المطرود

نشر في سوراقيا العددر قم 381 الصادر في 3 ديسمبر 1990 بقلم :أسامة فوزي

       يبدو أن الدكتور مانع سعيد العتيبة وزير النفط السابق فى الامارات الذى "طار" من الوزارة الجديدة التى الفها الشيخ مكتوم على وقع الحان الشيخ زايد سيسعى الى الرد على الشيخ زايد بقصائد هجاء طويلة، او بديوان انيق يضيفه الى دواوينه السابقة الكثيرة التى كان يوزعها على الوزارات والمؤسسات الحكومية أسوة بوزارة الاوقاف التى لم تترك كتابا لوزيرها حسن الخزرجى الاو فرضته على موظفى الدولة بما فى ذلك كتابه الاعجوبة الذي سماه " وسيلة العلاج لآلام الزواج" ، ولا يلغى ذلك ان الرجل كان طامعا فى التقاعد من وزارة النقط من زمان حسب عارفية وان وزير النفط الجديد يمت اليه بصلة اكيدة من القرابة ، قد تبقى للعتيبة فى الوزارة كلمة مسموعة ، توازى كلمته المسموعة لدى الشيخ زايد، التي لن تتأثر ببقائه خارج التشكيلة الوزارية الجديدة حسبما يتوقع العارفون ايضا.

       الدكتور المطرود من منصب وزير النفط تعلم درسا من رفيق عمره وزير النفط السعودى المطرود احمد زكى يمانى الذى مثل العتيبة حلب وزارة النفط فى بلده حتى اكتنز ولما طردوه منها طار الى اوروبة وبدأ "يؤلف" الكتب ويدلى بالتصريحات تصفية لحسابات واخذا بالثار ثم وهو الاهم جذبا لاضواء الكاميرات التلفزيونية التى صنعت المذكورين وجعلت منهما "اسطورة " نفطية ، كانت اسعار البورصة ترتبط فى مؤشراتها صعوداً وهبوطا بكلمة او همسة او رعشة تصدر عن المذكورين فى لحظة انس.

       طرد مانع سعيد العتيبة من منصبه كوزير للنفط جاء كمحصلة لمواقف متعددة ذكرناها فى موضوع بعنوان "حكاية يمانى الامارات" (راجع "سوراقيا العدد 257 الصادر بتاريخ 18/7/1988) وادت هذه المواقف الى اصدار العراق انذاره المشهور للكويتيين والإماراتيين فى اواخر تموز (يوليو) الماضى وهو الانذار الذى اعقبه العمل العسكرى العراقى فى الكويت.

       وكان العراقيون يحملون البلدين مسؤولية اغراق الاسواق بالنفط لضرب الاقتصاد العراقى وافشال خطط اعادة التعمير والبناء التى وضعها العراقيون والايرانيون بعد توقف حرب ا لخليج الاولى (1988) ، وكان من المسلم به ان يحمل شيوخ ابو ظبى وزير نفطهم مسؤولية توريط البلاد بقضية كهذه ، خدمة لبعض امراء النفط فى الكويت وارضاء لمشورة الدكتور رفعت المحجوب الذى قد لا يعلم كثيرون انه كان وراء منح مانع العتيبة درجة "الدكتوراه .. بل وقدم له كتابه الذى حصل بموجبه على رسالة الماجستير وقيل يومها ان الدكتور المحجوب ، الذى عمل مستشاراً للعتيبة في منصبه كوزير للنفط اتخذ فعليا فى شهر حزيران (يونيو) من عام 1988 بعد ان كاد الوزير يتسبب بأزمة دبلوماسية بين الامارات والسعودية.

       يومها حمل الملك فهد مسؤولية انخفاض حصة الانتاج النفطى الاماراتى من مليون ونصف المليون برميل الى 946 الف برميل ، مما ادى بالسعودية الى اصدار بين رسمى ينفى مزاعم وزير نفط الامارات جملة وتفصيلا.

       يومها بدأت الحكاية فى المغرب ، عندما لبى وزير النفط مانع التعيبة دعوة مذيعة سمراء "لهلوبة" لاجراء حوار نفطى ، سرعان ما نشرته الصحف الصادرة يوم الجمعة 17/6/1988 ليتسبب بالازمة الدبلوماسية بين البلدين وقد جاء فى الحوار التلفزيونى المذكور ما يلى :

       منذ وضع حصص الانتاج فى آذار (مارس) 1983 فى الاجتماع الذى يعرف باجتماع لندن فقد وضعت "دول اوبك" لاول مرة سقفا للانتاج وحددت حصصا للدول الاعضاء فيها وقد استغرق الاجتماع اكثر من اسبوعين وشاءت الصدف ان اجتماعات الاسبوع الأول عقدت فى منزلى بلندن حيث تابعتها عن كثب وبصورة اكثر دقة من اى وزير اخر ثم انتقلنا بعد ذلك الى فندق انتركونتننتال وقد كان لدولة الامارات موقف واضح بالنسبة الى الحصص حيث كنا نطالب بأن تكون حصتنا الدنيا وهى اقل حصة يمكن ان نقبل بها وهى مليون ونصف المليون برميل فى اليوم وقد تواقف المؤتمر عند هذا الموضوع بضعة ايام وكان رئيس الدولة وقتها فى زيارة للهند وكان فى مدينة بومباى وقد اوفد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد الذى كان ذلك الوقت وليا للعهد الى صاحب السمو رئيس الدولة الامير سعود الفيصل وزير الخارجية وطلب من صاحب السمو ان يصدر توجيهاته لى بقبول حصة مليون و 200 الف برميل لفترة مؤقته لا تتجاوز ثلاثة اشهر وعندما سوف تعطى لدولة الامارات حصتها التى كانت تطالب هبا وهى مليون ونصف المليون برميل فى اليوم وقد اتصل بى صاحب السمو الشيخ زايد فى لندن وامرنى بالموافقة والان عندما نجد الفترة التى انقضت وهى نحو 63 شهرا نجد ان دولة الامارات من حقها ان تعلى صوته وتوضح وجهة نطرها بهذا الخصوص.

       كان مانع العتيبة يظن ان حواره محدود بمساحات البث التلفزيونى الذى لا يكاد يغطى العاصمة ، لذا لم يتحرجج الوزير من ذكر الاسماء حتى يبدو وكأنه رجل الحل والربط فى المنطقة ، التى تنشغل بين  عواصمها خطوط الهاتف الحمراء، على اعلى مستوى بهدف التوسط لدى العتيبة ان "يقبل" بكذا ويرفض "كيت" لكن السحر انقلب على الساحر يوم ظهرت تفاصيل الحوار التلفزيوني منشورة فى صدر الصحفات الاولى من الجرائد المغربية ، ولاول مرة فى تاريخ العلاقات السعودية الاماراتية تلجا السعودية الى اصدار بيان "تكذيبى لمزاعم وزير النفط ،شرته الصحف السعودية يوم الثلاثاء 21/6/1988 وجاء فيه.

       "ذكر مسؤول فى وزارة البترول والثروة المعدنية السعودية انه اطلع على تصريحات وزير البترول والثروة المعدنية بدولة الامارات الدكتور مانع سعيد العتيبة من ان بلاده تلتزم بحصتها المقررة فى اتفاق اوبيك الاخير واشارته لاسم المملكة العربية السعودية فى هذا الخصوص أن المملكة دولة واحدة من دول اوبيك الثلاث عشرة ولا تستطيع منفردة ان تعد بشئ لا يوافق عليه كل الاعضاء ان مسالة الحصص لم تكن مطروحة اساسا على جدول اعمال مؤتمر اوبيك الذى عقد مؤخرا في فيينه لانه سبق وان وافق عليها فى اتفاقية كانون الأول (ديسمبر) 1986 وان الدكتور العتيبة قد وافق على تمديد الاتفاق الى نهاية كانون الأول (ديسمبر) 1988 بما فى ذلك مستويات الانتاج المحددة فيه.

       لم اعرف يومها عدد العصى التى "اكلها" مانع العتيبة من الشيخ زايد ، لكن الذين حضروا جلسة التحقيق معه آنذاك، ذكروا ان الشيخ زايد اضطر الىتغيير اكثر من "خيزرانه" واحدة ، ثم اعقب الجلسة بقرار سحب بموجبه جميع صلاحيات القرار النفطى من الوزير لصالح "مجلس البترول الاعلى" الذى شكله الشيخ من احد عشر عضوا برئاسة ولده البكر وولى عهده خليفة بن زايد وجعله يحل محل كافة هيئات صنع القرار القائمة فى مجال البترول.

       لكن مانع العيبة الذى يعتبر نفسه "شيخاً" والذى ورث الجاه والسلطان عن أبيه سعيد العتيبة تاجر اللؤلؤ المشهور الذى طالما اقرض آل نهيان ، قبل ان يصبح وكيلاً لشركات جنرال موتورز ورئيسا لغرف التجارة والصناعة واهم من هذا (الدكتور) الوحيد فى مجلس لوزراء اعلمهم كان يفك الخط بصعوبة لم يكن ليقبل بأن يسلم وزارته للمجلس المذكور، وهو الذى تولى امور النفط فى امارة ابو ظبى قبل الاستقلال ثم تولى اموره بعد الاتحاد ، لذا ظل مستقلا فى قراراته لا يشترك المجلس المذكور فيها، لجهل فى المجلس اولا ثم لان مداخيل  العمل النفطى فى الامارات متشابكة ومتداخلة لا يعرف بها غير مانع العتيبة الذى اراد لها ان تكون كذلك حتى يظل اللاعب الوحيد فى الميدان لكن العتيببة لم يحسبها جيدا عندما تحالف مع الكويتيين على اغراق الاسواق بالنفط لاضعاف العراق والعراقيين ، الذين يكرههم العتيبة منذ كان طالبا فى مدارسهم ولم يجد لديهم ما وجده من كرم حاتمى فى مصر ، انتهى بدكترته ثم تزويجه اذ فوجئ العتيبة ومن بعده شيوخ ابو ظبى برده فعل العراقيين التى لم تقتصر على اصدار بيان توضيحى كما فعل السعوديون عام 1988 وانما اقترن البيان بتهديد عسكري!

       هذه المرة لم يبعث العراقيون بوزير خارجتيهم الى الشيخ زايد ليرجوه ان يتوسط لدى مانع العتيبة كما كان العتيبة يتوقع وانما بعثوا بربع مليون جندى الى الكويت لتوصيل الرسالة ، فأفاق شيوخ ابو ظبى من نومهم على خطر لم يتوقعوه لا يهدد حصص الانتاج فحسب بل يتوعد بابتلاع الامارات بأبارها ، ورجالها وشيوخها وجمالها وغلمانها ووزاراتها من تدكتر منهم ومن يسعى الى التدكتر وادرك شيوخ ابو ظبى ان الرئيس العراقى صدام حسين كان جادا فى تهديده.

       ولأن الشيخ زايد ليس رجل كر وفر ولانه يدرك ان الاساطيل لن تحميه  ولانه فهم ان اصدار مرسوم اخر بتحديد ما تبقى من صلاحيات لوزير النفط لن يرضى العراقيين ولان وفاة الشيخ راشد حاكم دبى وفرت فرصة لاعادة تشكيل مجلس الوزراء بمعرفة اولاده الثلاثة مكتوم ومحمد وحمدان الذين ناصبوا العتيبة العداء منذ تدكتر وبدا يرتكب قصائد الشعر وينافس على امتلاك الخيول والاسطبلات كذلك وجد الشيخ زايد ان قرار طرد مانع العتيبة من منصبه كوزير للنفط سيكون بمثابة استرضاء لا بأس بها للرئيس العراقى صدام حسين الذى قيل انه وضع آبار النفط فى الامارات على جدول اعماله الحربية وعلى خريطة برامج صواريخه  البعيدة المدى.

       ولأن الشيخ زايد لن يضحي بكل ما بناه من اجل عيون امراء الكويت وتابعهم العتيبة فقد اختار ان يضحي بكبش الفداء فى عملية تشكيل طريفة لمجلس وزراء كان قطعا  الاطراف منذ اعلان دولة الاتحاد.