|
اثار الهجوم الذي شنه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي الداعية الاسلامي المعروف ضد
العمليات العسكرية الأميركية ـ البريطانية على أفغانستان في خطبة الجمعة، وفي
المؤتمر الصحافي الذي عقده في منزله بالدوحة، ردود فعل متباينة لما تضمنه من
تناقض مع الفتوى التي اصدرها مع مجموعة من الشخصيات الاسلامية بخصوص شرعية
الحملة الأميركية ضد الارهاب، واجازة مشاركة الجنود المسلمين الأميركيين في
الحرب الحالية، ردا على العمليات الارهابية التي وقعت في نيويورك وواشنطن في 11
سبتمبر (أيلول) الماضي.
وكان المجلس الفقهي لأميركا الشمالية قد تلقى رسالة من بعض المرشدين المسلمين
في الجيش الأميركي في الحرب الحالية. فأرسل المجلس الفقهي هذا السؤال الى بعض
علماء العالم الاسلامي للاستئناس برأيهم الفقهي حول هذه المسألة، فجاءت الفتوى
تحمل توقيع الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي والمستشار طارق البشري والدكتور هيثم
الخياط والدكتور محمد سليم العوا وفهمي هويدي. وكان فهمي هويدي قد نشر نص
الفتوى في رأيه الأسبوعي في جريدة «الشرق الأوسط» بتاريخ 8 أكتوبر (تشرين
الأول) الحالي، فكانت الفتوى على النحو التالي: السؤال يعرض قضية شديدة التعقيد
وموقفاً بالغ الحساسية يواجهه اخواننا العسكريون المسلمون في الجيش الاميركي،
وفي غيره من الجيوش التي قد يوضعون فيها، في ظروف مشابهة.
والواجب على المسلمين كافة ان يكونوا يداً واحدة ضد الذين يروعون الآمنين
ويستحلون دماء غير المقاتلين بغير سبب شرعي، لان الاسلام حرم الدماء والأموال
حرمة قطعية الثبوت الى يوم القيامة، إذ قال تعالى: «من أجل ذلك كتبنا على بني
اسرائيل انه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض، فكأنما قتل الناس جميعاً،
ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ثم ان كثيراً
منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون» (المائدة 32)، فمن خالف النصوص الاسلامية
الدالة على ذلك فهو عاص مستحق للعقوبة المناسبة لنوع معصيته وقدر ما يترتب
عليها من فساد أو إفساد.
يجب على اخواننا العسكريين المسلمين في الجيش الاميركي ان يجعلوا موقفهم هذا ـ
وأساسه الديني ـ معروفيْن لجميع زملائهم ورؤسائهم وأن يجهروا به ولا يكتموه لأن
في ذلك إبلاغاً لجزء مهم من حقيقة التعاليم الاسلامية، طالما شوهت وسائل
الاعلام صورته أو أظهرته على غير حقيقته.
ولو ان الاحداث الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة عُوملت بمقتضى نصوص
الشريعة وقواعد الفقه الاسلامي لكان الذي ينطبق عليها هو حكم جريمة الحرابة
الوارد في سورة «المائدة» (الآيتان 33 و34).
لذلك، فاننا نرى ضرورة البحث عن الفاعلين الحقيقيين لهذه الجرائم، وعن
المشاركين فيها بالتحريض والتمويل والمساعدة، وتقديمهم لمحاكمة منصفة تنزل بهم
العقاب المناسب الرادع لهم ولأمثالهم من المستهينين بحياة الابرياء وأموالهم
والمروعين لأمنهم.
وهذا كله من واجب المسلمين المشاركة فيه بكل سبل ممكنة، تحقيقاً لقوله تعالى:
«وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» (المائدة 5).
ولكن الحرج الذي يصيب العسكريين المسلمين في مقاتلة المسلمين الآخرين، مصدره ان
القتال يصعب ـ أو يستحيل ـ التمييز فيه بين الجناة الحقيقيين المستهدفين به،
وبين الأبرياء الذين لا ذنب لهم في ما حدث، وان الحديث النبوي الصحيح يقول:
«اذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار،
قيل هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: قد أراد قتل صاحبه» (رواه البخاري
ومسلم).
والواقع ان الحديث الشريف المذكور يتناول الحالة التي يملك فيها المسلم أمر
نفسه فيستطيع ان ينهض للقتال ويستطيع أن يمتنع عنه، وهو لا يتناول الحالة التي
يكون المسلم فيها مواطناً وجندياً في جيش نظامي لدولة، يلتزم بطاعة الأوامر
الصادرة إليه، وإلا كان ولاؤه لدولته محل شك مع ما يترتب على ذلك من أضرار
عديدة.
يتبين من ذلك ان الحرج الذي يسببه نص هذا الحديث الصحيح إما انه مرفوع، وإما
انه مغتفر بجانب الأضرار العامة التي تلحق مجموع المسلمين في الجيش الاميركي،
بل وفي الولايات المتحدة بوجه عام، اذا اصبحوا مشكوكاً في ولائهم لبلدهم الذي
يحملون جنسيته، ويتمتعون فيه بحقوق المواطنة، وعليهم ان يؤدوا واجباته.
وأما الحرج الذي يسببه، كون القتال لا تمييز فيه فان المسلم يجب عليه أن ينوي
مساهمته في هذا القتال وأن يحق الحق ويبطل الباطل، وان عمله يستهدف منع العدوان
على الأبرياء أو الوصول الى مرتكبيه لتقديمهم للعدالة، وليس له شأن بما سوى ذلك
من أغراض للقتال قد تنشئ لديه حرجاً شخصياً، لأنه لا يستطيع وحده منعها ولا
تحقيقها، والله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، والمقرر عند الفقهاء ان ما لا
يستطيعه المسلم وغير ساقط عنه لا يكلف به، وإنما المسلم هنا جزء من كل لو خرج
عليه لترتب على خروجه ضرر، له ولجماعة المسلمين في بلده، أكبر كثيراً من الضرر
الذي يترتب على مشاركته في القتال.
والقواعد الشرعية المرعية تقرر أنه «اذا اجتمع ضرران ارتكب أخفهما»، فاذا كان
يترتب على امتناع المسلمين عن القتال في صفوف جيوشهم ضرر على جميع المسلمين في
بلادهم ـ وهم ملايين عديدة ـ وكان قتالهم سوف يسبب لهم حرجاً أو أذى روحياً
ونفسياً، فان «الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام»، كما تقرر القاعدة الفقهية
الأخرى.
واذا كان العسكريون المسلمون في الجيش الاميركي يستطيعون طلب الخدمة ـ مؤقتاً
أثناء هذه المعارك الوشيكة ـ في الصفوف الخلفية للعمل في خدمات الاعاشة وما
شابهها ـ كما ورد في السؤال ـ من دون ان يسبب لهم ذلك، ولا لغيرهم من المسلمين
الاميركيين، حرجاً ولا ضرراً فانه لا بأس عليهم من هذا الطلب. أما اذا كان هذا
الطلب يسبب ضرراً أو حرجاً يتمثل في الشك في ولائهم، أو تعريضهم لسوء ظن، أو
لاتهام باطل، أو لايذائهم في مستقبلهم الوظيفي، او للتشكيك في وطنيتهم، وأشباه
ذلك، فانه لا يجوز عندئذ هذا الطلب.
والخلاصة انه لا بأس ـ ان شاء الله ـ على العسكريين المسلمين من المشاركة في
القتال في المعارك المتوقعة ضد من «يُظَنُّ» انهم يمارسون الإرهاب أو يؤوون
الممارسين له ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم، مع استصحاب النية
الصحيحة على النحو الذي أوضحناه، دفعاً لأي شبهة قد تلحق بهم في ولائهم
لأوطانهم، ومنعاً للضرر الغالب على الظن وقوعه، وإعمالا للقواعد الشرعية التي
تنص على ان الضرورات تبيح المحظورات، وتوجب تحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد،
والله تعالى أعلم وأحكم.
وقال الشيخ الدكتور طه جابر العلواني رئيس المجلس الفقهي لأميركا الشمالية في
اتصال هاتفي أجرته معه «الشرق الأوسط»: «نحن حين يوجه لنا سؤال كثيرا ما نتداول
المسألة مع اخواننا وزملائنا وأساتذتنا في العالم الاسلامي فنرسل لبعض
المتخصصين من أهل العلم السؤال وحين تأتينا ردودهم احيانا نتبنى فتاواهم كما
هي، ونعززها بالدليل والتعليل لأن العقل الغربي كما تعلمون لا يستطيع قبول شيء
من دون دليل او تعليل، واحيانا ندخل تعديلا على الفتوى بمقتضى ما يتضح لنا من
رؤية في القضية. وفي بعض الأحيان نعتبر الفتوى التي تأتينا من العالم الاسلامي
مصدرا من مصادر الفتوى لدينا فنستعين بها من غير تبن كلي او جزئي».
واضاف: «انه حينما بدأت ارهاصات الحرب وجهت الينا اسئلة كثيرة حول مشاركة
المسلم في المجهود الحربي الأميركي ضد أي بلد مسلم، ولا يخفى ان هناك فتاوى
كثيرة كانت قد صدرت اثناء حرب الخليج، فحاولنا جمع ما امكن جمعه ودراسته. وفي
الوقت نفسه ارسلنا الى مجموعة من العلماء في العالم الاسلامي نسألهم حول
النازلة الجديدة وما ينصحون به، فجاءنا من بين الردود رد الشيخ القرضاوي وشاركه
المستشار طارق البشري والدكتور محمد سليم العوا وفهمي هويدي والدكتور هيثم
الخياط. وكانت الفتوى التي نشرتها «الشرق الأوسط» في عددها الصادر يوم 8 أكتوبر
الحالي من قبل الكاتب فهمي هويدي، ووجدنا ان فيها من التدليل والتعليل والربط
بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والنظر في المصلحة وفي اخف الضررين اذا اجتمع
ضرران، مما جعلنا ننظر اليها بأنها فتوى مدروسة يمكن الاستفادة بأهم بنودها مع
مراعاة ما هو موجود من حيثيات في الواقعة موضوع البحث في القوانين الأميركية
وقواعد الدستور الأميركي التي تبيح للفرد الذي لا يجد في نفسه قناعة بأن الحرب
التي ارسل اليها حرب عادلة ان يحتمي بالدستور وما تتيحه القوانين الأميركية
وتتيحه له من حرية التعبير عن نفسه وعما في ضميره. وكذلك كانت لدينا وقائع حدثت
اثناء حرب الخليج حينما حصل كثيرون من العسكريين المسلمين على توصيات بأن
يكونوا في الاسلحة الساندة مثل الاعاشة والمواصلات، ولكن يبدو ان رفض بعض
العسكريين الأميركيين المسلمين خوض حرب ضد بلد مسلمين ادى الى النظر الى
العسكري الأميركي المسلم بشيء من التحفظ حينما يطلب منه ان يقاتل في مناطق
اسلامية، لذلك كنا نحرص على ألا يصل الامر الى الاعلام العربي ولا الغربي وان
يبقى بيننا وبين قيادة المرشدين المسلمين ووزارة الدفاع الأميركية. وحين فوجئنا
بأن بعض الوسائل الاعلامية العربية والأوروبية ثم تبعتها في ذلك بعض وسائل
الاعلام الأميركية تعرضت لذلك، أصبحنا امام الامر الواقع فأصدرنا بيانا نعلن
فيه اننا نحترم فتاوى العلماء كافة وخاصة فتوى الشيخ القرضاوي وزملائه، ولكننا
نؤكد على جميع العسكريين الأميركيين المسلمين ان يتمسكوا بحقوقهم التي اتاحها
لهم الدستور الأميركي وقوانين أميركا، فمن وجد في نفسه حرجا من المشاركة في
العمليات الاخيرة، فان الدستور الأميركي ذاته يحميه من خلال مفهوم «معارضة
الضمير». فمن لم يجد في نفسه هذا الحرج فله ان يقاتل أسوة بالآخرين. اما داخل
الولايات المتحدة فانه اذا هوجمت أراضي الولايات المتحدة او مياهها او سماؤها
فان على العسكريين الأميركيين المسلمين ان يدافعوا عنها لأن ذلك يعد من قبيل
الدفاع عن النفس والدار».
وقال الكاتب الإسلامي فهمي هويدي في اتصال هاتفي أجرته معه «الشرق الأوسط»: «ان
الفتوى هذه تمت بالتشاور بين 5 من الباحثين وتمت صياغتها من جانب الدكتور محمد
سليم العوا وعرضت الصياغة لمراجعتها بصورة نهائية على الشيخ يوسف القرضاوي
والمستشار طارق البشري والدكتور هيثم الخياط وشخصي وبعد الاتفاق على الصياغة
النهائية وقع كل واحد باسمه واجتمعت التوقيعات لدى الدكتور محمد العوا الذي
تولى مكتبه ارسال الفتوى الى الدكتور طه جابر العلواني رئيس المجلس الفقهي
لاميركا الشمالية الذي وقع بدوره عليها، تمهيدا لارسالها وتمت ترجمتها الى
اللغة الانجليزية في اميركا وارسلت الى قيادة المرشدين الدينيين في الجيش
الاميركي.
واكد هويدي وقوف الموقعهين مع هذه الفتوى، مشيرا الى انها صدرت يوم 27 سبتمبر
(ايلول) الماضي.
|