المجهول والمعلوم فى حكومة المكتوم

نشر في سوراقيا في العدد رقم 380 الصادر في 26 نوفمبر 1990 بقلم اسامة فوزي

       عندما اشار الصحافى الاردنى بدر عبد الحق فى صيف عام 1978 الى احتمالات التشكيل الوزارى الجديد فى دولة الامارات والمح آنذاك فى رسالة بعث بها الى مجلة "المستقبل" الباريسية الى احتمال تعيين وزير جديد للداخلية بسبب مرض الوزير آنذاك الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان ، أمر الشيخ زايد بن سلطالن آل نهيان رئيس الدولة بطرد الصحافى الاردنى خلال 48 ساعة. لأنه تجرأ على تجاوز بعض الخطوط الحمراء، التى وضعها الشيوخ وجعلوها قاعدة ومحوراً للتشكيلات الوزارية فى دولة الاتحاد ومنها اقتطاع وزارات معينة لبعض الشيوخ وتوريثها لأولادهم أو إخوانهم باعتبارها ملكية خاصة تضمن للشيوخ حصة فى الحكم‍ .

       منذ ذلك التارخ اى منذ طرد الصحافى الاردنى قبل اثنى عشر عاما وحتى وفاة الشيخ راشد بن سعيد المكتوم قبل اسابيع وتولى ابنه البكر (مكتوم) كرسى الحكم فى امارة دبى ومنصب رئيس الوزارة الذى كان يحتله والده الراحل. ظل مقعد وزارة الداخلية فى دولة الامارات خاليا يشغله بالاسم فقط الشيخ المريض مبارك بن محمد آل نهيان ، ابن عم الشيخ زايد واحد الذين ساعدوا الشيخ فى انقلابه على اخيه شخبوط ومع ان الشيخ الوزير الذى تعرض لحادث سيارة واصيب بمرض عقلى لم يعد قادرا على القيام بمهام الوزارة ، الا ان الشيخ زايد رئيس الدولة رفض تسمية وزير جديد للداخلية او القبول بمبدأ تعيين وزير آخر من خارج اسرة الشيخ مبارك ، وقد ادى خلو مقعد وزارة الداخلية من وزير كفء مقرب الى صناع القرار السياسى فى ابوظبى ودبى الى سيطرة مدير الاستخبارات العامة اللواء حمودة بن على على مقاليد الامور الداخلية بعد تسميته وزير دولة للشئون الداخلية فنشط العمل بدوائر المخابرات وتوسع بها وامر بفتح ملفات لمعظم المقيمين فى الدولة من العرب وامر بالتصنت عل الهواتف فى مدينتى ابو ظبى والعين واصبح الحصول على إذن العمل أو الاقامة مرهونا بموافقة اجهزة الاستخبارات ، التى وسعت من نشاطها فى الخارج، بخاصة بين الطلبة الدراسين فى اوروبة واميركة .

       لم تكن سياسات حمودة بن على الامنية مقبولة لدى حكام دبى ، الذين سارعوا بدورهم الى تنشيط ادارة الاستخبارات التى تتبع الشيخ محمد بن راشد وزير الدفاع واصبح هم استخبارات محمد بن راشد ، الذين اتخذوا من مخفر القصيص مركزاً لادارة عملياتهم التجسس على نشاطات استخبارات ابو ظبى الذين جعلوا إدارة الجوازات العامة فى ابو ظبى وكرا لهم.

       وكان من الواضح ان التصارع بين الادراتين كان يغذى من قبل حكام الامارتين ففى الوقت الذى اذنت فيه حكومة دبى لجماعة الاخوان المسلمين بالعمل جهاراً نهاراً فى الامارة وافتتاح مراكز ومكاتب لها تحت اسم (جمعية الاصلاح) التى كان يترأس مجلس ادراتها ضابط فى قوة دفاع امارة دبى منعت امارة ابو ظبى الجماعة المذكورة من العمل فى الامارة او افتتاح فرع لها فى ابوظبى.

       وزارة الخارجية ليس بأفضل من وزارة الداخلية فهذه الوزارة ظلت شاغرة منذ ان غادرها رجل ابو ظبى القوى محمد خليفة السويدى بضغط من حكومة دبى ، بعد تحميله مسؤولية المظاهرات التى اعقبت فشل اجتماع مجلس الحكام عام 1978.

       أوكلت مهمة تشغيل مكاتب الوزارة وسفاراتها لوزير دولة من عجمان هو راشد بن عبد الله ، الذى لم يتمكن من اقناع حكام ابو ظبى او دبى بأنه قادر على سد الثغور التى تركها السويدى ، وظلت الثغرة تتسع، حتى اصيبت وزار الخارجية بكارثة حقيقية عندما عين رئيس الدولة احد اولاده حمدان بمنصب وكيل لوزارة الخارجية ولم يكن شارب الشيخ الصغير قد طر بعد!

       وزارة الاعلام ، كانت هى ايضا محط خلاف بين ابو ظبى ودبى ، ولم تكن حكومة راشد بن سعيد المكتوم راضية عن ممارسات الوزارة وشيخها احمد بن حامد ، لذا استدعى شيوخ المكتوم احد اولاد عمومتهم من طهران حيث كان يشغل منصب السفير واقطعوه ادارة الاعلام فى دبى، الى تشمل تلفزيونها الملون واذاعتها ، ثم صحيفتها اليومية التى تصدر باسم "البيان" ولعل عمق الخلاف وابعاد الازمة قد ظهرت على السطح فى عام 1984 عندما تجاهلت اجهزة اعلام احمد بن حامد قرار دبى بانشاء شركة طيران الامارات، لمنافسة شركة طيران الخليج ، التى تساهم ابو ظبى فى رأسمالها بل وقام عبد الله النويس وكيل وزارة الاعلام بشن هجوم صريح على الشركة الوليدة ، وامر وكالة انباء الامارات (وام) بحجب اخبار الشركة ، الامر الذى جعل شيوخ دبى يوعزون "لحشرهم" وزير اعلامهم فى دبى بانشاء وكالة انباء لدبى ، اجهض ولادتها قبل الاوان الشيخ زايد شخصيا ، عندما بعث بمدير مكتبة ومستشارة الشيخ سرور بن محمد الى مضارب المكتوم متذمرا وشاكيا ومتبرما ومتوسلا فما خيبوا له طلبا او وساطه او رجاء!

       لعل موت راشد بن سعيد المكتوم، وازمة الخليج الجديدة، ثم تزايد اعداد المتعلمين من ابناء الامارات واثارتهم لتساؤلات كثيرة حول نظام الحكم فى بلدهم بما فى ذلك المسيرة العرجاء لمجلس وزراء ليس فيه وزراء للداخلية والخارجية والتربية اقول، لعل كل هذه الظروف حتمت على حكام الامارتين القويتين فى اتحاد امارات ساحل القرصان البحث عن مخرج بتشكيل مجلس وزارى جديد ، يتم تنظيفة من الوجوه العشائرية السابقة التى استنفذت اغراضها منذ زمن ، والوزراء المعوقين وابناء الذوات وبعض الاتباع من المطارزية وماسحى الاحذية على بلاط الحاكم.

       التشكيلة الوزارية الجديدة الى سيعلن عنها مكتوم ابن راشد قريبا بصفته رئيسا للوزراء لن تضم وفقا لما قاله لنا مصدر مطلع فى ابو ظبى وزير الاعلام الحالى احمد بن حامد ، وتطرح مصادر صحافية اسم الشيخ احمد بن محمد القاسمى رئيس دائرة الاعلام والثقافة فى الشارقة كبديل، بعد ان استطاع الشيخ الشاب ان ينجز من خلال ادراته الصغيرة عشرات المهرجانات الاعلامية والثقافية الناجحة ، التى عجز عبد الله النويس عن انجاز مثلها رغم امكانات وزارته التى لا تعد ولا تحصى ، وتقول المصادر ذاتها ان شيوخ دبى يضغطون باتجاه تعيين ابن عمهم (حشر المكتوم) وزيرا للاعلام ، لكن هذا الاتجاه لا يجد ترحيبا فى الشارقة او فى ابوظبى ، ليس لبلادة وجهل حشر هذا فحسب وانما ايضا لان الشارقة ، التى خسرت مقعد وزارة التربية لصالح دبى منذ ان انتزع من عبد الله عمران تريم وآل الى غانم عبد الله المزروعى تريد حقيبة وزارية اساسية بديلة.

       المؤشرات الحالية للتشكيل الوزارى الجديد تؤكد ان حقيبة وزارة الداخلية سوف يتم اشغالها بشيخ من آل نهيان ، قد يكون احد اولاد الشيخ زايد رئيس الدولة فى مقابل اعطاء حقيبة الخارجية لامارة دبى وستظل وزارة المالية للشيخ حمدان بن راشد المكتوم والدفاع للشيخ محمد بن راشد المكتوم وقد يحافظ مانع بن سعيد العتيبة على حقيبته كوزير للنفط الا ان صلاحيات كثيرة سيتم سحبها منه لصالح مجلس البترول الاعلى الذى شكله الشيخ زايد قبل عامين.

       من بين الوزراء الذين سيخرجون فى التشكيل الوزاري الجديد، وزير الاوقاف العمانى الاصل محمد بن حسن الخزرجى ، ووزير الصحة الذى ارتبط اسمه واسم وكيل وزارته بصفقات ادوية انتفعت منها شركات تمتلكها زوجته ووزير الدولة للشؤون الخارجية راشد العبد الله ، اما وزارة التربية فقد تسلم لعبد الملك الحمر ، رئيس البنك المركزى الذى كان وكيلا لوزارة التربية والتعليم فى مطلع السبعينات.

       ومع ان التشكيل الوزارى الجديد سيحافظ على التوزيع العشائرى للحقائب الوزارية وسيوازن  بين الامارات بماتشكله كل امارة من ثقل فى دولة الاتحاد الا ان المؤكد ان حكومة دبى التى سيتراس حاكمها الجديد مجلس الوزراء لن تقبل هذه المرة بمجلس اعرج ، بخاصة وان مؤشرات امنية كثيرة بدأت تلوح في الافق، اثر الاجتياح العراقى للكويت محذرة الشيخ زايد  من مصير مشابة لمصير حكام الوكيت، الذين تولوا مجلس الوزراء فيما بينهم وأطلقوا الكلاب على الناس فاجتاحهم الطوفان !