عينه نهيان بن مبارك

على الرغم من عدم كفاءته العلمية

واقاله ليخمد ثورة الطلاب

الكردي كبش المحرقة ‍!

نشر في سوراقيا العدد رقم 348 الصادر في 16 نيسان 1990.... بقلم : أسامة فوزي

       ظنت أجهزة الامن فى ابو ظبى أن إقالة مدير الجامعة الدكتور الكردي ستؤدي ليس فقط الى إخماد انتفاضة الطلبة، وإنما أيضاً الى صرف الاهتمام عن هذه الانتفاضة، وتصوير ما جرى فى الاسابيع الاخيرة فى مدينة العين من اعتصامات وإضرابات وتظاهرات على انه مجرد خلافات عابرة بين الطلبة ومدير جامعتهم ، حول قضايا علمية وأدارية وأكاديمية وانها سرعان ما تتوقف باقالة سبب الداء، الدكتور الاميركانى الجنسية المصرى الاصل عبد الحافظ الكردي!

       كمسؤول سابق عن قسم الدراسات والمتابعة في جامعة الامارات ولكونى كنت وما أزال على احتكاك بالارضاع الداخلية فى الامارات، وعلى معرفة بأبطال المعركة الاخيرة، بدءا يكبسش الفداء الدكتور الكردي، وانتهاء بالشاب المراهق نهيان ابن مبارك، (الذى نصبوه رئيساً أعلى للجامعة وشارب مؤهلاته المدرسية لم يطر بعد)، مروراً بزعماء الطلبة  والمدرسين المواطنين فى الجامعة، استطيع ان اؤكد ان تيار الديمقراطية الذى هب من اوروبة الشرقية، واكتسب لون وطعم الافق عندما مر فى سماء القدس حتى استقر فى قلب مدينة العين الاماراتية، قد بدأ يفعل فعله فى مجتمع الامارات، الذى يعيش فى انفصام كبير، بين الجيل الجديد، الذى بدأ يتسلح أفراده بالعمل ويزداد فيه حملة الشهادات العليا بشكل مضطرد، وجيل الحكام القديم واتباعهم من المطارزية، والمنتفعين الذين يتولون مقاليد الحكم والادارة وأعلمهم بالكاد يفك الخط!

       وإذا كان الشيخ المراهق نهيان (الرئيس الاعلى للجامعة) قد حاول أن يعلق اخطاء الادارة على مشجب عبد الحافظ الكردي، فيصدر فيه بيانا مطولا ينهيه بقرار "الاقالة" فأن مسعاه قد خاب، لأن مواطنى الامارات، يعلمون منذ عام 1977 (أى منذ ان وصل الدكتور الكردى إلى الامارات للعمل فى جامعتها كرئيس لقسم السياسة فى كلية العلوم الادارية والسياسية) أن الدكتور المذكور ليس أهلاً لمثل هذا العمل، فضلا عن ارتباطه  ببعض الاجهزة فى الولايات المتحدة الاميركية ، التى اشارت اليها مجلة "الازمنة العربية"، التى كانت تصدر آنذاك فى الشارقة، ففى ملف الدكتور وكان ملفه بين يدي يوم كنت رئيساً لقسم الدراسات والمتابعة فى الجامعة انه وان كان قد تخرج من الجامعة الاميركانية فى واشطن عام 1967 الا ان خبراته العلمية قضاها فى "جامعة شو"  show University فى ولاية "نورث كارلينا"  وهى جامعة ضعيفة وغير معترف بها عربيا، ولا ذكر لها فى النشرات ، والكراسات، والدراسات العربية المتعلقة بالجامعة الاميركانية، التى تعتمد شهاداتها عربية ، هذا فضلا عن انها لا تكاد تذكر حتى فى الاوساط العلمية فى الولايات المتحدة نفسها، على الرغم من ان "نورث كارولينا" تضم عدداً من الجامعات المحترمة .

       وحتى خبرة الدكتور عبد الحافظ الكردى فى "جامعة شو" لم تكن مشرقة"، وفى ملف الدكتور الكردى رسالتان كان قد بعث بهما البروفسور محمد شريد، رئيس قسم العلوم السياسية فى "جامعة شو" الى احمد ابو حسين ، (امين عام الجامعة السابق)، وسيعد الشمصى، (المستشار الثقافى السابق بسفارة الامارات فى واشنطن)، حول أسباب "فصل" الدكتور الكردى من العمل، وحول فشله فى التعليم وكانت "سوراقيا" قد نشرت صورتين عن الرسالتين المذكورتين فى صفحة رقم 22 من عددها رقم 274 الصادر فى يوم الاثنين، الموافق فى الرابع عشر من تشرين الثانى (نوفمبر) 1988.

       مؤهلات الدكتور الكردى اذن ليس هى المشكلة ، وفضله فى ادارة الجامعة ليس اكتشافا جديداً ، فقد أريد للجامعة أن تقاد من قبل استاذ مثله، محدود الخبرات، مطواع ، لا يكل ولا يمل من ترداد عبارة "حاضر يا افندم" ، التى يحب الشيوخ سماعها من الاتباع والمطارزية، ولأن رئيس الجامعة الشيخ المراهق نهيان لم يسمع هذه العبارة من مدير الجامعة السابق الاردنى  الدكتور محمد نورى شفيق ، فد سعى الى التخلص منه ، واستبداله بواحد من اظرف رجال العلم طرا ، ونعنى به الدكتور عبد الحافظ محمد الكردى!!

       لجامعة الامارات بعد هذا قصة تروى ، ففى عام 1977 ، (وكنت يومها مدرسا للغة العربية فى ثانوية زايد الاول فى مدينة العين)، جاءنا شاب يحجل على ثلاث ، عرفنا بعد ان اسمه احمد ابو حسين، وانه من خريجى قسم التاريخ فى جامعة بغداد لعام 1974، ليبلغنا بقرار عجيب، وهو ضرورة اخلاء المدرسة فوراً لأن الشيخ زايد قد قرر تحويلها الى جامعة ، ولم تكد تمر خمسة اشهر حتى تبين لنا ان الشاب الذى جاءنا يحجل على ثلاث كان صادقا، فيما روى لنا من اعاجيب، بل واكتشفنا انه اصبح اميناً عاماً للجامعة ، يساعده فى "الامانة" شاب حديث التخرج من الازهر اسمه سعيد حارب، يقودهما وزير التربية، آنذاك، الشاب الوسيم عبد الله عمران تريم ، الذى عرف بولعه فى توظيف السكرتيرات والمعلمات "العازبات" اللواتى كن يمررن الى الوظائف عبر لجان "اختبار" كانت تذهب الى القاهرة، ودمشق ، وعمان، "لاختيارهن" عن كثب، باشراف سالم الغماى، اشهر من "جس" نبض التربويات فى تاريخ التعليم المعاصر فى الامارات.

       يومها قلنا ان أموال النفط قد تكون قادرة على بناء المسابح ، والفنادق، والعمارات ، والمراقص ، والقصور، خلال اشهر ، لكنها بالتأكيد لن تقدر على بناء الانسان الجامعى بهذه السرعة، لكن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة دخل التحدي، حين وضع فى تصرف الثالوث العجيب تريم حسين، حارب ، ميزانية تقدر بـ 230 مليون درهم ، لتحويل مدرسة زايد الثانوية وبعض المدارس الاعدادية المحيطة بها الى "جامعة" ، ولأن المشروع وجد دعماً من العراق، فقد أعلن فعلاً عن ولاده "جامعة الامارات" ، فى صيف عام 1977 بإدارة عقدت للدكتور العراقى الشهير عبد العزيز البسام، (دكتوراه فلسفة من جامعة لندن 1950) ، وبهيئة تدريس تضم 75 استاذاً ومدرسا ثلاثة أرباعهم من العراق، ولأن الآمين العام من عشاق اللجان ، فقد بعث بلجنة الى الولايات المتحدة الاميركية ، عادت بعدد من الاساتذة كان منهم طيب الذكر الدكتور عبد الحافظ الكردى.

       لم يكد الدكتور البسام يكمل العامين حتى اندلعت الحرب العراقية الايرانية، وتحولت موانئ الامارات الى محطات ترانزيت للسلاح الايرانى، واصبح لزاماً على الامارات ان تصفى النفوذ العراقى فيها ممثلاً بمؤسستين كبيرتين كان يقودها العراقيون وهما الجامعة التي يتزعمها عبد العزيز البسام، و "صندوق النقد العربى"، الذى كان يترأسه الدكتور العراقى جواد هاشم ، فعمدت إلى اقاله الأول وملاحقة الثانى بتهمه النصب والاحتيال، (راجع ما سبق ونشرناه بالتفصيل عن هذه القضايا فى "الجامعات الانكشارية" "سوراقيا" العد 201 الصادر فى 22/6/1987 ، وحول قضية ملاحقة جواد هاشم فى العدد 289 الصادر فى 27/2/1989) ...

       تولى رئاسة الجامعة المدعو سعيد سلمان ، ابن احد قضاه رأس الخيمة علمنا انه اصبح دكتوراً ولان هذا لا يقل طرافة عن رئيس الجامعة السابق، ولأنه تزوج من اخت الامين العام المساعد، فقد أطلق يده ويد صهره في شؤون الجامعة ووزارة التربية والتعليم ، فأجهزوا على ما تبقى من علم وتعليم واتوا بالدكتور عز الدين ابراهيم، احد اتباع الشيخ زايد   فنصبوه مديراً للجامعة ، حتى اثقل كاهلها بالقرارات ، التى كان يفصلها ارضاء للشيوخ باعتباره احد مطارزية الحاكم ، وفى عهدة الزاهر تم "ضرب أول عملية اعتصام قامت بها الطالبات فى الجامعة ، احتجاجاً على فساد الادارة والرئاسة، اتبعها بفصل الطالبات المعتصمات والتهديد بفرمهن على طريقة انور السادات!!

       ولان الشيوخ وجدوا ان الجامعة قد بدأت تلعب دورا بارزاً فى أثارة قضايا ومسائل لم يكن يجرؤ احد على اثارتها من قبل ، حول توزيع "الثروة"، والمناصب وحول الحكم والمجالس النيابية، فقد ارتأوا ان يمارسوا سيطرة مباشرة على الجامعة من خلال تنصيب شيخ عليها ، فاصدروا مرسوماً بالفصل ما بين وزارة التربية والجامعة، وسارعوا الى اختيار واحدا من منهم واكثرهم تعليما هو الشيخ نيهان بن مبارك (والده كان وزيرا للداخلية)، الذى اكمل المرحلة الاعدادية بنجاح وطار الى لندن ليدرس فى معاهدها الثانوية فما فلح وما تخرج ، وما حاز من اى منها على شهادة تؤهله للعمل كسكرتير فى مدرسة ابتدائية ، فما بالك بمنصب ، الرئيس الاعلى للجامعة.

       لكن اختيار الشيوخ لنهيان كرئيس للجامعة ، اردف باختيار خاطئ لمدير جديد، قيل ان الملك حسين ، رشحه شخصيا لهذا المنصب "وهو احد وزراء التعليم السابقين فى الاردن، ومن رجال التربية القلائل فى العالم العربى، الذين جعلوا للعمل، والتعليم، رهبة واحتراماً .. وكان من الصعب ان "يتفاهم" رجل علامة مثله من مراهق اخرق ، لم يكمل دراسته الثانوية مثل نهيان، لذا عندما وقف الدكتور شفيق على منصه مدرج الجامعة لينقد الادارة ونظام الامتحانات وليوبخ الاساتذة الذين كالوا درجات للطلبة بالارطال، حتى قيل انه فى سنة 1979 حصل اكثر من تسعين طالبا على درجة امتياز من اصل 300 طالب ، وهى اعلى نسبة فى تاريخ الجامعات، جن جنون الشيخ نهيان واعتبر جرأة الدكتور شفيق خروجاً على الطاعة وسابقة لا يمكن السماح بتكرارها، لذا عندما مال الشيخ نهيان على اذن عبد الحافظ الكردي، ليسأله بالعامية المصرية "مش كده يا حافظ .. سارع الكردى الى الاجابة "تمام يا فندم".

       من يومها أصبح "تمام يا افندم" مديرا للجامعة بدلاً من الدكتور نورى شفيق الذى هاجر الى كندة فعطل دور المجلس الاعلى للجامعة الموكول اليه رسم السياسة العامة للجامعة واقرار النظم واللوائح فيها وهجج خيرة الاساتذه العرب والمواطنين مثل الدكتور صفى الدين ابو العز عميد كلية الاداب، والدكتور نزار حمضمض عميد كلية الزراعة والدكتور المواطن عبد الخالق عبد الله، والدكتور المواطن حسين جمعة ، وبلغت المهزلة ذروتها عندما اختطت الجامعة اسلوبا جديداً لا تعرفه الجامعات الاخرى المحترمة وغير المحترمة وهو اسلوب الامتحانات فى القصور لابناء وبنات الشيوخ شفقة عليهم من مشاق الانتقال الى قاعات الجامعة لاداء الامتحانات فيها وأصبحت الاستثناءات على اللوائح المعتمدة هى الاصل والتى يعين فيها المعيدون بناء على انتمائهم القبلى وليس تحصيلهم.

       لكن الانتفاضات المتولية فى الصين وأوروبة الشرقية والاراضى المحتلة، والكويت اصابت "جامعة العين"، ايضا ولم تنجح اجهزة الاستخبارات هذه المرة من كبح جماح الطلبة، ومنع توزيع المنشورات وتنفيذ الاعتصامات والاضرابات ، فأختارت ان تضحى بالكردى، الذى استوردته من اضعف واهزل جامعات الولايات المتحدة الاميركية، فاطعمته وسمنته وآمنته من خوف ، وجعلت منه مديرا للجامعة ، حتى اذا ما زلزلت الارض زلزالها ، طردوه شر طردة، وحملوه أوزار جامعة بدأت بالعلامة الدكتور عبد العزيز البسام، وانتهت بشيخ جاهل، صم بكم عمى فهم لا يفقهون.