد الله بن عبد الرحمن، شقيق إبن سعود، الدور الهام في
تنحية سعود وإستبداله بفيصل في سنوات الأزمة بين 1953 و1964، وذلك حين ضمن
إصدار العلماء لفتوى تنحية سعود. ولكن الأصوات الحاسمة والكفيلة بضمان تأييد
الأمراء الآخرين جاءت على يد ثلاثة من أبناء إبن سعود: محمد، فهد ، وعبد الله.
وكان هذا هو الحال عند إغتيال فيصل، حين سارع شقيقه محمد برد جميع الحجج القوية
حول عدم كفاءة خالد للعرش، رغم أن العائلة تجاوزت محمد صاحب الحق في العرش بعد
فيصل.
وحين أصبح فهد ملكاً في عام 1982 كان جميع أخوة أبيه قد ماتوا. ولكن توجب الآن
إدراج موافقة أبناء فيصل، الملك الوحيد الذي يجمعون على إحترامه بعد وفاة
والدهم. ويشير مصدر مطلع إلى أن الأمير سعود الفيصل طرح آراء أبناء فيصل في
إجتماع العائلة المكرس لأداء قسم البيعة لفهد وتسمية عبد الله ولياً للعهد.
ويبدو أن أحداً لم يطلب من الأمير فيصل إبداء الرأي مباشرة، ولكنه تواجد في
الإجتماع ليبرهن أن آراء أبناء فيصل أخذت بعين الاعتبار. ومع ذلك، شكل هذا
الحدث إختراقاً بالغ الدلالة: لقد فتح الباب أمام تدخل مستقبلي أعمق لأحفاد إبن
سعود في مسألة إختيار الملك وولي العهد.
والعديد من الأعمال الرصينة حول المملكة العربية السعودية تشير إلى هيئة معنية
بإتخاذ القرارات تعرف بإسم المجلس الملكي، أو "أهل العقد والحل". والواقع أن
هذه المجموعة تبدو أقرب إلى هيئة غير رسمية مؤلفة من كبار وأهم الأمراء، يتراوح
فيها حجم التصويت الفردي حسب السن، أو وثوق العلاقة، أو المنصب الحكومي .
ومع وفاة جميع أخوة فهد الأكبر منه سناً (آخرهم، سعد، توفي في تموز/ يوليو
1993)، فإن كتلة تصويت أبناء إبن سعود تقارب اليوم 26 عضواً فقط. لكن معظم هذه
الأصوات غير ذي شأن، إذا اعتمد المرء على وقائع التاريخ السعودي. وما دام عبد
الله متمتعاً بصحة عقلية سليمة، فسيظل قادراً على الفوز بقسم البيعة، سواء بقوة
الشخصية أم بقوة تحدي منافسه الرئيسي سلطان على قاعدة عدم إفساد توازنات
الخلافة. وبالنسبة إلى سلطان، ليس من المستبعد أن تقعده صحته المتدهورة عن
الإنخراط في التحدي.
|