" القضاء " والقدر فى أم القيوين

نشر في سوراقيا العددر قم 394 الصادر في 4 مارس 1991 بقلم : أسامة فوزي

       ليس فى دولة الإمارات المتحدة عدل أو قضاء وأن كان هناك وزارة للعدل يديرها رجل ابلة اسمه محمد بن حسن الخزرجي كان إلى وقت قريب جدا "مجبركسور" في ديوان الشيخ زايد بن سلطان أل نهيان قبل أن يترقى فيصبح ويزرا للشئون الإسلامية ثم وزيرا للعدل والقضاء والخزرجي هذا من سلطنة عمان عمل "مطهرا" للذكور ثم مجبرا للكسور فى مضارب أل نهيان بمدينة العين وبعد أن شاب وعاب عينوه وزيرا وسلموه رقبة دوائر ومحاكم للعدل والقضاء تعمل وفق شريعة الغاب وترتهن لشيوخ الدولة وأمزجتهم.

       في صيف عام 1979 أقدم شاب فلسطيني على سرقة محطة للبنزين على طريق أبو ظبى العين وبعد أن ألقي القبض عليه تفنن المشرعون فى الإمارات بإصدار الأحكام عليه حتى تفتفت عبقريتهم عن تطبيق قانون "الحرابة" الإسلامي الذى ينص على تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف لكل من يسطو ويعيث في الأرض فسادا أو يغتصب في أرض خلاء بعيدا عن الحواضر والمدن لكن المشرعين أنفسهم ألغوا قانون الحرابة أو نسوه، عندما كان قاطع الطريق هذه المرة شيخا هو قائد الجيش بنفسه وابن رئيس الدولة الشيخ سلطان بن زايد ال نهيان مع أنه ضبط متلبسا بقطع الطريق على فتيات من دبي كن فى طريقهن إلى الجامعة، وحاول مع حرسه اختطاف الصبابا إلا أن أحدا لم يقطع يديه أو رجليه لا بل أن "سمو" الوالد رئيس الدولة قد سارع إلى إرسال ولده قائد الجيش إلى سويسرة للاستجمام بعد أن أعد مسرحية للاستقالة وقبل أشهر أعيد الشيخ المراهق قاطع الطريق إلى دائرة الضوء ليس كسجين سابق ارتكب جرما تحرمه العادات والقيم وتدينه كل الشرائع وإنما كنائب لرئيس وزراء دولة الإمارات.

       في مطلع عام 1978 وجه كورت فالدهايم، الأمين العام لأمم المتحدة مذكرة إلى وزارة خارجية دولة الإمارات استفسر فيها عن مدى تطابق تشريعات الدولة مع ما تضمنته قرارات الأمم المتحدة بما يتعلق بحقوق الأشخاص المحجوزين أو المحبوسين وأحالت الخارجية الخطاب إلى دائرة الفتوي والتشرع فبعثت إلى كورت فالدهايم بخطاب أدعت فيه أنه مستوحى من مواد الدستور "المؤقت" في الإمارات الذى ينص على :

·                       أن جميع الأفراد لدى القانون سواء.

  ·    أن الحرية الشخصية مكفولة للجميع ولا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه إلا وفقا لأحكام القانون.

       ·           ألا يتعرض أي إنسان للتعذيب أو المعاملة التي تحط من كرامته.

  ·    أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته بمحاكمة قانونية عادلة وللمتهم حق توكيل من يدافع عنه فى أثناء المحاكمة.

  الناس يظنون أن فى الدولة قضاء ومحاكم وقانونا غير قضاء المجالس فى دواوين الشيوخ وغير قانون الشيخ وابن الشيخ وزوجة الشيخ وتوالت مشاريع القوانين الاتحادية تنظم فى هذا القانون وتعدل فى ذاك دون أن يكون لهذه القوانين قوة التنفيذ اللهم إلا إذا كانت الضحية وافدا لا حول لا ولا قوة.

استكمالا للشكل ليس إلا وقع الشيخ زايد بن سلطان أل نهيان رئيس الدولة فى 9 حزيران (يونيو) 1978 قانونا اتحاديا فى شأن "إنشاء محاكم اتحادية ونقل اختصاصات الهيئات القضائية المحلية في بعض الإمارات إليها".

وقد نص القانون على أن تصبح محاكم البداية القائمة فى عواصم إمارات أبو ظبى والشارقة وعجمان والفجيرة محاكم اتحادية ابتدائية كما تكون محاكم البداية القائمة فى غير تلك العواصم من مدن أو مناطق تلك الإمارات دوائر تابعة لتلك المحاكم الاتحادية الابتدائية ودعا القانون المحاكم الاتحادية الابتدائية  إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وكل ما لا يتعارض مع أحكام الشريعة من قواعد العرف والمبادئ القانونية العامة بل وشكلت الدولة لجنة عليا للتشريعات الإسلامية مهماتها تنحصر فى مراجعة القوانين الجزائية وإجراءاتها فضلا عن القوانين المدنية والمعاملات المدنية والتجارية ومراجعة مشروع قانون الجرائم الاقتصادية ايضا.

لكن كل هذه القوانين والتشريعات لم تنجح فى كبح جماح الشيوخ والحكام وأولادهم الذين ظلوا خلافا لبنود الدستور فوق القانون لا يطالهم عقاب ولا تخضع مصالحهم لقانون أو تشريع والأدهي من ذلك ظلت مراسيمهم الخاصة التي تصدر عن دواوينهم هي الحكم الفصل في قضايا ينظرها القضاة بل وأصبحت تدخلاتهم فى أحكام القضاة سافرة للعيان ضاربة عرض الحائط بكل القيم والأعراف والقواعد والأصول.

وملفات القضاء فى محاكم الإمارات تغص بالأمثلة والأدلة والبراهين وتزخر بالقصص والحكايا أخرها ما كان من أمر حاكم أم القيوين راشد بن أحمد المعلا المشهور فى الإمارات بلقب "المندهش" والمرافق الظل لرئيس الدولة، فبجرة قلم الغى الحاكم أمرا قضائيا واستبدل قاضيا بأخر فى "مظلمة" كانت معروضة أمام القضاء.

وأصل الحكاية أن مواطنا عربيا وافدا اسمه أحمد عمر عباس كان يمتلك مناصفة مع شريكه فؤاد الياس العرموني فندق أم القيوين الذى أنكر هذه الشراكة فما كان من أحمد عمر عباس إلا أن تقدم بدعوى أمام محكمة أم القيوين المدنية الدعوى رقم49/88 طلب فيها فرض الحراسة القضائية على الفندق المذكور ورفع يد المدعي عليه فؤاد العرموني من الإدارة ومنعه من التصرف في أمور الحسابات وتمكين الموكل من الاشتراك في إدارة الفندق وتقرير أحقيته في ملكية نصف الفندق المذكور.

وبنتيجة المحاكمة تقرر إلقاء الحراسة القضائية على الفندق من قبل القاضيين فاروق مرعشي وأحمد إدريس، الأمر الذى لم يعجب الشريك الآخر فتقدم إلى حاكم الإمارة وصاحب "القضاء" والقدر فيها بطلب أن "يفرمل" "سموه" حكم القضاء بما لديه من قوة لم ينص عليها دستور ولا وردت في تشريع وبحكم العلاقة "الأخوية" التي كانت تربط الحاكم بالشريك الآخر بخاصة علاقة الكاس والطاس فى مرابع الفندق أصدر "المندهش" حاكم الإمارة راشد بن أحمد المعلا مذكرة أمر فيها بإلغاء الحكم بتعيين حارس قضائي على الفندق المذكور بل وأمر بنقل الدعوى من القاضى فاروق مرعشى ومنعه من النظر بها وأحالتها إلى القاضى أحمد إدريس وإصدار التعليمات إليه برد القضية فردها القاضى فى 31/5/89 بعد أن خشى على نفسه.

ولأن صاحب الحق ظن فى الدولة "قضاء" ومحاكم فقد تقدم باستئناف أمام محكمة الاستئناف الاتحادية بالشارقة طالبا فسخ القرار المذكور، الأمر الذى أغضب حاكم إمارة أم القيوين الذى سارع إلى إصدار أوامره بسحب الاستئناف واعتباره وكأنه لم يكن وذلك بموجب مذكرة مؤرخة فى 4/11/89 لتضيع حقوق المشتكي في دولة يقطع فيها ابن رئيس الدولة الطريق على النساء فيرقى إلى وظيفة رئيس وزراء بالوكالة ويشتكي فيها مواطن عربى وافد أمام المحاكم فتكف يد القاضى بمرسوم أميري.

المراسلات التي حصلنا عليها من أرشيف المحاكم حول هذه القضية بما فيها شكوى المعتدي عليه المقدمة إلى رئيس الدولة، تؤكد أن قوانين العدل وتشريعاته في إمارات الدولة مرهونة بأمزجة الشيوخ و مصالحهم الشخصية والقضاء  فى هذه الإمارات ليس هو السلطة الأعلى أو صاحب اليد الطولى والقاضى موظف تكف يده عن النظر في القضايا تبعا لما يراه الحاكم وحقوق الناس فى بلاد العربان لا يضمنها قانون أو تشريع بل هي مرهونة لمزاج حاكم أو شيخ أو أمير أكل حقوق الآخرين وقد عرضنا لذلك فى "سوراقيا" العدد 228 11 كانون الثاني (يناير) 1988 ففي هذه الإمارة 29 شيخاً من أل المعلا يتقاسمون فيها الخيرات والحقوق والامتيازات بعد أن هجرها "شعبها" فى أواخر السبعينات فى أعجب عملية طرد جماعي يقوم بها حاكم لأبنا شعبه ففي صيف 1979 أمر الحاكم بإخراج سكان الإمارة إلى الشارقة حيث نصبت لهم الخيام وحدد الحاكم شروطه لإرجاع "الشعب" إلى إمارته وأهمها أن يتعهد "الشعب" بالامتناع عن تكرار مطالبه الثلاثة التي دأب على الجهر بها وهي .

1-        الكشف عن ميزانية الإمارة وحقيقة مداخيلها سواء من التجارة وصيد الأسماك أو من الأعطيات والهبات التي تحصل عليها الإمارة من الميزانية الاتحادية.

2-                          الكشف عن أوجه صرف هذه المداخيل.

3-                          الكشف عن حصص الشيوخ والحكام من هذه المداخيل.

في ذلك الصيف أصدر الحاكم راشد المعلا مرسوما بطرد الشعب من الإمارة ونصب حكام الشارقة لشعب أم القيوين خياما وظل "اللاجئون" في خيامهم حتى عفا عنهم "سمو" الحاكم بعد أن رضوا بقبول الأمر الواقع والخضوع لقدر و "قضاء" لا يرتهنان فى دولة أل نهيان لدستور وإنما لمزاج ومصلحة الشيوخ .