|
هاجمت
الصحف المصرية النظام القطرى مؤخرا على ما يسمى بشرعية
الانقلابات التى صبغت تاريخ المشيخة منذ استقلالها الشكلى عن الانجليز، وأشارت
الصحف المصرية كلها الى مسلسل الانقلابات والصراع على الحكم بين الآباء
والأبناء والأشقاء فى عائلة آل ثانى الحاكمة وأخرها انقلاب الشيخ خليفة على
أخيه ثم انقلاب الشيخ حمد على أبيه خليفة.
لقد حاولت الدوائر الاستعمارية التى ترعى النظام القطرى بتصوير ما جرى ويجرى فى
قطر على أنه إعادة للأمور الى نصابها وإلى أصحابها الشرعيين، بدءاً بالانقلاب
الذى وقع فى 22 شباط 1972 وحتى اليوم ويكرر التاريخ نفسه فى كل مرة، فخليفة كان
وليا للعهد ومع ذلك انقلب على الحاكم ومثله ولده حمد الذى كان وليا للعهد
والحاكم الفعلى لقطر ولكن هذا لم يمنعه من الانقلاب على أبيه وشل عرضه فى وسائل
الاعلام العالمية بعد اتهامه بالسرقة وكأن أموال الحاكم الجديد حلال زلال جمعها
من جهد عرقه !!
تدفق النفقط فى قطر منذ عام 1949 بكميات كبيرة، وكانت تستخرجه شركة نفط قطر
والتى هى امتداد لشركات نفط العراق (شركة نفط العراق تتألف من الشركات
التالية):
شركة النفط البريطانية 23,75%
شركة النفط الفرنسية 23.75%
شركة شل 23.75%
شركة نيوجرسى 23.75%
شركة جلبنكيان 5%
ثم دخلت شركة شل الى الميدان واستخرجت النفط عام 63 بكميات كبيرة وبدأ الانتاج
يتزايد حتى وصلت العائدات عام 1971 الى ما يقرب من (100) مليون جنيه.. وخلال
هذه السنوات كانت السلطات البريطانية توزع الدخل على الشكل التالى:
ربع العائدات للحاكم.
ربع للأسرة الحاكمة.
ربع العائدات مصاريف الحكومة ومشاريعها.
الربع الباقى تودع فى البنوك البريطانية.
وقبل اكتشاف النفط كانت الأسرة الحاكمة تعيش مع سائر القبائل فى قطر على صيد
اللؤلؤ والأسماك والملاحة والتجارة. إلا انها لم تكن أحسن من غيرها من القبائل،
وكانت أحيانا تقترض من تجار اللؤلؤ لمواجهة متطلبات المعيشة. ومع تدفق النفط
تدفقت عليها ثروة ضخمة لم تجد وسيلة لتصريفها الا فى بناء القصور وشراء
الكماليات وخلق حاشية ضخمة حولها من البدو والمنتفعين، ونتيجة لنمط حياتها
القديمة وما تميزت به من كسل وتبلد، فقد آثرت أن تعيش كطبقة طفيلية مترهلة
تكتفى باستلام نصيبها فى نهاية كل شهر وتصرفه على بناء القصور واقتناء المزيد
من المواد الاستهلاكية بالاضافة الى رحلات القنص التى تطورت بعد ذلك الى رحلات
الاستجمام فى بلدان عديدة، ومع تزايد الثرة النفطية تزايدت مداخليها وتزايدت
قدرتها على بناء القصور والمزيد من (الفداوية) ورافق ذلك انحلال خلقى متزايد
واستعلاء وتصرفات دكتاتورية على مجمل أفراد الشعب.
خلال الفترة الاولى وحتى منتصف الستينات كانت الأسرة تتمتع بالأمور التالية:
1 - خصص لكل شيخ 24 الف ريال ولكل مولود ذكر 6 آلاف ريال، ونتج من ذلك الحاجة
الماسة لزيادة عدد الأولاد عند كل شيخ لزيادة مخصصاته، وبدأ أفراد الأسرة
يقتنون العديد من الزوجات.
2 - نتيجة للترتيب السكانى وتوزعه على مدن الساحل بالدرجة الأولى، فقد بدأت
حركة بناء القصور فى داخل قطر وعمل كل شيخ على بناء مدينة باسمه حيث يتجمع حوله
البدو الرحل ويجعل منهم مرتزقة له.. وبالاضافة الى القصور ، بدأت مجاميع الأسرة
فى استصلاح الأراضى حيث أقامت العديد من المزارع وسخرت أجهزة الدولة بما تحتاجه
من البذور والأسمدة وغيرها، وجلبت عمالا زراعيين من عمان وبلوشتان، ومع توسعها
تحولت هذه المزارع الى إقطاعيات كبيرة.
3 - نتيجة لتخلف الأغلبية العظمى من أفرادها وعدم مشاركتهم فى نمط الانتاج
السائد قبل البترول واعتمادهم على وضعهم السياسى - لكونهم يعيشون حياة البدو -
فقد تحولت هذه القبيلة بمعظم أفرادها الى طبقة طفيلية تعيش على حساب المجتمع،
تتحكم فى عائدات النفط ولديها السلطة القبلية فى البلاد وتتزايد ثروتها يوما
بعد يوم. ان ذلك قد جعلها طبقة طفيلية غير منتجة، ونتيجة لذلك بدأت تمارس
الاستهتار والتلاعب بكل مقدرات الجماهير دون أية قوانين تحمى القوى المنتجة
والقوى الطبقية التى بدأت تبرز تدريجيا.. ان معظم أفراد الأسرة يتصرفون بعقلية
الحاكم المطلق على الجماهير.. كانت القوانين تطبق فقط على أفراد الشعب.. كان
التاجر مثلا لا يستطيع أبدا أن يطلب من أى شيخ قيمة ما اشتراه، وقد نتج عن
وضعها الاجتماعى أخلاقيات خاصة كطبقة طفيلية، وهذه الأخلاقيات تعبر عن الطفرة
التىحصلت لها من ضع اجتماعى معين الى وضع آخر يختلف كليا عنه.. لقد خلقت
الأوضاع الجديدة من أفراد الأسرة ذئابا يفترسون الشعب فى أى وقت يريدون.
ومع تدفق النفط شكلت قطر منطقة جذب شديدة للشركات وأصحاب البنوك والمغامرين
بالاضافة الى الآلاف من الكادحين (البتان، البلوش الايرانيين، وعرب الشمال)
وحيث تأبى قيم البداوة العمل اليدوى فقد التصقت غالبية الدبو بالطبقة الطفيلية
من بداية الأمر وشكلت المجاميع الوافدة القوى المنتجة حيث يعمل غالبية (البتان)
فى الطرق والمبانى بالاضافة الى الشركات، كما شكلت الأيدى الفنية الأجنبية
الغالبية العظمى من الأيدى الفنية فى شركات النفط والمقاولات والحركة التجارية
إلا ان كل طريق جديد، وكل معمل جديد وكل مدرسة جديدة وكل احتكاك جديد مع العالم
الخارجى يخلق ظروفا جديدة وقوى جديدة تسهم فى تفتيت البنى التحتية القديمة وتدك
القيم الأخلاقية القديمة لتضع محلها توازنا جديدا ومصالح جديدة وصراعات جديدة..
لقد كانت أدوات الانتاج الجددية التى دخلت هذا المجتمع تنخر فيه بشكل سريع
وكانت التناقضات تبرز بوضوح وللجميع بين القوى المنتجة وبين الطبقة الطفيلية
التى بدأت تعيق تطور المجتمع وقواه الاجتماعية المختلفة، وكان من الضرورى أن
يصل التناقض الى منعطف حاد ضمن شروط وظروف القوى المنتجة فى هذا المجتمع.
لقد شكلت الطبقة العاملة فى قطر منذ البداية، الطبقة الأكثر ثورية والأكثر
جذرية وقدرة على تلمس الظلم والاستغلال والتلاعب الذى تمارسه الطبقة الطفيلية
المحمية بحراب المستعمر، وكانت أبرز فئات هذه الطبقة الناشئة هم من عمال النفط
والسواقين حيث تركزت العناصر المحلية فى هذين القطاعين تاركة القطاعات الأخرى
للأيدى العاملة الأجنبية التى لم تكن فى حالة أفضل من العبيد.
إن مجاميع العمال فى شركة النفط والسواقين قد قدموا فى غالبيتهم من عمال البحر
والسماكين والذين هاجروا الى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية للعمل مع شركة
أرامكو والبحرين بالإضافة الى أعداد من البدو، وقد هبت مجاميع العمال أكثر من
مرة تطالب بحقوقها المهنية، ولقد ترافقت حركة العمال مع نهوض الثورة العربية فى
المشرق وطابعها المعادى للاستعمار البريطانى.
ومن ناحية أخرى، شكل التجار وأصحاب الحوانيت والبرجوازية الصغيرة بفئاتها
معارضة ضد الطبقة الطفيلية واحتجاجا على امتيازاتها اللا مشروعية، هذه
الامتيازات والتصرفات باتت تقف عقبة فى وجه التجار وغيرهم (كان بعض الشيوخ
يذهبون الى التجار ويأخذون ما يريدون دون تسديد الحساب ولا يتورعون عن سب وضرب
التاجر فى حالة مطالبته بذلك)، كما ان العقلية البدوية التى لاتريد تطوير البلد
ولا إدخال الحياة الحديثة اليها تشكل ضررا كبيرا على مصالح هذه الفئات
الطبقية..
وعلى الصعيد القبلى، كانت الصراعات تتزايد داخل الأسرة وبين القبائل المرتبطة
معها حيث وجدت هذه القبائل ان قبيلة (آل ثانى) قد استأثرت بالدخل فى حين انها
لم تحصل هى إلا على النزر القليل.. إن صراعات (آل عطية) مع (آل ثانى) لم تكن
خافية على أحد رغم ان (حمد آل عطية) كان المسؤول والمتصرف الأساسى فى مالية
الدولة، وكان المسؤول الأول فى الديوان، وكان يشرف على المالية والشرطة والجيش
وسائر الدوائر.
لقد تبلورت كل هذه المشاكل واستفحلت عام 1963، ولم تكن المظاهرة التى قام بها
اليمنيون مطالبين حكومة السلال بالاشتراك بالوحدة الثلاثية إلا القشة التى قصمت
ظهر البعير... إذ أطلق (عبد الرحمن بن محمد بن على آل ثانى) النار على
المتظاهرين وقتل واحدا منهم، وكانت مناسبة للتعبير عن كل ما يختلج فى صدور
الجماهير ضد الطبقة الطفيلية.
لقد التفتت كل الفئات المعادية للطبقة الطفيلية فى جبهة واحدة أطلقت عليها اسم
(جبهة الاتحاد الوطنى)، وتزعم هذه الجبهة بحكم المرحلة التاريخية (حمد العطية
وعبد الله المسند) بالارضافة الى عنصار بورجوزاية وعمالية، وكانت مطاليبها:
1 - تسديد ديون الشيوخ.
2 - السماح بفتح السينمات وإنشاء إذاعة.
3 - مساواة الشعب فى دفع رسوم الماء والكهرباء.
4 - المساح بتشكيل نقابات للعمال والسواقين.
ولم يكن أمام السلطة العشائرية إلا الرد بعنف على هذه الحركة.. إلا ان الرد قد
حمل معه مضاعفات كبيرة استمرت تقلق الوضع وتشكل عوامل ضعف فى بنيته.. لقد اتخذت
السلطة الاجراءات التالية:
1 - اعتقال مجاميع من جبهة الاتحاد الوطنى.
2 - إصدار أحكام دون محاكمات عليهم حيث أبعدت (عبد الله المسند) والعديد من
العناصر، وسجنت (حمد العطية)، ولم تستجب للمطاليب البسيطة حتى لاتخدش سمعتها
أمام الجماهير، وظلت تتبع نفس الأساليب الديكتاتورية مع ترقيعات طفيفة هنا
وهناك، حيث أبعدت (عبد الرحمن محمد على) وكانت مناسبة لخليفة بن حمد ليرث حمد
العطية ودائرة الداخلية ومعظم الدوائر حيث بدأت سلطته تتعدى كونه وليا للعهد
ليصبح منذ ذلك الوقت الحاكم الحقيقى فى البلاد... لقد جرت سياستها الديكتاتورية
العديد من المشاكل عليها، فالطبقة الطفيلية كانت تتصرف على أن قطر ملك لها ومن
لايعجبه يتسطيع أن يرسل عن البلاد.
وكان من نتائج إبعاد (عبد الله المسند) أن هبت قبيلته (المهاندة) تطالب بإرجاعه
وإلا فإنها ستغادر البلاد الى الكويت ... ولم تستجب الأسرة لهذا التهديد، ورحل
المهاندة الى الكويت وبدأت المشكلة تتفاعل عربيا على صعيد الجامعة العربية ،
وبدأت الضغوطات على الأٍرة لتكف عن هذه السياسة الاقطاعية، إلا انها رفضت
الاستجابة وبدأت مجاميع أخرى (آل أبو كوارة) يهددون بالرحيل نتيجة خلافات
عائلية مع أحد أفراد الأٍرة، إلا ان مخططى السياسة فى قطر قد تداركوا الأمور
حتى لاتفلت داخليا من أيديهم.
ومنذ عام 1963 أدركت عناصر من الأسرة إمكانيات هذه الثروة التى تملكها وبدأت
تساهم فى التجارة مع العديد من التجار، فى تأسيس شركات مقاولة، كما امتدت
أيديها للبناء وبنت الكثير من البيوت لتأجيرها للشركات، وأصبح العديد من أفراد
الأسرة ملاكين عقاريين ينتفعون من وجود الشركات الاحتكارية.
وأصبحت مشاريع الدولة ميدانا واسعا لتستفيد منه هذه الفئات عن طريق تأجير
السيارات بأنواعها المختلفة، بالاضافة الى الوكالات التجارية والتعهدات ، اما
التجار فقد وجدوا ان الطريق القصير للمكاسب التجارية هو الارتباط ببعض الشيوخ،
ومن هنا أثرى (المناعى) الذى كان يستورد العديد من البضائع بإسم بعض الشيوخ وعن
طريق الميناء الخاص بهم.. أما (الدرويش) فقد كان محتكرا من البداية للعديد من
البضائع البريطانية، كما كانت علاقته تعود الى أيام (عبد الله بن جاسم)
والالتزامات التى أخذها من شركة نفط قطر بتزويدها بالعمال حيث جنى أرباحا فاحشة
من ورائهم، كا ان التجار قد اكتشفوا الامكانيات الكبيرة من تجارة (الجنس) مع
الشيوخ والأرباح الفاحشة التى وراءها.
أسباب انقلاب فبراير 1972:
1 - ان الفئة المتخلفة من الأسرة الحاكمة لم تستطع فهم متطلبات الظروف الجديدة
بعد اعلان الانسحاب البريطانى.. لقد كانت عائلة (آل على) دون استثناء أكثر
الفئات تخلفا فى الأسرة، فالحاكم قد اكحتفى بربع الدخل + دخل الجمارك، وبقية
الأخوة يعيشون على رواتبهم الخيالية، أما عبد العزيز فلم يكن يرضيه إلا الرجوع
الى الأيام الخوالى حيث الاستهتار التام والتلاعب بشكل مشكوف بالثروة.. لقد
أراد ان يكسب شعبية له فلم يجد إلا الرشوات يوزعها على كل من يزوره، وعندما
استالم وزارة الصحة أرسل أكثر من (5000) مواطن ومرافقين للعلاج فى الخارج حيث
يدفع لكل واحد منهم ما يقرب من 50 ريالا قطريا يوميا.
انها عقلية اقطاعية بحتة لا تفهم مجريات الأمور ولا القوى الطبقية التى يجب
إرضاؤها ضمن الظروف الجديدة.
2 - لقد كان من الضرورى الاعتماد على قوى طبقية جديدة، هذه القوى التى تريد
المزيد من التجارة والضمانات لسلامتها، كما تريد المزيد من ضبط تصرفات الأسرة
لتضمن سلامة راس مالها.. كما ان الشركات الاجنبية والبنوك وسائر الاحتكارات
تريد أوضاعا مفتوحة تستطيع جنى المزيد من الأرباح تحت شعارات حرية التجارة
والأمن.
3 - ان الأٍرة الحاكمة لا يمكنها أن تستمر كأداة قمع بعد أن تطورت القوى
الاجتماعية الصاعدة (العمال - البورجوازية الصغيرة بفئاتها)، وبعد أن انتشرت
الأفكار الوطنية والثورية. إن الحاجة - عبد الانسحاب البريطانى الشكلى - باتت
ماسة الى جهاز كبير من شرطة وجيش ومخابرات يستطيع مواجهة التطورات.. إن مصاريف
الجيش يمكن أخذها من مخصصات الحاكم الصورى بالدرجة الأولى، وهكذا حول مبلغ 25
مليون جنيه استرلينى وهى مخصصات الحاكم الى الميزانية.. أما التزامالت الجيش
فقد عبر عنها قائد الانقلاب العسكرى (ابن الحاكم الجديد) على الشكل التالى: (إن
مسؤوليات جديدة أصبحت تواجه الجيش بعد الاستقلال).. قبل إعلان الاستقلال كانت
مهمة الجيش محدودة، ولكن بعد الغاء الالتزامات البريطانية أصبح على الجيش أن
يحمى استقلال قطر ويوفر الأمن لشعبها لكى يمضى فى مشاريع التنمية، وايضا أصبح
على جيش قطر أن يحمل مسؤولياته فى الحفاظ على عروبة الخليج وعلينا أيضا أن ننمى
قدراتنا ونضاعف جهودنا لكى نصل الى المستوى الذى يمكننا من المساهمة المباشرة
فى تحرير فلسطيننا وتحرير مسجدنا الأسير...).
مشروع طويل الأمد وثقة لا متناهية فى استمرار الاحتلال حتى يقوى الجيش القطرى
ويستعيد فلسطين مع رفاقه من جيوش الامارات!!!.. أما على صعيد التوقيت فقد كانت
زيارة أحمد لايران مناسبة لتخفيف الخسائر.. وهكذا يلعب البطل الذى كان أداة قمع
للجماهير طيلة فترة الاحتلال البريطانى دور البطل المنقذ لكرامة البلد ومصلحة
الشعب وسمعة ووجود أسرة آل ثانى حسب تصريحات البطل. وفى كل التصريحات، كانت
المور مقلوبة وكانت الجماهير والوطن وفلسطين على رأس قائمة الأسباب التى أدت
الى الانقلاب وعلى رأس المشاريع التى سيعطيها الحاكم اهتماماته!! بتعليمات من
حاكم قطر الجديد بدأت أجهزة الدولة بتسريع علاقاتها مع الكيان الصهيونى على
الصعيدين الاقتصادى والسياسى.
فقد وصل الى الدوحة وفد اسرائيلى رسمى لتوقيع اتفاق حول اقامة خط جورى بين
البلدين، وعلمت (عرب تايمز) ان وفدا تابعا للطيران المدنى الاسرائيلى مؤلفلا من
خمسة اعضاء برئاسة مناحيم شارون قد وصل الى الدوحة قادما ن عمان على متن طائرة
تابعة لشركة الخطوط القطرية.
وضاعفت قطر فى الأشهر الماضية من انفتحاها على اسرائيل، وكان وزير الاعلام
والثقافة القطرى حمد عبد العزيز الكوارى قد مثل بلاده فى السادس من نوفمبر فى
جنازة رئيس الوزراء الاسرائيلى اسحق رابين فى القدس.
والتقى وزير الداخلية القطرى الشيخ عبد اتلله بن خليفة آل ثانى ووزير الخارجية
الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثانى اسحق رابين فى أكتوبر الماضى فى نيويورك
للمرة الأولى.
وتجرى قطر مفاوضات مع اسرائيل لتفح ممثلية تجارية اسرائيلية فى الدوحة. ووقعت
اسرائيل فى أكتوبر الماضى مع شركة (انرون) الأمريكية رسالة نوايا لتسليم الغاز
القطرى.
اذا كان قد اعلن عن التوقيع على عدة عقود أو صفقات سبق وان كان قد تم التفاوض
بشأنها منذ وقت طويل، فان المغزى الأكثر استبيانا كان بالتأكيد رسالة اعلان
النيات التى تم التوقيع عليها من قبل وزير الطاقة الاسرائيلى غونين سيجيف ومدير
الشركة الأمريكية انرون لاستيراد اسرائيل للغاز الطبيعى السائل من قطر.
هذا الاعلان ينطوى على معنى أو طابع سياسى أكثر منه اقتصادى. تنفيذ هذا المشروع
يقتضى حسب رأى الخبراء فترة زمنية تقدر بست سنوات، اذا ما تم تأكيد هذه الفترة،
فان تنفيذ هذا المشروع، يعكس رغبة قطر ان تذهب قدما وبنزعة استقلالية بالنسبة
لباقى دول البترول الخليجية فى تطبيع علاقاتها مع اسرائيل. مع ذلك أعلن وزير
قطرى أن التوقيع على هذه الرسالة لا يرتب تعهدا أو التزاما مباشرا لحكومة قطر.
أما رئيس الدباوماسية المصرية (عمرو موسى) فقد ردد معبرا بذلك عن رأى العديد
من الدول العربية (بأن التعاون الاقتصادى لايمكن أن يذهب قدما بدون سلام
وترتيبات أمنية متعادلة أو متساوية بالنسبة للجميع).
وكان مسؤول قطرى كبير فى الدوحة قد أكد ان اسرائيل بعثت رسالة الى الحكومة
القطرية تعرب فيها عن رغبة قوية فى فتح خط جوى للطيران المدنى بين العاصمة
القطرية الدوحة وتل أبيب. وقال المسؤول بأن الاتفاقية سوف يتم توقيعها قريبا.
وكان هذا المسؤول القطرى الذى اشترط عدم ذكر اسمه قد صرح لوكالة الأنباء
الفرنسية بقوله ان الرسالة الاسرائيلية كانت ودية وتشير الى رغبة (صادقة) فى
تمتين العلاقات الاسرائيلية - القطرية من خلال التوقيع على اتفاقية لتبادل
منافع النقل الجوى بين تل ابيب والدوحة، الا ان المسؤول القطرى رفض الافصاح عن
ماهية هذه المنافع الجوية التى ستعود على البلدين.
وأضاف المسؤول القطرى يقول: ان وفدا اسرائيليا يضم مسؤولين من هيئة الطيران
المدنى الاسرائيلية سوف يصل الى الدوحة للتوقيع على اتفاقية بهذا الشأن.
وكانت صحيفة (الراية) القطرية الواسعة الاطلاع قد اشارت الى الرسالة
الاسرائيلية، وقالت بأنه فى حالة توقيع مثل هذه الاتفاقية فسوف تكون الأولى من
نوعها بين اسرائيل ودولة عربية خليجية.
ومن الجدير بالاشارة ان قطر أنشأت قبل عام تقريبا شركة خطوط جوية وطنية خاصة
بها رغم انها تشارك امارة البحرين وسلطنة عمان وأبو ظبى فى ملكية طيران الخليج.
من ناحية أخرى بدأت الصحف الكويتية بشن هجوم على قطر، ففى صفحتها الأولى نشرت
(اللواء) افتتاحية بعنوان (حرصا على قطر وشعبها الشقيق) جاء فيها:
ماذا تنفع الجغرافيا اذا كان حكم التاريخ حاسما ؟
وما هى جدوى العمليات الاقتصادية اذا تعارضت مع المصالح القومية؟
وكيف تفيد الشطارة اذا اعتمدت على منطلقات تصب فى مجرى خيانة الأمة؟
ثم... وهذا الأهم: هل تستطيع دولة صغيرة أن تلعب دور الدولة الكبيرة..؟ متى ...
وكيف..؟
مناسبة هذا الكلام هى المهزلة التى شهدتها الدوحة الأسبوع الماضى تحت عنوان
(اتفاق جوى بين قطر واسرائيل لتسيير الرحلات بين الدوحة وتل ابيب ...!!
فالمسألة لا تقف عند هذا (الاتفاق الجوى) أو غيره من الاتفاقات البرية والبحرية
وما شابه من صفقات مريبة لتزويد الدولة العبرية بالغاز الطبيعى أو غيره من
المشتقات النفطية.. بل القضية تتعلق أولا وأخيرا بحقيقة التزام النظام القطرى
بالقضايا القومية، وبمبادىء الدافع عن الحقوق العربية المشروعة، وبمدى احترام
قواعد التضامن العربى.. رغم كل الهوان الذى اصابها فى السنوات الأخيرة.
ولا ندرى اذا كان حاكم قطر الشاب يؤمن فعلا بأسلوب الانفراد عن المجموعة
العربية وصولا الى تكبير حجم بلاده فى المعادلة الاقليمية على قاعدة (خالف ...
تعرف)! وهو الذى عرف عنه شغفة بممارسة هذه السياسة منذ كان وليا للعهد، ورغم كل
ما كانت تسببه له هذه السياسة من أخذ ورد مع والده الحاكم السابق حيث لم يتورع
عن الانقلاب عليه وازاحته من سدة الحكم، لتحلو له أجواء التحكم بسياسة قطر
الداخلية والخارجية على السواء.
وتسببت سياسة الانفراد والابتعاد عن المجموعة العربية الكثير من الاشكالات
للشيخ حمد منذ كان وليا للعهد، حيث وصل تردى علاقاته مع العديد من الأشقاء الى
شفير القطيعة الدبلوماسية والسياسية و... الشخصية!!
ماذا يعنى اصرار النظام الحاكم فى قطر على اختراق قرارات الاجماع العربى بعدم
التطبيع مع الدولة العبرية قبل تحقيق السلام الشامل مع كل الأطراف العربية....؟
قد يكون من حق حاكم قطر ان يستعجل اعادة العلاقات الدبلوماسية مع نظام بغداد
تحت شعار العمل على تخفيف معاناة الشعب العراقى...
وقد يكون من حق حاكم قطر أن يكون من أنصار العلاقات المميزة مع الثورة
الايرانية بحجة تعزيز العلاقة مع الجارة الكبرى على الشط الآخر للخليج
العربى...
وقد يكون من حق حاكم قطر أن يختلف مزاجه عن أمزجة غيره من الحكام العرب فى طول
الوطن الكبير وعرضه...
ولكن ... ما لا يمكن أن يكون من حق حاكم قطر أو غيره من الحكام العرب، هو
الخروج عن ارادة الأمة وتوجيه الطعنة تلو الطعنة لحقوقها المشروعة تحت شعار
الاندماج فى النظام الاقليمى الجديد، أو بحجة تلبية الدعوة للانخراط فى العملية
السلمية أو تجنب لمزيد من الضغوطات الأمريكية الهادفة لتسريع عملية التطبيع مع
الدولة العبرية قبل الوصول الى السلام الشامل مع لبنان وسوريا.
هل تخاف قطر على موقعها فى النظام الاقليمى العتيد.. حتى كانت السباقة فى
استقبال الوفود الاسرائيلية وكذلك فى ارسال الوفود القطرية الرسمية الى الدولة
العبرية...؟
هل تخشى قطر دولة الغاز الطبيعى الأولى فى العالم، على تجارتها بالغاز الطبيعى
من الكساد.. فسارعت الى التفاوض مع تل أبيب لعقد الصفقات لتزويدها بهذه المادة
الحيوية للطاقة العصرية..؟ الا تتسابق دول العالم أجمع على الفوز بنصيب من هذه
التجارة الاستراتيجية..؟
هل يكبر دور قطر فى العالم العربى، بل وفى العالم الخاجى، اذا سارع الى عقد
الصفقات والاتفاقات المشبوهة مع الكيان الصهيونى بمعزل عن عملية السلام
المتعثرة على المسارين اللبنانى والسورى...؟
على ماذا استند النظام القطرى للقيام بهذه التجاوزات الكبيرة على كرامة الأمة
العربية والاسلامية...؟
لم نسمع مثلا ان مجلس التعاون لدول الخليج قد اتخذ من القرارات ما يسمح لأعضائه
ببدء عملية التطبيع مع اسرائيل...!!
لم نقرأ فى مقررات جامعة الدول العربية ما يبيح للدول العربية استعجال عمليات
التطبيع قبل تحقيق السلام الشامل مع كل الأطراف العربية المعنية باسترداد
أراضيها وخاصة لبنان وسوريا..!
ولم تصدر أية اشارة من منظمة المؤتمر الاسلامى تعلن بدء عصر التطبيع العربى
والاسلامى مع الدولة العبرية..!
بل العكس هو الصحيح...
لقد اصرت كل تلك التنظيمات الاقليمية والقومية والاسلامية على التمسك بالمقاطعة
ضد تل أبيب الى حين تحقيق السلام الشامل والعادل على كل الجبهات العربية، وقد
تجلت مواقف المقاطعة العربية والاسلامية فى مؤتمرى الرباط وعمان، وفى كل
المناسبات الخرى التى كان يتطرق فيها الحديث للتطبيع بين العرب واسرائيل.
وقد شكلت الأطراف العربية التى استعجلت الحلول المنفردة جزرا منعزلة فى الخريطة
القومية، حيث لم تستطع منظمة التحرير والأردن احداث التغيير المنشود فى اتجاهات
الرأى العام العربى، الرسمى والشعبى على السواء، الذى بقى مشدودا الى المسارين
اللبنانى والسورى، ومؤيدا صمود لبنان وسوريا فى دفاعهما المشروع عن استرداد
اراضيهما كاملة فى اطار عملية السلام.
بقيت حقيقة لابد من أن نقولها للشيخ حمد حرصا على دولة قطر العربية وشعبها
الشقيق:
ان الدولة الصغيرة تكبر بانتمائها الى الأمة الكبيرة، وليس بالانسلاخ عنها.. أو
الخروج عن قضاياها المصيرية!!
أما حافظ الشيخ فقد هاجم قطر فى جريدة (الوطن) الكويتية حين كتب فى زاويته (قوس
قزح) يقول:
جريدة يومية يقال لها (الوطن) تصدر من بضعة شهور فى مدينة الدوحة - قطر ، تقول
فى افتتاحيتها: ان الذين يسعون الى افشال (عملية السلام) تدفعهم الى ذلك دوافع
عديدة (لعل فى مقدمتها انها تتضارب مع مصالحهم وامتيازاتهم وتؤثر على صفقاتهم
المشبوهة)... هكذا بالنص المضبوط والحرف المزخرف الواحد...!!
بمعنى ان الشيخ أحمد ياسين على سبيل المثال، المجاهد الزاهد، الصابر المصابر،
المريض المصاب بالشلل، اللابث فى سجون العدو الصهيونى من بضع سنين، الذى فى كل
حياته بين غزة والقاهرة ثم غزة من جديد ما مر عليه شهر قط وعنده من المال الخاص
مقدار مائة جنيه مصرى، هو الآن يعارض (عملية السلام) لأنها تهدد (مصالحة) و
(امتيازاته) وتؤثر على (صفقاته المشبوهة)..!!
طبعا سيكون من المفهوم اليوم أن تعمد أنظمة ومصالح خاصة نهمة الى تخصيص جرائد
الآن ومجلات ومطبوعات وشبكات اعلامية بأكملها من أجل مهمة واحدة كبرة منكرة، هى
تسويق المشروع الصهيونى بين الغافلين وتسويغ مرارته وتزيين قبائحه، الا ان
الامعان فى هذه اللغات الغوغائية الغبية والمكشوفة ، بكل ما تزخر من افتراءات
وبهتان وحيل صغيرة مفضوحة، لا يجعل فحسب من أصحاب هذا الجهد الناصب، ومعهم
أرباب نعمتهم، سخرية للناس وأضحوكة يومية متكررة، وانما هو فوق ذلك يشجع الناس
على التفتيش بعيونها عن الذين يتهافتون الآن على دروب (التطبيع) واسترضاء
الأمريكان واليهود، غير مدفوعين فعلا الا بدوافع الجمع للمال وتوسعه المصالح
الخاصة والامتيازات ومضاعفة صفقات (البزنس) الملوثة بكل ضروب الأكدار.
ايضا هذه اللغة الغوغائية الغبية تشجع الناس على تنشيط عيونها لرؤية ما وراء
كثير من الحركات الدبلوماسية ، غير الذكية، من صفقات (البزنس) الخاص جدا
والشديد الراهة والبرىء على نحو مطلق من كل علائم الجمال وأسباب العافية.
كانت بعض الدول العربية مثل الأردن والكويت والبحرين قد أغلقت مكاتب الجزيرة
للأسباب نفسها فى حين حرصت قطر على تجنب الامارات خوفا من ردة فعل الشيخ زايد،
الذى كاد يأمر بقصف الدوحة بالطائرات لاعادة حاكمها السابق الى منصبه، وقيام
الشيخ زايد بمهاجمة وزير خارجية قطر واتهامه بقلة الأدب والسخرية من قطر التى
لايزيد عدد سكانها عن سكان شارع فى احدى حارات القاهرة كما ذكر الشيخ زايد. |