إنهم يدرسون التاريخ مزورانشر في سوراقيا العدد رقم 398 الصادر في 10 ابريل 1991 تغص المناهج المدرسية في الكويت بكثير من المواضيع التي تمجد بالاستعمار التركي للعالم العربى ونظراً لأن المناهج والكتب المدرسية الكويتية كانت معتمدة أيضا فى الإمارات وقطر وعمان والبحرين بشكل أو بآخر وتحت ألف ستار وشعار، فإن أعجاب الأجيال الصاعدة من أبناء الخليج الشرقي بالطورانيين على اعتبار أنهم أجداد العثمانيين له ما يفسره وباستثناء إشارات عابرة هنا وهناك حول الممارسات العثمانية في البلاد العربية بخاصة في مجال التتريك ومحاربة اللغة العربية فإنك لا تكاد تجد نقدا لظاهرة الاستعمار التركي في كتاب التاريخ الكويتية بما في ذلك كتب التاريخ الأدبي التي تتصدي في الغالب إلى مناقشة ظاهرة ضعف اللغة العربة وأدابها طوال أربعة قرون. وللأسباب نفسها اختفت في كتب التاريخ والأدب المقررة فى الكويت أية كتابات جادة وإيجابية تتعلق بمظاهر وظواهر النهضة الوطنية والقومية العربية إبان عصر التتريك والتجهيل، بل ويكثر الغمز واللمز فى هذه الكتب من جانب الرموز التاريخية والوطنية العربية في تلك الفترة واتهامها بالولاء والعمالة للثقافة الغربية وأحيانا تبرير عمليات البطش بها التي كانت تقوم بها الدولة العثمانية تحت ألف شعار وشعار. ومن المسلم به أن موضوع "علم التاريخ" هو الحادثة التاريخية بمختلف أبعادها الانسانية والاجتماعية والحضارية وقد عنيت الشعوب دراسة تاريخها الصالح والطالح منه من أجل أن تتعرف على مراحل نمو مجتمعاتها والعوامل المؤثرة فى هذا النمو بما فى ذلك العلاقة السببية بين الأحداث، وعواملها وقد اتفق علماء التاريخ وفلاسفة الاجتماع على أن المؤرخ أو من يتصدي لكتابة التاريخ لا يخترع ما يكتبه من العدم ولا يؤلف من المخيلة بل يستند إلى مصادر ووثائق ومؤلفات وشهود قد تحاول المواقف الفكرية الخاصة بالمؤرخ تلوينها لخدمة اتجاه معين لكن الحقيقة التاريخية تظل قوية بعناصرها. لذا يقول علماء الاجتماع أن إثبات صحة الحادثة التاريخية كاف ليجعل منها حقيقة علمية ومن هنا قلنا أن بين حوادث التاريخ ترابطا سببيا فجلاء الفرنسيين عن الجزائر مثلا كان نتيجة نضال الشعب الجزائرى والبحث في هذا النضال وأسبابه وظروفه ودلالاته هو في المحصلة بحث علمي من نوع خاص إذ أنه ليس علما استنتاجيا كالرياضيات التي تبدأ بمقدمات معينة تنتهي إلى نتاج محددة وهو ليس علما استقرائيا يلاحظ الوقائع والحوادث ليكشف عن قوانينها وإنما هو علم بعث الماضى في حقيقته وأسبابه ومعناه وهو ما قصده ابن خلدون في مقدمته عندما قال "أن للتاريخ أسبابا عميقة وحكمة" وكتابه "التاريخ" يجب أن تمر بمرحلتين الأولى : مرحلة البحث عن الحوادث ونقدها أو فرزها أو تحللها من مصادرها الأصلية، الثانية: إنشاء التاريخ، أي قيام المؤرخ بعملية الربط بين هذه الحوادث التي تأكد من صحتها في محاولة منه للكشف عن أسبابها ودلالاتها وقد اتفق الباحثون على تحديد مصادر علم التاريخ المباشرة مثل الأخبار والروايات وكل ما وضع من كتب لحفظ حوادث الماضى وغير المباشرة أي مايقع بين يدي المؤلف بشكل عفوي كذلك اتفقوا على وسائل تحليل المصادر المذكورة ونقدها للتأكد من صحتها تمهيداً للقيام بعملية الإنشاء المشار إليها أي إعادة كتابة هذه الأحداث بشكل متسلسل ومنطقي. وإذا كنا نسمح للمؤرخ بأن يتجاوز بعض هذه العناصر الأساسية في كتبه "الخاصة" التي نمتلك حرية التعامل معها بالاقتناء أو الإهمال فإننا لا نستطيع أن نتسامح فيما يكتب للطلاب في المدارس لأن كتب التاريخ المدرسية ملزمة للتلاميذ حفظا وفهما ومناقشة وكتب التاريخ مع اللغة العربية والتربية الدينية تشكل الثالوت المعرفي والتربوي الذى يقوم على صرحه بناء الإنسان فى العالم العربى. من أكثر موضوعات التاريخ حساسية، تلك الحقبة الزمنية التي خضع فيها العالم العربى لحكم الأتراك العثمانيين وقد تم تناول هذه الحقبة في عدد من الكتب المدرسية في الإمارات بطريقة أثارت جدلا كبيرا في الأوساط التربوية والادبية والسياسية بخاصة التركيز على إيجابيات تلك الحقبة وتجاهل سلبياتها المسئولة عن تأخر العالم العربى فى كل شئ. من هذا المنطلق، لا بد أن يقوم مدرسو التاريخ بشرح هذه الحقبة للطلاب بتوازن لا يخل بالحقائق ولا يجيرها لصالح أفكار خاصة غير مبررة ولا ضير في أن يتحدث مدرسو التاريخ عن إيجابيات الحكم العثماني مع عرض الصورة بوجهها الآخر يصبح حقا للطالب وواجبا على المدرس وأمانة لانصاف الثوار العرب الذين علقوا على المشانق أنذاك. والصورة المتوازنة التي يتحتم عرضها للطلاب هي تلك التي تستعرض الظروف التي جاءت بالعثمانيين إلى الوطن العربى مع الإشارة إلى أنه ليس من سند تاريخي للزعم أن أخر خليفة عباسى المتوكل على الله قد تنازل عن الخلافة للسلطان سليم الأول ومع ذلك فإن سلاطين العثمانيين قد لقبوا بهذا اللقب وأصبح أواخرهم يستخدمونه في أغراضهم السياسية والخارجية والداخلية بجعله شعارا مقدسا يتحصنون بقوته المستمدة من جماهير المسلمين في جميع أنحاء العالم أمام الأطماع الأجنبية كما يحاولون بقدسيته أن يستغلوا شعور العرب الديني ليصرفوهم عن التحسس بأي شعور قومي مخالف للرابطة الإسلامية وعن الالتفات إلى مساوئ الحكم والإدارة العثمانية لا جدال طبعا في أن العثمانيين باحتلالهم للعالم العربى قد وحدوا البلدان العربية تحت حكم واحد عدا مراكش لكن هذا لا ينفي كون الاحتلال العثماني قد ساعد في تأخر البلاد العربية المتأخرة أصلا ومحاربة العنصر العربي والقضاء على اللغة العربية وإصدار المراسيم التي تسمح لليهود بشراء الأراضى وعقد الاتفاقات مع الدول الغربية والتي كانت مدخلا لدخولها كدول مستعمرة فيما بعد. وكان الوازع الديني هو الذى يدفع العرب إلى التوجه بولائهم للسلطان العثماني الخليفة ولا سيما أنهم أمنوا بأن الخروج على صاحب الولاء هو إضعاف للدين وللدولة ومدعاة للتدخل الأجنبي. وقد عانى العالم العربى الكثير تحت الحكم العثماني الذي اكتفى بفرض سيطرته السياسية والعسكرية على الشعوب العربية من دون أن يساهم في حل مشكلات الحياة الأخرى قد أدى هذا إلى احتفاظ الحجاز واليمن وغيرهما بتنظيماتها القبلية والعشائرية والإقطاعية التي ساهمت في تخلف الشعوب وقام العثمانيون بالقضاء على حركة الأمير فخر الدين المعني والشيخ ضاهر العمر بالحديد والنار وسيطر الولاة والباشوات الأتراك على مقدرات الحياة في العراق ومصر وفي اليمن كان الأئمة الزيديون في صراع مستمر مع العثمانيين. وكانت النتيجة من كل ذلك أن أصبحت الأحوال الاقتصادية من زراعة وصناعة وتجارة في انحطاط وتأخر تراجعت الحياة الفكرية والثقافية وفي وسعنا أن نلاحظ قصور الدولة العثمانية في هذه المجالات إذا ألقينا نظرة على ما أصبح عليه حال بعض مناطق العالم العربى من الازدهار والعمران والتقدم الثقافي والفكرى في ظل الانتفاضات الاستقلالية التي قام بها فخر الدين المعني في لبنان والشيخ ضاهر العمر في فلسطين ومحمد على في مصر وعلى الصعيد الاجتماعي بني النظام السياسي للدولة العثمانية على أساس عدم المساواة بين الغالبين والمغلوبين فقد أنزل الترك الشعوب غير التركية الخاضعة لهم منزلة أدنى من منزلتهم وتراجعت اللغة العربية بعد إهمالها من قبل الباب العالى، بالإضافة إلى انصراف المتعلمين العرب إلى إتقان التركية طلبا لوظائف الدولة. وكما ذكر الدكتور حسين مؤنس في كتابة "الشرق الإسلامي في العصر الحديث" فإنه "لم يكن في مقدور العثمانيين لقلتهم" أن ينهضوا بأمر هذا العالم الفقير ففعلوا ما يفعله الرعاة حينما يروضن الغنم فيستعينون بالكلاب على حراستها واتخذت الشعوب الإسلامية هيأة قطعان من الماشية ترعى في كنف السلطان وتطمئن في حماية الانكشارية والمماليك، وأصبح حالها أشبه بهذه الضفادع التي حدثنا "لافونتين" أنها عجزت عن أن ترد الأعداء عن أراضيها فأقامت على نفسها من الأعداء عن أراضيها فأقامت على نفسها بجعا حاكما فكان يأكل من الرعية أكثر مما يأكل من الأعداء بهذا نستطيع أن نفهم كيف كانت سيادة العثمانيين شرا على العالم الإسلامي. |