طحالب النويس

نشر في سوراقيا العددر قم 388 الصادرة في 21 يناير 1991

اختفى اسم زوج عبلة عبد الله النويس من ترويسة جريدة "الاتحاد" الظبوية مما يعني أنه قد طرد من جميع مناصبه وليس فقط من وكالة وزارة الإعلام الامارتية وباختفاء النويس هذا تصبح مهمة خلفان الرومي وزير الثقافة والإعلام الجديد أكثر صعوبة لأن وزارة الإعلام لم تكن عبد الله النويس بشخصه وإنما أخطبوط الموظفين الذين عينهم النويس فى مناصب حساسة منذ خمس عشرة سنة وأطلق أيديهم وأرجلهم في الإعلام والثقافة فخردقوهما بعد أن أوجد معايير فى تعيين الإعلاميين لم يرد ذكرها فى أيه موسوعة إدارية اللهم إلا إذا اعتبرنا مذكرات طيبة الذكر اعتماد خورشيد ما غيرها من قبيل هذه الموسوعات بخاصة عندما أشارت في (مذكراتها) إلى أن النويس وإكراما لعيونها قد أعطى لولدها "منصبا كبيرا فى التليفزيون".

       الطحالب التي نمت فى عهد عبد الله النويس تجدها الآن فى كل زنقة وزاروبة وزقاق فى الإذاعة والتليفزيون وجريدة "الاتحاد" ووكالة الأنباء وجميع إدارات وزارة الإعلام والثقافة، وأظن أن خلفان الرومي سيضطر إلى النزال فى كل زاوية وموقع وسيجد من يعمل على تعطيل المسيرة خدمة لعيون النويس وزوجته حتى يقال أن خلفان الرومي قد أخفق وليس سرا أن خلفان الرومي أعلم منا بهذه الأمور وأخبر منا بالنويس وزوجته فقد زامله فى مجالس وزارية سابقة ومن ثم كان قراره بإقالة النويس وهو القرار الذى صدر باسم مجلس الوزراء تاليا لقرار المجلس بتعيين خلفان وزيرا للإعلام وخلفان لمن عرفوه  مواطن من القلة المتعلمة، المثقفة، التي كانت ولا تزال تحمل هموما وطنية وقومية، ترجمها إبان عمله فى وزارتي التربية والشئون الاجتماعية وجاهر بها فى كل مجلس وندوة.

       الطحالب التي نمت فى عهد النويس لا تعد ولا تحصى وليس أقلها زوجته عبلة، التي جاء بها من القاهرة إلى مشيخة أل نهيان ليلبسها الشادور وليطلقها فى مجالس الشيخات فتصبح مثله شيخة لها مجلسها ولها وصيفاتها ولها كلمة حل وربط ليس فقط فى شئون المطبخ الأماراتي وإنما أيضا فى شئون السياسة والدبلوماسية.

       حبيب الصايغ مثلا واحد من هؤلاء الذين زرعهم النويس فى جريدة "الاتحاد" فأفسدوا كل القيم وأثاروا كل العصبيات وغذوا كل المشاعر الإقليمية والحساسيات ولم يكن هذا غريبا على ابن يوسف الصايغ تاجر اللؤلؤ الإيراني الأصل الذى عرف منذ مطلع هذا القرن من أين تؤكل الكتف وأورث أولاده هذه المعرفة فإذا بولده حبيب الصايغ ينقل إلى الأدب والصحافة كل ألاعيب وحركات تجار الذهب واللؤلؤ والساعات السويسرية الفاخرة.

       (أوراق) التي أصدرها فى لندن ونقلها بتواطؤ مع النويس إلى أبو ظبى فإذا بها تدار كما كان يدير والده سوق الصاغة فى شارع حمدان حين كان يأخذ من الزبائن ولا يعطي ولا أعرف حتى اللحظة كاتبا أو صحافيا عمل لدى مؤسسة حبيب الصايغ وقبض أجره قبل أن يجف عرقه أو بعده.

       كانت هذه السطور يتحمل جريرة حبيب الصايغ لأنه هوالذى أوجده وأطلقه فى عالم الشعر والأدب والثقافة ونقله من مجرد "شعرور" ينظم أبياتا مقفاة فى مدح الشيوخ إلى شاعر تفعيلة يكتب عن فلسطين وعن الثورة والحرية والاشتراكية.... يومها كنا نبحث عن راس حربة من مواطني البلاد نخترق بها عالم الثقافة والأدب المرتهن للشيوخ ووجدنا ضالتنا بابن الصايغ فكتبنا عنه وله ونفخناه .... عرفناه على الأوساط الأدبية العربية وقدمناه فى الندوات والأمسيات والمحاضرت حتى ضربنا به وزارة الإعلام يوم اقنعناه أن ينشر مقالة حول ممارسات النويس فإذا بالمقالة تهوي كالسوط على أكتاف الوزارة وإذا بالنويس يكتب رداً وإذا بالشيوخ يجدون فى مضاربهم سجالا من نوع جديد يحمل فى طياته بذور تمرد فتحركت دراهمهم تلاغي أين الصايغ فإذا بغرائزه الذهبية والماسية التي ورثها عن والده فى سوق الصاغة تنتصب وإذا به ينقلب رأسا على عقب ويعود إلى قواعده شاعرا مداحة، لا يكاد يمر يوم إلا ويشير فيه إلى "سماحة وعظمة سمو رئيس الدولة وولى عهده الأمين".

       مرة، فوجئ الوسط الصحاف بالإمارات بمقالة نشرها محمد الماغوط لنجيب الصايغ فى جريدة "الخليج" وكان الماغوط محررا لصفحة الثقافة والأدب فى تلك الجريدة وكان موضوع المقالة يدور حول اتهامات كالها الصايغ للكتاب العرب الوافدين ليس بقصد التحاور معهم وإنما فقط رغبة فى ممارسة الزعامة واعتقادا منه أن لقمة العيش ستحول دون أن يتصدي له الوافدون بالرد وكان الماغوط لغايات فى نفسه يفرد لقصائد ومقالات ابن الصايغ مساحات لم يحلم بها ناظم حكمت ولا فردت من قبل لطاغور وقد استفزني الهجوم بوقاحته ونذالته فاسرعت إلى كتابة رد مطول ، ساخر ، وموثق جعل ابن الصايغ يتوارى عن الأنظار إلى حين ومن يومها جبن الرجل عن مواجهتي على صفحات الجرائد، واكتفى بالدس فى مجالسه الخاصة وتحريض هذا المسئول أو ذاك فى هذا الجهاز أو ذاك إلى أن غادرت الإمارات مهاجرا فإذا بي أراه يكتب في غيبتي ما لم يكن يجرؤ على كتابته يوم كنت مشرع القلم للنزال فى صحافة الإمارات ولم يكن هذا بغريب عليه فتلك هي ثقافة قاطع الطرق وأخلاق شعرور ينتمي إلى دولة كانت تسمي فى كتب التاريخ بساحل القرصان.