* كتب زهير جبر
ماذا بعد الملك فهد هو عنوان الكتاب الذي وضعه س هندرسون باللغة الانجليزية واعتبر من اهم الكتب التي تتناول مستقبل الصراع على الحكم في السعودية بعد وفاة الملك فهد .

العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعودية، وهي واحدة من حليفات الولايات المتحدة الأهم في الشرق الأوسط، تتجه نحو أزمة حادة في القيادة فبالرغم من البنية التحتية الحديثة، التي سُددت نفقاتها من العوائد الضخمة الناجمة عن تصدير النفط، ظلّ نظام المملكة السياسي يضرب بجذوره في البُنى القبلية التي لم تعرف تطوراً يذكر خلال مئات السنين. وعشيرة آل سعود تحكم قبضتها على مقدرات البلاد، إلى درجة أنها تكاد تنفرد عن جميع أمم العالم في إدخال إسم العشيرة على اللقب الرسمي للدولة.
حكم الملك فهد (من مواليد 1921 ) بدأ قبل إثنتي عشرة سنة، واتسم بأطور من الرفاه والبذخ والإنضباط الضريبي مؤخراً. ولكن الرجل في الثالثة والسبعين من عمره، ومحاولاته منذ عام 1991 لتكريس إرث ما لإطار سياسي أكثر تحديثاً، ولمنبر أعرض من التشاور السياسي، أثارت من الأسئلة حول الخلافة أكثر مما طرحت من إجابات. وصيرورة الخلافة نظام غائم ينطوي على إنتقال العرش وفق تسلسل الأخوة الأكثر من حول الملك فهد، في حين يراقب أبناء الجيل الثاني بكثير من الضنى، ويتساءلون عن ضربة القدر التي قد تضع السلطة في أيديهم اوفي أيدي أبناء عمومتهم. ولي العهد الأمير عبد الله، والذي يُنتظر أن يتولى الحكم بعد وفاة الملك فهد، في السبعين من عمره. ويكاد جميع ملوك السعودية يتشابهون في أنهم بدأوا الحكم في الخمسينات أو مطلع الستينات من العمر، وماتوا جميعا في أوائل السبعين يضاف إلى ذلك أن سلطان، المرشح المحتمل بعد عبد الله، سيبلغ السبعين بدوره هذا العام. وأخوة سلطان الخمسة، الأصغر منه على التوالي، يتجاوزون جميعهم سن الستين.
المملكة، بالتالي، تواجه إحتمالات الإضطرار إلى تسمية ملك جديد كل سنتين أو ثلاثة. ولو كانت السعودية واحدة من الدول الهامشية، أو كان ملكها مجرد ممثل دستوري لعرش لا يتدخل في شؤون الحكم اليومية. فإن الأمر يهون. لكن ملك السعودية يتخذ جميع القرارات الهامة في البلاد، سواء بصفته الشخصية أو لأنه بمثابة الوزير الأول أو رئيس مجلس الوزراء.
وثمة تعقيد جديد راهن يتمثل في أن الملك فهد يبدي علامات متزايدة على تدهور صحي جسماني وعقلاني. وإذا واصل البقاء كملك بالإسم، فإن الإحتمال كبير في إنتقال مسؤوليات الحكم اليومية إلى أيدي الأخوة الأقرب في تسلسل الوراثة.
ويفترض عموماً أن تكون صيرورة الخلافة سهلة يسيرة، وذلك بإنتقال العرش من شقيق إلى شقيق على إمتداد الخط التسلسلي لأبناء عبد العزيز، مؤسس المملكة الذي يلقب عادة بإبن سعود. ولقد طبقت هذه الصيرورة من قبل في ظروف مختلفة متنوعة، كالموت يفعل الشيخوخة، أو التنحية عن العرش بسبب فقدان الأهلية، أو الإغتيال. لكن السجل التاريخي يثبت أن هذه السهولة الظاهرة تخفي صراعات محتدمة بين أبناء الأسرة الواحدة، وتخلف جروحاً متقيحة لا تندمل سنين طويلة. وفي الـ 250 سنة من هيمنة آل سعود على شبه الجزيرة العربية، قادت تلك الصراعات إلى حالات إنقطاع في حكم الأسرة.
وقد ينطوي المستقبل على تعقيدات في مسألة الخلافة، ناجمة عن تضارب مصالح أحفاد إبن سعود الذين إعترف الملك فهد بحقهم في العرش بموجب مرسوم ملكي صدر في آذار (مارس) 1992. وهؤلاء الأحفاد، ومعظمهم في أواسط العمر ويشغلون مناصب حكومية هامة، لا يتصرفون بعد ككتلة شرعية مستقلة، ولكن عُرف عنهم ضيقهم بالإفتراضات السائدة الآن حول صيرورة الخلافة. هذه هي مركزية السلطة التي يستأثر بها الملك، وتلك هي سلطات التعيين والتوريث، الأمر الذي يجعل المناورة على الخلافة المستقبلية جزءاً نشطاً راهناً من سياسة الأسرة الحاكمة.
والخلافة أو بالأحرى التنازع عليها، يمكن أن تؤثر كثيراً في الروابط الوثيقة في الولايات المتحدة ، وهي العلاقات الدولية الأكثر أهمية في حياة المملكة، فضلاً عن كونها واحدة من أخطر مسائل الإزدهار الإقتصادي في الولايات المتحدة . وبالنظر إلى إنطوائية وعزلة الأسرة الحاكمة وخوفها الدفين المعروف من الصدام الخارجي حرصاً على ديمومة الإمتيازات، فإن واشنطن لا تستطيع التأثير في الخلافة السعودية إلاّ على هامش الصيرورة الداخلية لإتخاذ القرارات في المملكة. وفي الإنتظار يتوجب على صانعي السياسة الامريكية إتخاذ الخطوات الضرورية إستعداداً من الإحتمالات الممكنة من صيرورة خلافة لا تكون نتيجتها مؤكدة على الدوام.
الفصل الأول
تاريخ الخلافة
تأسست الدولة الحديثة في المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز (ابن سعود) سنة 1932. وعند وفاته سنة 1953 كان قد أنجب أربعا وأربعين إبناً، عاش بعده منهم خمس وثلاثون. مأثرة الإنجاب هذه إقترنت بزواجه من إثنتين وعشرين زوجة، رغم أنه رسمياً لم يعقد نكاحه إلاّ على أربع نساء حسب الشريعة الإسلامية
أنظار العامة والعشيرة، كما تحجب عنها الحق في ولاية العهد بعكس الأسر الملكية غير الإسلامية في العالم. وحين توفي إبن سعود تولى العرش بعده إبنه الأكبر سعود، وسُمي فيصل ـ الذي يليه في السن ـ ولياً للعهد وريثاً صريحاً له.
وثمة خلاف حول ما إذا كان إبن سعود قد كون فكرة واضحة عن تعاقب الخلافة بعد سعود وفيصل، أو أنها ستنتقل بين أبنائه من أخ إلى أخ . وهذا الإجراء حري بإظهار درجة ما من الفخار بالذرّية، بيد أن الأدلة تشير إلى أن همّ إبن سعود إنحصر في تفادي تكرار الكوارث الاولى في عائلة آل سعود. وهو لم ينس لحظة واحدة كيف عولجت مشكلة الخلافة على نحو خاطئ طيلة أكثر من مئتي سنة من هيمنة عائلته على شبه الجزيرة العربية. ولقد حدث في مناسبات عديدة أن المشاحنات بين الأخوة وأبناء العم قادت إلى إضعاف قبضة آل سعود، كما أسفرت في مناسبات أخرى عن فقدان السلطة نهائياً.
الدولة السعودية الأولى
من منظورهم الخاص يرى السعوديون أن دولتهم أقدم من الولايات المتحدة ، وذلك بالرغم من إنقطاعات عارضة في الحكم، وحقيقة أنهم لم يبلغوا المفهوم الغربي عن الإستقلال السيادي إلاّ في هذا القرن. وكان إبن سعود، بوصفه مؤسس الدولة السعودية الحديثة، يردّ أصول أسلافه إلى أواسط القرن الخامس عشر حين وفدوا إلى المنطقة الوسطى من جزيرة العرب قادمين من منطقة الحسا شرقاً. وفي بداية القرن السابع عشر بات أجداده حكاماً محليين لمنطقة تقع حول مستوطنة الدرعية قرب مدينة الرياض الحديثة. والرجل الذي يعدّ مؤسس العائلة يُعرف بإسم سعود بن محمد ، الذي أعقبه ابنه محمد على المشيخة سنة 1725، وهو يوصف عادة بأول حاكم في سلالة آل سعود.
ويبدو أنه كان جديراً بالإسم. فبعد أن ذاع صيته كمحارب شديد المراس في الدفاع عن مشاتل نخيل الدرعية ضد مطامع البداة الغازين، أجار محمد بن سعود عالماً إسلامياً طُرد من قرية مجاورة بسبب دعوته إلى الإسلام المتشدد وإنتقاده للعادات المحلية. كان ذلك العالم هو محمد بن عبد الوهاب، ولاقى تفسيره الصارم للإسلام (المذهب الوهابي) هوى في نفس محمد بن سعود.
وتحالف الرجلان، ورسما خطة مشتركة، وبالزعامة القبلية وبأس القتال عند محمد بن سعود، والحماس الديني عند محمد بن عبد الوهاب، خطط الرجلان لحملات "جهادية" لفتح وتطهير جزيرة العرب. وكانت الإستراتيجية بسيطة: القتل أو الفرار الإجباري هو مصير الرافضين للتفسير الوهابي للإسلام. وتوطدت العلاقة عن طريق المصاهرة العائلية، بما في ذلك زواج محمد بن سعود من إحدى بنات محمد بن عبد الوهاب. وكان التحالف بداية لما يشار إليه اليوم بإسم الدولة السعودية الأولى.
وحين توفي محمد بن سعود سنة 1765، واصل محمد بن عبد الوهاب الحملة العسكرية القائمة على الغزوات القبلية، بمساندة إبن الشيخ المعروف بإسم عبد العزيز بن محمد. وانتهى الأمر بالرجلين إلى السيطرة على معظم المنطقة الوسطى من الجزيرة العربية (نجد) بما في ذلك بلدة الرياض التي تحولت اليوم إلى مدينة وعاصمة للمملكة العربية السعودية. وفي الجنوب الغربي تمكن حكام مكة، قبلة المسلمين وحاضنة الكعبة، من وقف الزحف الوهابي، في حين لجأت الكيانات القبلية في الشمال والجنوب والشرق إلى الرد على الوهابيين بغزوات مضادة.
وتوفي محمد بن عبد الوهاب سنة 1792، لكن عبد العزيز بن محمد واصل غزواته حتى إجتاح مدينة كربلاء (المقدسة عند الشيعة، والتي تقع اليوم في العراق) سنة 1802، كما اقتحم مكة سنة 1803. هذا النشاط المكلل بالنجاح أوغر الصدور، فاغتيل عبد العزيز سنة 1803 على يد مسلم شيعي (كما يرجح) أراد الثأر لإنتهاك وتخريب كربلاء، المدينة التي تحوي ضريح حفيد النبي. كذلك إستند سلطان القسطنطينية العثماني إلى موقعه الديني كسادن لمكة المكرمه، فكلف حاكم مصر محمد علي بتجنيد حملة لإستعادة مكة (التي سقطت في يد الوهابيين سنة 1805 ) والمدينة.
وفي وجه هذه الجبروت العسكري المتفوق فقد الوهابيون، بزعامة سعود بن عبد العزيز، السيطرة على المدينة سنة 1812 وعلى مكة سنة 1813. وتوفي سعود سنة 1814، وعقد إبنه عبد الله هدنة مع القوات العثمانية. وفي عام 1816 قام جيش مصري آخر بالإندفاع نحو منطقة نجد في وسط جزيرة العرب، وغزا الدرعية بعد سنتين، وأرسل عبد الله أسيراً إلى القسطنطينية، ثم أعدم بعد ذلك. وفي عام 1820 طالب مشاري، شقيق عبد الله، بالحق في العرش، لكن السعوديين يجمعون على أن الدولة السعودية الأولى إنتهت بوفاة عبد الله.
الدولة السعودية الثانية
في عام 1824 تمكن تركي، ابن أمير آخر يدعى عبد الله هو أحد أخوة عبد العزيز، من طرد المصريين خارج نجد وإحتلال الرياض. وتراجع المصريون إلى منطقة الحجاز على سواحل البحر الأحمر، التي تضم أيضاً مكة والمدينة. لكن مطالبة تركي بالعرش إنقلبت إلى نزاع داخلي، فاغتيل سنة 1834 وخلفه إبنه فيصل جد إبن سعود. وحين عادت القوات المصرية سنة 1838 ألقي القبض على فيصل وأرسل أسيراً إلى القاهرة، ونصب المصريون خالد (شقيق عبد الله ومشاري) بدلاً عنه، لكن الأخير توفي عام 1841 فأعقبه عبد الله بن ثنيان حفيد أحد أشقاء محمد بن سعود، الذي حكم سنتين حتى فرار فيصل من الأسر وعودته من القاهرة سنة 1843 وإسترجاع سلطانه بمعونة قبيلة رشيد.
عهد فصل الثاني تميز بطوله (إذ دام إثنتين وعشرين سنة)، وبإستتباب النظام والرخاء الملحوظ . لكنه إقترن أيضاً بالفوضى العارمة التي سادت بعد وفاته سنة 1865، حين تشاجر إثنان من أبنائه على ولاية العهد: الأكبر، عبد الله، زعم لنفسه الحق في العرش، لكنه خسر موقعه لصالح شقيقه سعود سنة 1871 مما أدى إلى فقدان الأسرة لسيطرتها على معظم أرجاء وسط وشرق الجزيرة العربية حيث مارست نفوذها أساساً.
وعند وفاة سعود سنة 1875 آلت زعامة القبيلة مؤقتاً إلى أخ ثالث هو عبد الرحمن. لكن عبد الله إسترجع السلطة في العام ذاته، وإحتفظ بها حتى وفاته سنة 1889، حين عاد عبد الرحمن إلى زعامة القبيلة من جديد. وفي تلك الأثناء كانت قبيلة رشيد، التي حكمت حائل إلى الشمال الغربي من الرياض منذ عام 1835 وبناء على طلب فيصل، فقد وسعت سيطرتها على ما تبقى من أراضٍ سعودية بدعم من العثمانيين. وبعد سنتين من حكمه، وفي عام 1891، إضطر عبد الرحمن إلى الفرار مع أسرته إلى مشيخة الكويت المستقلة . وهذا الحدث يعتبر نهاية الدولة السعودية الثانية .
الدولة السعودية الثالثة
في عام 1902 بادر عبد العزيز (الملقب بإبن سعود، وإبن عبد الوهاب البالغ من العمر 22 عاماً) بقيادة مجموعة مؤلفة من خمسين مسلحاً غادروا الكويت ونفذوا غارة ليلية جريئة على الرياض أسفرت عن إستعادتها من قبيلة رشيد. ولقد خلع عبد الله نفسه حين أدرك أن إبنه هو الأحق بالعرش لأنه القائد الأكثر قدرة ونفوذاً.
لكن إستعادة السيطرة على الأراضي السعودية السابقة إنقلبت إلى عبء باهظ الثمن على إبن سعود. وفي السنوات اللاحقة لم ينجح سوى في طرد قبيلة رشيد المنافسة من منطقة قاسم الواقعة بين الرياض وحائل إلى الشمال الغربي. ولقت أثار تقدمه إعتراضات من داخل أسرة آل سعود ذاتها وبواسطة أبناء الأشقاء الكبار لأبيه، الذين ألقوا بثقلهم إلى جانب قبيلة رشيد. وفي عام 1906 ألقى إبن سعود القبض على ثلاثة منهم، لكنه لم يقتلهم بل قدم لهم المأوى والمقام وسط الأسرة. بيد أن محاولة قتله بالسم عام 1910 على يد أثنين من أبناء إخوته جعلته يدرك الطبيعة الخائنة المتماثلة لهذا الجانب من حياة الأسرة، فاستمر العصيان أكثر من ستة أعوام أخرى .
وتدعمت شوكة إبن سعود العسكرية عام 1912 حين أطلق حركة "الإخوان"، وهي أخوية دينية قائمة على أساس قبلي بدوي، وأسند إليها مهمة غزو جزيرة العرب باسم المذهب الوهابي. وسقطت منطقة الحسا الجنوبية سنة 1913، وبعدها بثلاث سنوات إستسلم سعود الكبير آخر وأقوى وجوه آل الرشيد. وكعادته في إستخدام أسلوبه الذي بات معروفاً، تحرك إبن سعود بسرعة لإستئصال شأفة المعارضة لدى قبيلة رشيد فتزوج من أرملة سعود بن رشيد وتبنى أطفالها وعقد السلام مع أقربائها. ثم أصدر عفواً كريماً عن سعود الكبير وزوّجه شقيقته الأثيرة نورا. ولقد كان هدفه من هذا الزواج سياسياً صرفاً، إذ أراد توحيد القبائل المتخاصمة من حوله وإلى جانبه تمهيداً لغزو الجزيرة.
وفي عام 1921 إستولت قوات إبن سعود على منطقة عسير اليمنية، واستردت السيطرة على منطقة حائل التي كانت بيد قبيلة رشيد. وقرب نهاية العام 1925 بسط الإخوان سيطرتهم على منطقة الحجاز، ومكنوا إبن سعود من حكم المدينتين المقدستين مكة والمدينة. ولقد أجبر حاكم الحجاز الشريف حسين على الفرار، لكن البريطانيين نصبوا ولديه عبد الله وفيصل في حكم الأردن والعراق إعترافاً للشريف حسين بفضل مساعدته لهم في الحرب ضد الأتراك العثمانيين.
وفي هذه الأثناء كان الإخوان يعملون دونما رادع أو وازع، إذ نفذوا سلسلة مجازر في الطائف سنة 1924 وفي نجد سنة 1929، وكانت غزواتهم تتوغل عميقاً في أراضي الأردن والعراق، المحميتين البريطانيتين. وتوصل إبن سعود إلى إتفاقات حدودية مع البريطانيين فرضها هؤلاء بإستخدام الطائرات المجهزة بمدافع رشاشة. وأدرك إبن سعود وجوب إتخاذ إجراء سريع لقمع الإخوان، وتم له ذلك في معركة السبيلة سنة 1929.
وبدءاً بعام 1927 أطلق إبن سعود على نفسه لقب ملك الحجاز ونجد وتوابعهما، لكنه في أيلول (سبتمبر) 1932 أعلن نفسه ملكاً للمملكة العربية السعودية.
الفروع الأصغر في العائلة
احدى موروثات هذا التاريخ تمثلت في إنبثاق سلسلة متنوعة من الفروع المختلفة في العائلة، تقع على مسافات متباينة من خط الوراثة الرئيسي، وبالتالي من السلطة. وكان أبرز نقاط قوة بيت سعود في هذا القرن هي قدرتهم على توحيد مختلف فروع العائلة حول الهدف العام لإدارة البلاد، وذلك بدلاً من التصارع الصريح حول أحقية هذا الفرع أو ذاك والمسار المفترض لخط الخلافة. رغم أن العديد من أفراد العائلة لا يلعبون أي دور في الحكم، فان وحدتهم ومساندتهم مسألة حاسمة في إدامة حكم آل سعود.
وثمة أهمية خاصة في عددهم الفعلي. والخط الرئيسي لآل سعود يعدّ المئات من الأفراد (سعود بن عبد العزيز وحده أنجب أكثر من خمسين ولداً)، لكن "الفروع الأصغر"، أو "الفروع المجاورة" كما يطلق عليها بعض الباحثين، تضاعف الرقم مرّات عديدة. وفي أواسط السبعينات كانت التقديرات تشير إلى نحو 20.000 .
آل سعود الكبير، نسل سعود الشقيق الأكبر لوالد عبد العزيز هم أبرز الفروع الأصغر، والفرع التالي الحامل للكنية العائلية. وفي العام 1903 أعلن إبن سعود هذا، ويدعى عبد العزيز بدوره، إعتراضه على أحقية عبد العزيز بن عبد الرحمن في الحكم. وبقي الخلاف قائماً حتى بادر إبن سعود إلى ترتيب زواج شقيقته نورا من سعود الكبير، أقوى وأبرز الأحياء في العشيرة. ومنذ ذلك الوقت أصبحت عشيرة سعود الكبير فرعاً نافذاً في العائلة السعودية الحاكمة، لكنهم مبعدون عن السلطة السياسية.
فرع آخر بنو جلوي، وهم نسل الشقيق الأصغر لفيصل، جدّ عبد العزيز. ولقد تحالف بنو جلوي مع إبن سعود لتطويق تهديدات عشيرة سعود الكبير. وخدم عبد الله الجلوي كنائب لإبن سعود في قيادة الجيش، وساعد على غزو المنطقة الشرقية من جزيرة العرب. فرع ثالث هو آل تركي، وهم نسل شقيق آخر لفيصل. فرع رابع هو آل ثنيان وينحدرون من أحد أشقاء محمد، الحاكم الأول في آل سعود، ويضيفون إلى شريعتهم عاملاً آخراً يتمثل في إنتسابهم إلى الأمير التاسع عبد الله. الفرع الخامس هو آل فرحان، وهم نسل واحد من أخوة محمد.
عشائر اخرى حاسمة
مجموعتان إضافيتان صاهرتا آل سعود وأصبحتا في عداد المجموعات الحاسمة الجديرة بالذكر. آل الشيخ هم نسل محمد بن عبد الوهاب الشيخ المؤسس للمذهب الاسلامي الوهابي المتشدد. ولقد جرى العرف على تقديم هذه الأسرة لفئة علماء الدين، ذات التأثير الحاسم في مسائل الشريعة والقانون والتربية، سواء كوزراء في الحكومة أو كأعضاء في المجلس الديني الأعلى.
وهم اليوم ينتشرون في مختلف الدوائر الحكومية وأجهزة الأمن والجيش.
رباط المصاهرة الأول حدث عند البدايات الاولى لنشوء الأسرة، حين وطد محمد بن سعود علاقته مع محمد بن عبد الوهاب بالزواج من إبنة الأخير، ثم تواصلت المصاهرة، وعلى سبيل المثال كانت والدة الملك الراحل فيصل تنتسب إلى آل الشيخ.
أما آل السديري فهم قبيلة عربية إرتبطت مع الأسرة الحاكمة عبر أحد شيوخها، وهو أحمد بن محمد السديري من أوائل مساندي إبن سعود، ولقد تزوج إبن سعود من حصة إبنة السديري، وأنجبت له سبعة أبناء (بينهم الملك الحالي فهد) يعرفون اليوم باسم ـ السبعة السديريون .
كذلك تزوج إبن سعود من سديريتين غير حصة: جوهرة بنت سعد وحيّة بنت سعد. وأبناء أحمد بن محمد السديري ـ ثم أحفاده اليوم ـ يشغلون مناصب حساسة كحكام ونواب حكام للأقسام الإدارية الفرعية من مناطق المملكة الثلاث عشرة.
وفاة إبن سعود
في الأيام الأولى من حكمه إعتاد إبن سعود على إسناد وظائف حكومية إلى أبنائه الأكبر سناً فقط، وذلك لتدعيم أركان عرشه. وهكذا كان إبنه فيصل وزيراً للخارجية منذ عام 1919، ثم أصبح حاكم الحجاز منذ عام 1926. وعند وفاة الإبن الأكبر تركي سنة 1919، تولى سعود (شقيق فيصل الأكبر) حكم منطقة نجد الوسطى عام 1932. لكن إبن سعود أسند العديد من الأدوار الأخرى إلى أبناء الفروع الأخرى من العائلة، والى أفراد من قبائل أخرى مثل آل السديري الذين ساندوه. ولقد توفر مرشحون كثر في هذه الشجرة العائلية الكثيفة، لكن الإختيار كان صعباً إذ تعين على إبن سعود ـ بوصفه الملك ـ نشر أقاربه في طول البلاد وعرضها بهدف بسط نفوذه، ولكن تعين عليه أيضاً عدم منحهم سلطات كافية لمنازعته في زعامته أو المطالبة بحق الخلافة.
ولقد توصل الملك الداهية إلى إقامة توازن محسوب في التوترات عن طريق بناء إجماع مستند إلى العرف البدوي في الديمقراطية القبلية، حيث يعقد الشيخ الإتفاقات مع رؤوس الأسر والأفخاذ المختلفة، الأمر الذي ما يزال يطبع عملية إتخاذ القرارات في المملكة اليوم (وهو التقليد الذي أطلق عليه سفير أميركي سابق لقب ـ "البدو ـ قراطية"). وفي عام 1933 نجح إبن سعود في تطويق جملة نزاعات نشبت بين أبنائه وبعض أقاربه عن طريق التصريح بأن فيصل سيكون ولي العهد حين يصبح سعود ملكاً. ولقد ساد الشعور بأن الولاء العائلي سيتحول إلى التركيز على الشراكة أكثر من الإلتفاف حول فرد بعينه. وإكتسب قراره الشرعية حين دفع إبن سعود مجلس العلماء إلى إعتماده.
وفي عام 1947 أشار طبيب أمريكي فحص إبن سعود إلى أنه يعاني من التهاب المفاصل، لكنه توقع له العيش لمدة تتراوح بين عشر إلى خمس عشرة سنة. بعد ثلاث سنوات ذكرت مجموعة أمريكية أخرى من الخبراء الطبيين انه يبدي المزيد من علامات الشيخوخة والخرف، وأنه بات ملزماً باستخدام الكرسي النقّال. لكن الرجل توفي في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1953، بعد ثمانية أشهر من نقله لبعض سلطاته إلى ولي العهد سعود وإلى مجلس وزراء. وفي يوم وفاته أعلن سعود ملكاً جديداً للمملكة العربية السعودية.
وعند وفاة إبن سعود كانت المملكة قد بدأت السير على طريق التحديث، ففي عام 1938 كانت شركة "ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا" قد إستخرجت النفط في أراضي المملكة، ثم تبعتها بعد ذلك شركة "تكساكو". وبينت الحرب العالمية الثانية دور النفط الحاسم في الإقتصاد العالمي، وفي عام 1948 شكلت شركة "ستاندارد أويل أوف نيوجرسي"، كما تسمى اليوم، وشركة "سوكوني ـ فاكوم"، أو "موبيل" اليوم، ما عرف آنذاك باسم "شركة النفط العربية ـ الامريكية" أو "أرامكو". وأسفر التوسع عن توفير منافذ أضافية لرأس المال والتسويق، وباتت المجموعة بمثابة المؤسسة الإستثمارية الأضخم خارج الولايات المتحدة .
لكن الأوان لم يحن لإنقلاب السعودية إلى دولة ثرية. وخلال السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية توجب على إبن سعود الإعتماد على بريطانيا في الحصول على المال والبضائع، كسلفة تسدد لاحقاً من عوائد النفط. وفي عام 1943 شرعت الولايات المتحدة في تقديم المساعدات المالية المباشرة، والبضائع، والسبائك الذهبية بقيمة 33 مليون دولار على مدى السنتين التاليتين. وفي عام 1945 جرى إعتماد صفقة مساعدات أخرى بقيمة 57 مليون دولار.
عهد سعود: سنوات الأزمة:
كان قرار تعيين سعود ملكاً قراراً غريباً في العديد من أوجهه، ولعله عكس القلق حول العائلة الحاكمة أكثر من الثقة بها ومنذ مطلع العام 1933 حين سمي ولياً للعهد، إتضح أن الصفات القيادية في شخصيته أدنى من تلك التي يتمتع بها شقيقه فيصل، الأصغر منه مباشرة. وحين توفي إبن سعود إنكشف الفارق بين الرجلين أكثر فأكثر، وعلق مصدر على ذلك بالقول: "سعود معروف بأمر واحد: انه لا ينفع في شئ". ولأنه مبذر مشهور، فقد إحتفل سعود بتوليه العرش عن طريق هدم قصر منيف فاره وبناء قصر آخر بدلاً عنه... أكثر رفاه وبهرجة.
وسرعان ما تراكمت التحديات في وجهه، ولم تكن إقتصادية أساساً بقدر ما عكست الإضطراب السياسي في المنطقة. ولم يدرك سعود أن إسقاط ملك مصر وصعود جمال عبد الناصر كقائد شعبي في عام 1952 هو تهديد للعروش الملكية العربية الأخرى مثل عرشه، ولكنه إعتبر الحدث مجرد طريقة في الثأر من شرور الإمبريالية البريطانية والفرنسية. ولقد وقع اللوم على واشنطن في إقامة دولة إسرائيل، في حين بادرت لندن إلى منع السعودية من إسترداد واحة بريمي الواقعة على حدود ما يعرف اليوم بإسم الإمارات العربية المتحدة وعُمان.
وفي عام 1955 إنضم الملك سعود إلى مصر وسورية في موقف موحد ضد حلف بغداد، وهو التحالف الذي قادته بريطانيا وجمع تركيا والعراق والباكستان، وهدف إلى وقف إمتداد النفوذ السوفييتي إلى الشرق الأوسط. وفي عام 1956 وقف سعود إلى جانب مصر إثر العدوان البريطاني ـ الفرنسي على قناة السويس. ولكي يزيد الطين بلة، ناور سعود داخلياً لوقف خلافة فيصل للعرش، حين هندس تقديم إبنه محمد لوراثته.
وفي آذار (مارس) 1958 كان الكيل قد طفح بباقي أفراد الأسرة الحاكمة، فدعوا إلى نقل كامل لمسائل السياسة الداخلية والخارجية والمالية إلى ولي العهد فيصل، رغم أنهم لم يطالبوا سعود بالتنازل عن العرش. وبعد ذلك بيومين جرى إعلان نقل السلطات من إذاعة مكة. وفي الشهر التالي أصدر فيصل بلاغاً حول السياسة الخارجية الجديدة، وأعلن التقارب مع بريطانيا وفرنسا، ورسم خطة عمل لمجلس الوزراء. وفي شهر أيار (مايو) إكتشف أن الخزينة شبه مفلسة، الأمر الذي يوجب تخفيض الموازنات وتعليق المبالغ المستحقة في ديون الدولة لإستعادة التوازن المالي. وفي حزيان (يونيو) منع فيصل إستيراد السلع الكمالية.
في أثناء ذلك أثار مسار هذه الأحداث حنق سعود، فقرر إستعادة السلطة. ولقد إستفاد من سياسة فيصل في التقشف الإقتصادي وإستخدم أمواله الخاصة لبناء مشاريع تجذب انتباه القبائل، وفي الوقت ذاته شجع الاصلاح حين طرح صيغة للتمثيل الحكومي. وفي كانون الأول (ديسمبر) 1960 تآكل دعم فيصل إلى درجة إضطراره لتقديم إستقالته، فشكل سعود مجلس وزراء جديد وسمى نفسه رئيساً للمجلس. وعين شقيقه طلال وزيراً للمالية، لكنه إستقال بعد أشهر قليلة حين أدرك أن سعود لم يكن ـ مثله ـ مهتماً كثيراً بالتغيير الدستوري. وبعد مرور عام، وبضغط من كبار أبناء العائلة المالكة، وافق سعود على إعادة فيصل إلى السلطة أثناء غيابه في الخارج للعلاج الطبي. وكان فيصل غير مستعد لخسران موقعه السياسي.
لكن فوضى آل سعود تواصلت في اعين السعوديين. الأمير طلال أعلن وقوفه مع عبد الناصر بصراحة، وذلك حين هنأه بتجريب مصر لصاروخ بعيد المدى. ورغم تصريح عبد الناصر، القائل بأن تحرير القدس يمر بتحرير الرياض، فإن طلال ضم إليه في القاهرة شقيقيه بدر وفواز وإبن عم ثالث. في الرياض أعلن شقيقه عبد المحسن دعمه لتحالف أخوته مع جمال عبد الناصر، وساند دعوة طلال إلى تأسيس ديمقراطية دستورية ضمن الإطار الملكي في السعودية.
وفي غضون ذلك إستفاد فيصل من تدهور صحة سعود، فقوى مواقعه، وفي آذار (مارس) سنة 1962 عين فيصل الشيخ أحمد زكي يماني وزيراً للنفط، وبعد أشهر قليلة إستبدل أبناء سعود ببعض أبنائه في مجلس الوزراء. وفي نهاية عام 1963، وأثناء تولي فيصل لمقاليد الحكم في إحدى غيبات سعود، بات واضحاً للجميع أن الملك يشك أكثر فأكثر في إمكانية استعادته للسلطة التامة من جديد.
وفي آذار (مارس) 1964 إفتعل فيصل أزمة في الرياض حين أصدر إنذاراً (سلمه المفتي الأكبر) بأنه ينوي الإحتفاظ بالسلطة، وطالب سعود بقبول هذا الوضع. لكن سعود رفض ذلك، وعبأ حرسه الملكي، فرد فيصل بتوجيه أمر إلى قوات "الحرس الوطني" الأقوى عدداً وعدة، وطلب منها العمل على إستسلام قوات سعود. وإستسلم الحرس الملكي وأصدر العلماء فتوى بنقل السلطات التنفيذية إلى فيصل في الوقت الذي تركوا فيه لسعود حق البقاء ملكاً. وبعد ثمانية أشهر خلع نفسه واقسم يمين الولاء لفيصل.
ولم يعين فيصل ولياً للعهد حتى ربيع عام 1965. وكان المنافس الواضح لهذا المنصب هو محمد، التالي في أقدمية السن، لكنه إعتبر غير صالح بالنظر إلى سوء سلوكه وإدمانه على الخمر . كذلك يقال بأن محمد لم يكن مهتماً بالوظائف الإدارية والألقاب الملكية، فبادر بدوره إلى التنازل بعد بضعة أسابيع من تولية فيصل.
وكان خالد هو التالي بعد محمد، فهو شقيقه وأصغر منه بسنتين. وعلى العكس من أشقائه، كان خالد شخصاً هادئاً ورجل مصالحة داخل الأسرة، بالرغم من عزوفه عن الحكم. وكانت الحاجة ماسة لهذا الدور بعد شقاقات وصرعات عهد سعود . وظلّ فيصل رئيساً لمجلس الوزراء، لكنه منح لقب نائب رئيس مجلس الوزراء إلى خالد.
اغتيال فيصل
بلغ عهد فيصل نهاية مفاجئة في آذار (مارس) 1975، حين قتل بالرصاص على يد إبن اخيه البالغ من العمر 22 عاماً، ويدعى فيصل بدوره، وهو إبن لأخ غير شقيق يدعى مساعد. وكان فيصل بن مساعد قد قصد ديوان الملك بذريعة الإجتماع معه، وأطلق عليه ثلاث رصاصات عن قرب. إحدى الطلقات مزّقت شرياناً في عنق الملك، فمات خلال ساعة. ولعل الأمير، الذي درس في الولايات المتحدة الامريكية، أراد الإنتقام لموت شقيقه خالد المتعصب دينياً، والذي قتلته الشرطة السعودية عام 1965 أثناء مظاهرة ضد إدخال التلفزة إلى المملكة، الأمر الذي اُعتُبر مخالفة للإسلام.
وتضاعفت صدمة وفاة فيصل بحقيقة أن القاتل ينحدر من الأسرة الحاكمة. وعلم السعوديون بالخبر من مذيع راديو الرياض الذي أجهش بالبكاء وهو يعلن النبأ. وفي اليوم ذاته صدر بلاغ لاحق يعلن أن خالد أصبح ملك السعودية.
ولم يكن تعيين فهد ولياً للعهد بالأمر اليسير، إذ كان يسبقه في الولادة شقيقان هما ناصر بن عبد العزيز وسعد بن عبد العزيز. ورغم أحقيتهما في العرش، فقد كانا مرشحين ضعيفين. في مقابل ذلك كان فهد قد عمل وزيراً للتربية منذ عام 1953 وحتى عام 1960 ووزيراً للداخلية منذ عام 1962 وحتى عام 1968، وكسب خبرة جوهرية وذاع صيته كتكنوقراطي ناجح، وهما أمران تحتاج إليهما المملكة الآخذة في ثراء متزايد. إضافة إلى ذلك خدم فهد كنائب ثانٍ لرئيس مجلس الوزراء منذ عام 1968، وكان نائب فيصل الفعلي بالنظر إلى أن منصب خالد كنائب أول لرئيس الوزراء كان شكلياً وتشريفياً.
والحق أن أوراق قوّة فهد كانت كثيرة إلى درجة أن بعض الدبلوماسيين في جدّة إعتقدوا أن فهد سيصبح الملك وأن العائلة الملكية ستتجاوز خالد تماماً، لكنهم أساءوا تقدير حسّ الوحدة داخل عائلة آل سعود. اللاعب الأساسي هنا كان الأمير محمد، الذي جرى تجاوزه من قبل، والذي إجتمع مع خالد وبقية الأخوة في الرياض في تلك الأمسية. وإذ بادر إلى تحية خالد، أردف بإعطائه البيعة، ثم إلتفت إلى فهد وبايعه كولي للعهد. وبذلك أعاد محمد تأسيس خط الخلافة الذي لم يعترض عليه أي من الأخوة. والواقع أن ناصر وسعد كانا الأميرين التاليين في إعطاء البيعة.
وفالة خالد: الإنتقال اليسير
لم يكن بالأمر المفاجئ أن يكون عهد خالد بعيداً عن الديناميكية. وكانت مقادير الحكم ـ وبينها سقوط شاه إيران في كانون الثاني (يناير) 1979 وإستيلاء غلاة المتدينين على الحرم الشريف في مكة في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ذاته ـ بيد فهد أساساً، سيّما وإنه إحتفظ بلقب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء لكنه في واقع الأمر كان رئيس الوزراء الفعلي.
لكن تعيين عبد الله، قائد الحرس الوطني والتالي في خط الخلافة نظرياً، كنائب ثانٍ لرئيس الوزراء أطلق الجدل داخل العائلة حول درجة تكريس سلطة فهد رسمياً. وفي عام 1977 تنامت مخاوف حقيقية حول صحة خالد وسرت شائعات قوية حول ضرورة إعتزاله .
وباتت مسألة إعطاء عبد الله مزيداً من السلطات كولي عهد مؤجل ذات صلة بالجدل، ومال بعض الأمراء إلى تفضيل سلطان ـ شقيق فهد الأكبر سناً بعده ـ سيّما وأنه عمل وزيراً للدفاع والطيران منذ عام 1962. بيد أن عبد الله بدا مصمماً على الإحتفاظ بمنصب قائد الحرس الوطني، مدركاً أن العكس سيجعل سلطان ـ بوصفه وزيراً للدفاع ـ قادراً بالمعنى المادي على منعه من الخلافة. ويذكر أحد التقارير أن 250 أميراً إجتمعوا في الرياض بتاريخ 16 آب (اغسطس) 1977 لمناقشة هذه القضية.
وفي هذا الاجتماع قيل آن فهد عرض تعين عبد الله ولياً للعهد إذا تخلى الأخير عن قيادة الحرس الوطني لصالح الأمير سلمان (أحد أشقاء فهد من أبيه وأمه)، أو إدخال فصائل الحرس في الجيش النظامي بقيادة سلطان. ورفض عبد الله هذا العرض، وبقيت مسألة خط الخلافة غير محسومة. وعند وفاة خالد في أيار (مايو) 1982، أعلن كبار الأمراء بقيادة الأمير محمد تسمية فهد ملكاً، وقام هذا الأخير بتسمية عبد الله ولياً للعهد في اليوم ذاته.
فهد يحاول تنظيم الخلافة
حين بادر خالد إلى تعيين عبد الله نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، كان بذلك يسجل إقراراً بسيطاً بحق الأخير في العرش. لكن فهد واجه مشكلات أكبر عندما أصبح ملكاً. ولقد سمى سلطان نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، في خطوة خلقت مخاوف متجددة لدى الأخوة غير الأشقاء. وكما هو حال الأخوة الآخرين الخمسة (أو "السبعة السديريون" كما يطلق عليهم)، عُرف عن فهد وسلطان الطموح والجسارة مما جعل أبناء إبن سعود الآخرين يقلقون على فرصتهم في الجلوس على العرش إذا إحتفظ السديريون بالخلافة ونقلوها إلى أبنائهم.
ولقد أثيرت بعض المعارضة حول تسمية سلطان نائباً ثانياً لرئيس الوزراء، إذ كان أمامه إثنان من أخوته يسبقانه في خط الخلافة. إحتجاجات مساعد ظلّت بلا طائل لأن إبنه إغتال الملك فيصل. ولكن كان من الصعب تجاهل مصالح بندر، المولود سنة 1923 مثل عبد الله. وبندر لم يكتف بحقه في أن يكون التالي في الوراثة، بل أراد وزارة الدفاع أيضاً. ولقد نشب نزاع عائلي، ورفض طلبه في تولي وزارة الدفاع على أساس إنعدام خبرته الإدارية.
وتعويضاً له عن هذا الرفض عُيّن إثنان من أبنائه في مناصب رفيعة .