لم يسبق أن تناول الرأي العام العربي بالنقد قناة تلفزيونية بمثل ماتناول به الجزيرة ،في الصحافة المكتوبة كما في الدوائر السياسية ودوائر صنع القرار أسهمت هذه القناة منذ نشأتها عام 1997 في إرباك المشهد الإعلامي العربي وقلب أوراقه ، فهي من الناحية الفنية تستجيب إلى الشروط والمقومات الموضوعية للصورة واللون التي لم يعهدها المشاهد العربي في غيرها من القنوات العربية ومن ناحية المضامين جاءت متفردة في التناولات سالكة منهج إثارة الجدل وتحريك المسكوت عنه في الشأن العربي وهو خطاب جديد لم يألفه المشاهد من المحيط إلى الخليج وتناول لم يعهده من الشكل التقليدي للقنوات الرسمية التي ضلت حتى ظهور الجزيرة متمترسة خلف عدد لا يستهان به من الخطوط الحمراء وفق رؤية سيادية لجهاز التلفزيون ترى أن الدولة هي الأحق بتوجيه السياسة الإعلامية والأولى بالتحكم في الدفق الإخباري والثقافي وفق منظومة مصالحها الوطنية وحساباتها الداخلية ، إلا أن التساؤلات التي طرحت بداية لم تتناول مضمون طروحات القناة بقدر ما كانت تدور حول قطر وأميرها الجديد الذي أحدث إرباكا في الساحة الخليجية عبر الأسلوب الذي تولى به الحكم بعد إقصائه لوالده ، وكان أن إنبرت الدول الخليجية المتطابقة في طبيعة أنظمتها لتطرح عديد التساؤلات حول شرعية الأمير الجديد الذي إعتبره البعض إبنا ضالا وقد برز هذا الجدال وتطور إلى أزمات ديبلوماسية بين قطر التي تعتبر مسألة الحكم شأنا داخليا وعدد من الدول الخليجية والعربية الكبرى وفي مقدمتها مصر حيث رأت هذه الدول أن الإنقلاب لم يحدث على الأمير السابق بقدر ما هو تمرد على البيت الخليجي وقد بلغ التوتر ذروته حينما إنسحبت قطر من إختتام قمة دول مجلس التعاون التي إستضافتها مسقط وهي أول قمة يحضرها الأمير الجديد الذي غعتمد سياسة الكراسي الفارغة لتتواصل الملاسنات الكلامية والإعلامية بين الدول الخليجية وقطر من جهة وبين قطر وعدد من العواصم العربية الكبرى من جهة ثانية حتى ظهور قناة الجزيرة من قطر بعد سنوات من الدراسة والإعداد قامت بها هيئة الإذاعة البريطانية التي كانت تروم بعث قناة تلفزيونية تكون للعرب ملاذا إخباريا على غرار إذاعة لندن المصدر الإخباري العربي الموثوق والأكثر جماهيرية حتى إنطلاق الجزيرة وقد إنطلقت القناة البريطانية فعلا في العمل بعد أن إنتدبت كوادر إعلامية تدرببت وتكونت في المدرسة الإعلامية البريطانية وفي مؤسسة عريقة بحجم البي بي سي وقد أخبرني الدكتور فيصل القاسم المذيع المعروف في الجزيرة عن البدايات الأولى وعن الأسلوب والمقاييس التي اعتمدتها هيئة الإذاعة البريطانية في إنتدابه شخصيا وهي أن هذه القناة لم تعتمد المقاييس المتعارف عليها في إختيار المذيعين والمحررين بل إعتمدت شروطا أخرى قد لاتقبل بها القنوات الرسمية وهي عدم العمل سابقا في تلفزيون والقدرة على المحاورة وقوة الشخصية وإمتلاك مواهب اللغة الأنجليزية وإستخدام الكمبيوتر والتقنيات الحديثة وقد إنطلقت الجزيرة بطاقم إخباري متعدد الجنسيات عمل أغلبه في بريطانيا وتمرس داخل المؤسسات الإعلامية المهاجرة مما يعني أن نفس هذا الطاقم القادم إلى قطر في نسخة جديدة بعد أن إشترت الحكومة القطرية القناة بما فيها لم يقترب من الواقع العربي السياسي كما هو بل تعامل معه من زاوية المشاهد المتكئ على جدار البرلمان البريطاني ، وبالتالي فإن للخافية التاريخية الأثر في ما بعد على محتوى ما تقدمه القناة من برامج .
كيف تعمل الجزيرة ؟
تعمل هذه القناة منذ إنطلاقتها بأسلوب إعلامي غربي تماما مثلما تعمل القنوات الغربية كا ال cnn و الbbc وهي النماذج التلفزيونية المتخصصة في تقديم الأخبار والتي تقوم على جهاز تحريري وآخر فني وثالث من المراسلين المنتشرين حول العالم ويقوم بالتنسيق بين هذه المجموعات المختلفة عدد من رؤساء التحرير الذين تعهد لكل واحد منهم مجموعة نشرات إخبارية يتعين عليه إخراجها في مواعيدها على أن لا تتشابه مع نشرة زميل له حيث يضع هذا النوع من السياسة التحريرية الجميع أمام منافسة قوية يسعى من خلالها كل رئيس تحرير إلى تقديم الأفضل والأكثر إثارة وتنويعا وإذا ما وضعنا هذه المنافسة في سياق خلفية كل رئيس تحرير القادم من بلد يختلف عن الآخر يمكننا أن نلمس المنحى الذي تأخذه نشرة ما تجاه حدث عن الأخرى ، كما إن هذه المنافسة تدفع بفريق التحرير عند غياب المادة الإخبارية إلى الإجتهاد في صناعة الخبر وذلك بإضافة عناصر جديدة لخبر بسيط غير مكتمل بإجراء إتصال هاتفي أو عبر الأقمار الإصطناعية مع خبير أو شخصية معارضة أو معلق على الحدث ليتحول ذلك الخبر البسيط إلى قضية تثير قضايا أخرى وهو تماما الأسلوب الذي تعتمده إذاعة البي بي سي في تعاطيها مع المادة الإخبارية ، ويدعم هذا الجهد فريق من العاملين في الخفاء جزء منهم في الدوحة وجزء آخر في لندن وباريس حيث يتولى فريق مختص يمتلك قواعد بيانات ضخمة لأسماء وهواتف شخصيات تنتشر عبر مختلف أنحاء العالم تستدعى هاتفيا للحديث عن مسألة وهنا تدخل مصالح بعض الشركات الإخبارية والوسطاء الذين يجنون المبالغ الطائلة من هذه الإتصالات وكذلك وكلاء شركات الإتصالات ووسطائهم الذين يقومون بحجز الأستوديوهات والأقمار الصناعية من أي مكان في العالم وفي أوقات قياسية وهي سوق تجارية أصبحت رائجة في الفترة الأخيرة حيث أصيح هؤلاء يؤثرون تأثيرا غير مباشر في المادة المقدمة ونوعية الشخصيات التي تستفيد ايضا بمبالغ طائلة مقابل كل تدخل حتى وإن كان مكالمة هاتفية ، فمن الناحية المادية حركت الجزيرة سوقا شرسة في أروبا وفي عدد من عواصم صنع القرار في العالم تبقى الغلبة فيها وفق المنطق التجاري للأقوى والأقدر على توفير ما يطلبه الجهاز التحريري في الدوحة والوسطاء في أروبا والذين يقترحون في أحيان كثيرة بطرق غير مباشرة شخصيات خفية مجهولة لدى الرأي العام العربي تحولت إلى نجوم عبر القناة وهو ما يفسر العدد الكبير من الخبراء والمحللين والضيوف الذين تستضيفهم القناة أو تجرى معهم المكالمات الهاتفية ، من الناحية التقنية تعتمد الجزيرة كليا على نظام إخباري عصري تعتمده القنوات الغربية وعدد قليل من القنوات العربية الكبرى وهو نظام يتيح للمستخدم وهو أمام جهاز الكمبيوتر الإطلاع على جميع ما تبثه الوكالات بجميع اللغات من أخبار وتقارير وصور ثم يتولى تحريرها وإدراجها في خانة النشرة التي تصل إلى كمبيوتر رئيس التحرير أو المسؤول عن النشرة فيدخل عليها بعض التعليقات الفنية مثل الصور المطلوبة أو الرسوم البيانية أو كيفية البث ومن ثمة تتحول إلى كمبيوتر القسم الفني وإلى المخرج وإلى جميع المحررين والمذيع الذي يقرأها آليا من الأستوديو بإختصار المادة الإخبارية تتم إلكترونيا بدون ورق ولا حبر من الإعداد إلى البث على الهواء وإذا ما نظرنا إلى الوقت الفاصل بين نشرة وأخرى نجد أن الوقت قد لا يكون كافيا للتحري من خبر نقلته وكالة أو مراسل حيث تعمد أعرق وكالات الأنباء أحيانا إلى تصحيح أخبارها أو إلغائها في برقيات عاجلة إذا ما تبين خطأ الخبر أو حتى إنعدام صحته هذا عن القسم الإخباري في القناة أما الأقسام الأخرى فهي أيضا تعمل منفصلة وأقلها إثارة للجدل هو قسم البرامج التسجيلية الذي يتولى شراء البرامج التسجيلية ودبلجتها ومن ثم برمجتها للبث أما عن البرامج المثيرة للجدل وهي التي كانت دوما محور الاتهامات فكيفية إعدادها تتخذ شكلا مختلفا حيث يتولى معد الحلقة إختيار الموضوعات إنطلاقا من الأحداث المتسارعة أو من القضايا المطروحة في صفحات الرأي والدراسات بالصحف الكبرى مثل الشرق الأوسط والحياة والقدس العربي والخليج والاتحاد والزمان ومن هناك يتم تحديد الشخصيات التي ستشارك في هذه الموضوعات ،في ضوء هذا العرض السريع التي تعمل وفق نهجه قناة الجزيرة نستطيع أن نجد تفسيرا للتخبط الذي يحدث أحيانا في برامجها وفي نشراتها الإخبارية حيث يحدث أن يجد المشاهد نفسه أمام برنامج ينحاز إلى جانب وبرنامج ثان على النقيض منه تماما وكذلك الأمر في النشرات الإخبارية التي قد تمر أحيانا دون أية إضافة تذكر وقد تزدحم بكم من المحللين الذين يختلفون بين السطحية وعدم الإلمام بالقضايا المطروحة وبين خبراء حقييقين وأكاديميين تصر الجزيرة دوما على أن آرائهم لا تلزمها ولا تعبرعن سياسة القناة التي ترفع شعار الرأي والرأي الآخر.
المشهد الإعلامي خليجيا
كانت الدول الخليجية مثلما ذكرنا سالفا أول المستنكرين لسياسة هذه القناة وكذلك مصر التي شنت حملة شرسة على القناة وحكومة قطر إلى درجة توتر العلاقات بين البلدين وبلغت حدود التراشق الكلامي بعبارات تخرج عن القواعد الديبلوماسية ، وقد تضامنت الصحافة الخليجية في حينه مع الموقف المصري ومع الصحافة المصرية التي جندت جميع أقلامها وجيوشها الجرارة من الصحافيين ومن هناك وفي سياق التراشق انطلقت التساؤلات البرى التي كان للصحافة المصرية السبق في إطلاقها على القناة والتي كان من إبرزها إعتبار القناة شقة مفروشة تستأجرها إسرائيل وبقدر صمود الصحافة المصرية بمختلف ألوانها في الهجوم على الجزيرة صمدت القناة من جانبها بتمسكها في سياستها وإصرارها على المواصلة حتى النهاية وهو ما دفع بالصحافة الخليجية وبالأوساط السياسية فيها لمراجعة مواقفهم في التعامل مع القناة حيث أدرك الخليجيون قبل غيرهم أنهم لن ينجحوا في ما فشلت فيه الصحافة المصرية التي تتوفر لها مختلف المقومات المهنية والسياسية من حرية وديمقراطية وحرية رأي ومن هناك بدأ التفكير جديا في إطلاق مشاريع مضادة أو على الأقل منافسة لقناة الجزيرة الأمر الذي بدا واضحا في مستوى الشاشات الخليجية الفضائية التي استعانت بخبرات جديدة كما فتحت عبر تلفزيوناتها فضاءات الحوار التي تتناول قضاياها المحلية في محاولة لقطع الطريق أمام الجزيرة التي تتصيد الهفوات ، وقد انعكس هذا الانفتاح الذي شهدته القنوات الخليجية أو على الأقل التي استهدفت من قبل الجزيرة على واقع الإعلام المكتوب حيث شهدت الصحافة المكتوبة في مختلف العواصم الخليجية حركية جديدة وأصبحت أكثر قدرة على استيعاب مختلف الآراء كما برز تطور واضح في الخطاب الإعلامي حيث أصبحت الصحف الخليجية بما في ذلك الرسمية تنتقد المسؤولين وسياسات الحكومة وتتناول موضوعات كانت تصنف ضمن المحضورات عربيا كما برزت في دولة الإمارات تجربة تلفزيونية ناجحة وهي قناة أبو ظبي الفضائية التي أصبحت تنافس الجزيرة في مجالات تحركها إلى درجة إقرار الجزيرة نفسها بأهمية المادة الإخبارية التي تقدمها قناة أبو ظبي الفتية التي باتت منافسا فعليا للجزيرة الأمر الذي دفع بهذه الأخيرة إلى التراجع في بعض المواقف بعد أن إعتمدت أبو ظبي سياسة إستنزاف الكفاءات حيث يعمل حاليا في أبو ظبي عدد هام من فريق الجزيرة من فنيين ومحررين ومراسلين حيث يتم العمل وفق نفس النظام التقني المتطور مع فرق الإمتيازات التي تمنحها قناة أبو ظبي لكل قادم من الجزيرة في نفس الوقت الذي أقدمت فيه أبو ظبي على تغيير جذري في تلفزيونها الرسمي الذي أصبح يحمل إسم قناة الإمارات وإطلاقها للقناة الرياضية وهو تحرك رافقه تحرك شريكتها في الإتحاد دبي التي سرعت في تطوير تلفزيونها وأطلقت قنوات جديدة أبرزها الإقتصادية والرياضية بإختصار المشهد الإعلامي اليوم في دولة مثل دولة الإمارات العربية المتحدة التي لايزيد تعداد سكانها عن المليونين ونصف من مختلف الجنسيات والثقافات 11 قناة بين أرضية وفضائية وينتظر أن تنطلق قناة أخرى من إمارة رأس الخيمة ومجموعة قنوات دبي 2000 وقناة مشتركة بين تلفزيون المستقبل وتلفزيون دبي ينتظر أن تبث برامجها من مدينة دبي الإعلامية هذا في الوقت الذي أصبحت فيه المنطقة الخليجية قطبا لإستقطاب القنوات المهاجرة التي وجدت في كل من المناطق الإعلامية الحرة الجديدة في دبي والبحرين والأردن خير حاضن لها وفي الوقت الذي تعمل فيه بعض الأوساط والشخصيات الإعلامية والاقتصادية على الإعداد لأطلاق قناة فضائية إخبارية من بيروت ، هكذا إذن قابل الخليجيون سياسة قناة الجزيرة بالعمل على تطوير إعلامهم المحلي والدخول به إلى عالم المنافسة وهي القاعدة التي تحكم الإعلام الجديد ، عربيا وفي الأردن ردت حكومتها على ما أعتبر في حينه تهجما على هذا البلد بإطلاق مشروع المنطقة الحرة الإعلامية التي ستقطب مستثمرين ورجال أعمال في المجال الإعلامي وقد تبعتها في هذه الخطوة مصر التي أنشأت مدينة إعلامية حرة تسعى أيضا إلى استقطاب القنوات المهاجرة والقنوات الجديدة وهذه الحركية التي يشهدها المشرق العربي إعلاميا جاءت بعد إدراك المشارقة لقانون اللعبة الإعلامية وفق الواقع الجديد الذي لامجال فيه للتعويل على الآخر فالخليجيون أدركوا أن الأموال الطائلة التي كانوا ينفقونها في شكل دعم للصحافة الأجنبية لم تجدهم نفعا أمام الرأي العام العربي وأمام شعوبهم التي وجدت في الجزيرة متنفسا وقد وجدت سياستهم صدى كبيرا حيث اقتطعت القنوات الخليجية في ثوبها الجديد أعدادا كبيرة من المشاهدين الخليجيين والعرب المقيمين في هذه المنطقة .
قناة الجزيرة والمغرب العربي
مغاربيا يختلف المشهد تماما فعلى النقيض من التعامل الذي تعاملت به البلدان الخليجية مع سياسة الجزيرة اتخذت ردود الفعل في بلدان المغرب العربي أشكالا مختلفة بلغت حدود سحب السفراء وشن الحملات دون معالجة الأسباب الحقيقية والتي تكمن أساسا في تقصير الإعلام المغاربي في إبراز الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي لشعوب المنطقة فالقنوات المغاربية الخمسة الفضائية التي تبث برامجها من العواصم المغاربية لا حضور لها في الخليج العربي وفي المشرق العربي بلا استثناء بعض أبناء الجاليات والمشاهد المشرقي لايجد في هذه القنوات ما يجلب انتباهه لأنها تتضمن صنفين من الإنتاجات الأولى محلية تصطدم مشرقيا بعائق اللهجات والتناولات المحدودة لموضوعات لاتعني المشاهد المشرقي والثانية إنتاجات مشرقية تم إنتاجها مشرقيا وعلبت لتبث باردة من جديد ، أما عن حضور الصحافة المكتوبة فهو منعدم تماما حيث لاتصل المشرق العربي أية جريدة مغاربية وحتى وإن وصلت فإنها لن تقوى على الصمود أمام الكم الكبير من الصحافة المتطورة القادمة من أوروبا والخليج وبيروت ، ومن هنا برز سوء فهم المشارقة لدول المغرب العربي حيث لا يستقون واقعها من أبناءها ومن إعلامها بقدر ما يتناولونه من وسائل إعلام أجنبية ومهما كانت صدقية هذه الوسائل فإنها لا تعبر بالضرورة عن الواقع المغاربي الذي لا يدركه إلا أهله من منطلق قاعدة أهل مكة أدرى بشعابها فالاختلافات الفكرية والثقافية والسياسية بين مشرق الوطن العربي وغربه ليست وليدة هذه المرحلة بل تعود إلى بدايات هذا القرن وذلك نتيجة انعدام التواصل بين الجناحين رغم بعض المحاولات المحتشمة والتي تعود في أغلبها إلى المبادرات الفردية لمثقفين مغاربة قدموا إلى المشرق بينما لا نجد مقابل ذلك عددا يماثلهم من المشارقة الذين قدموا للمغرب العربي ، ومن هنا يبرز الإشكال الكبير في فهم الجزيرة وضيوفها للمعطيات المغاربية وذلك لعدم توفر مصادر مغاربية مستقلة من صحف وكتابات تحليلية تتناول قضايا المنطقة بجدية حيث تعتمد قناة الجزيرة وبعدها كل القنوات الإخبارية على مصدر أساسي في اختيار الضيوف والمشاركين وهي كتاباتهم في الصحف ، وهي النقطة التي استفادت منها قوى المعارضة المغاربية في الخارج والتي بدت إعلاميا أقوى من الإعلام الداخلي حيث باتت بطرحها الذي يصل أحيانا حدود التطرف والمغالاة في تشويه الحقائق مصدرا يلهم القناة عددا من الموضوعات والقضايا التي تعمل على طرحها ومهما كانت نية القناة وحياديتها فإن مصدر الخبر والضيف هو الذي يوجه طبيعة التناول .
الجزيرة حول العالم
بإمكاناتها التقنية المتطورة وما يقدمه البث الرقمي من مزايا عديدة تصل الجزيرة ببثها إلى مختلف أنحاء العالم وقد أصبحت مصدر الناطقين بالعربية في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا وقد لمست شخصيا مدى حضور هذه القناة في بلدان مثل الباكستان وبنغلادش والصومال وجيبوتي وكينيا والسويد وفرنسا والبوسنة والهرسك ودول البلقان حيث ساهمت القناة في إرساء ثقافة جديدة وهي انتشار أجهزة الاستقبال الفضائي فوق السطوح وهي ظاهرة أصبحت ملحوظة مما يعني أن القناة قد فرضت بما تنتهجه من سياسة إعلامية جديدة حضورا ومصداقية لدى المشاهد العربي كما فرضت واقعا جديدا ففي المؤتمرات الصحفية الكبرى أصبح المسؤولون يسألون منذ بداية المؤتمر عن مراسل الجزيرة ومندوبها الذي أصبح يحضى بأهمية خاصة ويمنح التصريحات التي لا تمنح لغيره وهي ظاهرة يلحظها كل صحفي يتعامل مع الأحداث مما يعني ضمنا أن دوائر القرار تدرك أن السبيل الوحيد للوصول إلى أكبر عدد من الشاهدين وكسب مصداقية الراي العام الداخلي يجب أن يمر عبر قناة الجزيرة ولم يتوقف الأمر عند هذه الحدود بل أصبحت الحكومات تقدم على بث إعلانات تحسيسية موجهة للرأي العام المحلي عبر قناة الجزيرة ويكفي أن نعرف أن المملكة العربية السعودية التي تمتلك عددا من القنوات لا يستهان به تتخذ من قناة الجزيرة منبرا جماهيريا لتمرير رسالة تحسيسية من وزارة الزراعة والمياه تدعو المواطن السعودي للمحافظة على استهلاك الماء كما إن أصحاب القرار من رؤساء دول وكبار مسؤولين في أنحاء عديدة من العالم عربا كانوا أو غيرهم يمرون عبر هذه القناة كلما كانت لهم رسالة إلى الرأي العام العربي .
حدود المصداقية والحيادية
ولكن رغم الشعار الكبير الذي ترفعه القناة يبقى شأنها شان أية وسيلة إعلامية تعمل وفق قانون المنافسة فهي لا تخلو من الخلافات ولا تخلو من التورط في المصالح السياسية لحساب حكومة قطر وغيرها حيث من البلاهة التصور أن دولة طر وغيرها من الجهات الأخرى لا تستفيد من وجود هذه القناة فالإعلام دوما وفي جميع أنحاء العالم خاضع إلى منطق خدمة القوي ومنطق المصالح التي قد تختلف باختلاف نوع السياسة فقناة مثل تلفزيون الشرق الأوسط لم توجد في لندن ولم تنفق عليها السعودية الأموال الطائلة حبا في المشاهد العربي بل جاءت لتكون الذراع الخارجية الإعلامية للمملكة بعد انهيار صورتها عربيا في أعقاب حرب الخليج وقد أدت هذه الوظيفة وهي الآن تستعد لحزم حقائبها ومعداتها للعودة إلى أرض خليجية والإعلام اللبناني قام بالأساس على هدف تجاري إعلاني نجح إلى حد بعيد في استقطاب رؤوس الأموال الخليجية إلى بيروت واقتطاع مبالغ طائلة من حجم الإنفاق الإعلاني في المنطقة والذي يصل إلى عشرات المليارات ، ومهما كانت الجهات التي تقف أمام الجزيرة أو خلفها ومهما كانت الأهداف فإن المعالجة لا يمكن أن تتم إلا وفق السياسة الخليجية نفسها فهم الأدرى بواقع حالهم وهم الأكثر فهما للعبة السياسية في الخليج العربي وفي الشرق الأوسط ومعالجتهم حدت من موقف القناة تجاههم حيث أصبحت تقرأ لهم ألف حساب قبل أن تتطرق إلى أي موضوع من الموضوعات الخليجية في الوقت الذي تنصرف فيه إلى القضايا المغاربية التي تبدو جبهة هشة حتى هذه اللحظة لا تمتلك أدنى أدوات المقاومة والإقناع حتى للرأي العام المحلي ، وحتى وإن أغلقت هذه القناة فإن جزيرة أخرى ستظهر حتما لعدة اعتبارات أولها أن من يصنفون كأصحاب مصالح ومكاسب وأهداف لن يستسلموا ولن يقبلوا بضياع مكاسبهم بل سيعملوا على خلق جزيرة جديدة بنفس المواصفات وربما بأكثر حدة أما الثاني فإن أصحاب الأهداف سيجدون في قناة مثل الجزيرة وسياستها وردود فعل بعض الجهات العربية تجاهها سبيلا للابتزاز والضغط لذلك فلا نستغرب أن تقدم إسرائيل نفسها على إطلاق قناة عربية اللسان والمحتوى والتعاطف مع ما يعانيه المواطن العربي من حرمان وجوع ثقافي وفكري ومعرفي هذا من الناحية السياسية أما عن الناحية التي تهم الملايين من المشاهدين العرب فكيف سيصبح المشهد الإعلامي لو إنقطع بث الجزيرة ثمانية وأربعين ساعة لسبب فني فكيف سيتقبل المشاهد العربي من المحيط إلى الخليج هذا الكم الكبير من الرقص الذي تقذف به عشرات الفضائيات على مدار الساعة وكيف سيتعامل مع الأخبار المجمدة التي تجيد صناعتها القنوات المتقوقعة داخل القوالب ، في كل الظروف وتحت كل الاحتمالات ستوجد جزيرة أخرى يبعثها تاجر جشع له مآرب أخرى ولا يهمه من أجل كسب الأموال بيعها أو تأجيرها لكل من هب ودب ، ومن هنا ألا يكون من الأفضل والأصلح والأنسب التعامل مع الجزيرة كواقع جديد بات يفرض نفسه على الساحة وبات سلوكا يوميا في الشارع العربي برمته ؟ ثم ألا يكون من الأصوب القبول بجزيرة من دولة قطر على القبول بأخرى من إسرائيل أو من غيرها وكيف يمكن أن تتصرف الحكومات إذا ما أقدمت إحدى الجماعات الإرهابية على إطلاق قناة فضائية لبث أفكارها المسمومة على غرار قناة المذهب القادياني التي تبث على مدار الساعة سموما من العاصمة البريطانية لندن وتعمد أمام العالم إلى تشويه مبادئ الإسلام وتحريف مضامين العقيدة ؟ إن المعالجة الملف الإعلامي تجاوزت اليوم الدوائر الرسمية التي تبقى رغم انفتاحها خاضعة لجملة من السياسات والحدود وإنما وبمبدأ المعاملة بالمثل الذي تجيده البلاد العربية وهو دخول المنافسة من بابها وبدل لعن الظلام يكمن الحل في إضاءة شمعة وهي ممكنة في ظل ما تزخر به البلاد العربية من كفاءات وطاقات ورؤوس أموال عليها أن تنصرف قليلا إلى الاستثمار في المشاريع الإعلامية بعد أن نجحت على مدى عقود في استثمارات الفنادق والمنتجعات وهو استثمار أثبت أنه لن يقدر على منافسة قناة لا تتعدى مساحة مبناها شقة من خمسة غرف .