اتهم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قناة الجزيرة »بالظلم والاستبداد والانحياز«، وشدد على أن الحملات الإعلامية التي استهدفت بلاده مؤخرا لا صلة لها بحرية الإعلام، وإنما تتعلق بالسيادة والكرامة والاستقلال، هذه المباديء التي لن تكون أبدا محل بيع أو شراء.

وقال خلال لقاء مع مديري الصحف التونسية بثت الفضائية التونسية تسجيلا لما دار فيه من نقاش اعتبرته بعض مصادر عرب تايمز في تونس من نوع فرش الملاية لحكام قطر أصحاب محطة الجزيرة بخاصة عندما اشار الرئيس التونسي الى انه لا يسرق اموال الدولة ويحولها الى بنوك سويسرا - غامزا في ذلك من حكام قطر - .

وجاء في حديثه :

: »مشكلتنا نحن أننا لا نخاف ولا نركع، ولا نستشير في اتخاذ قراراتنا، تعلمنا من بورقيبة الرجل العظيم، وعشت بعض المواقف، ففي حادثة حمام الشط أراد بورقيبة قطع العلاقات الدبلوماسية مع أميركا، وقال الكرامة قبل الخبز«.

وأضاف، لذلك نحن لا نخاف، لسنا نسرق، وليست لنا أرصدة في سويسرا، ولا نخرج من البلاد لممارسة رياضة التزحلق على الثلوج، فنحن نخدم المواطن وحقوق الإنسان في تونس.

ثم خاطب رجال الإعلام التونسيين قائلا: »أنتم تعرفون أن هناك أسبابا وخلفيات تؤلم، هناك أسباب تتعلق بالسيادة والكرامة واستقلالنا، وهي مباديء ليست محل بيع أو شراء، ولن يكون هناك »بيع وشراء« مهما حاولوا، وذلك في إشارة إلى الحملة الإعلامية التي استهدفت تونس عبر برامج الفضائية القطرية .

وتابع قائلا: »إن كرامتنا قبل كل شيء، قرارنا قبل كل شيء، لن نتخلى عن ذلك مهما كانت الظروف، ومهما تحدثوا سواء عن إضراب الجوع أو غيره، ومع الأسف ومن موقعي هناك مواضيع لا استطيع أن اتكلم فيها، ولكنني أعرف الأسباب الحقيقية، ليس اجتهادا وإنما سمعتها من بعض المسؤولين الذين قد يكونون يستمعون إلي الآن، استقلال قرارنا، وتونس دولة مستقلة حرة ولو أدى بنا الأمر إلى الموت جوعا، حتى تكون الأمور واضحة.

وتطرق الرئيس التونسي بن علي أيضا إلى قناة »الجزيرة« وموقفها »المنحاز« وقال »البلاد التي تحدثت عنها »الجزيرة« مؤخرا ليست تونس، فتونس ليست كما قدموها. وأضاف »هذا ليس إعلاما، هذا ظلم واستبداد، الإعلام هو إعلام الرأي والرأي المخالف، قل ما تريد، ولكن من حقي أن أجيب، إما أن تقنعني أو أن اقنعك، هذا الإعلام كما أراه لا إعلام اسمع واسكت«.

واستشهد في هذا السياق بما تم في الحلقة الأخيرة من برنامج »أكثر من رأي« الذي تبثه الجزيرة، حيث لاحظ أن كل المتدخلين أو جلهم لا يعيشون في تونس، فضلا عن عدم السماح للكثير من التونسيين وغيرهم بالتدخل لتصحيح الأمور، ثم تساءل قائلا: »أي إعلام نزيه هذا؟«.

ومن جهة أخرى، واصلت الصحف التونسية هجومها على قناة »الجزيرة«، حيث وصفتها صحيفة »الإعلان« الأسبوعية بالتجربة اللقيطة، القائمة على الغوغائية والدمغجة.

تفي حين واصلت صحيفة »الشروق« التونسية حملتها على قناة »الجزيرة«، حيث نشرت مقالا تحت عنوان »حملة بقطبين على تونس« هاجم فيه كاتبه صلاح الدين العامري المؤسس والمدير العام لهذه الصحيفة بشدة قناة »الجزيرة«.

ولم يتردد صاحب »الشروق« في التأكيد على أن تونس تتعرض لحملة أحد قطبيها غربي والثاني عربي »ينطلق أساسا من »الجزيرة« ليشمل قناة عربية أخرى لا يعرف أصحابها إلى حقوق الإنسان أو حرية التعبير سبيلا«.

ويضيف: »أما »الجزيرة«، فالواضح الآن أنها أنشئت لتكون عميلة تروج لقيم الغرب والصهيونية ولتقويض أسس الهوية العربية ـ الإسلامية وخلق مجتمع عربي بلا دين أو هوية أو حتى لغة«. كما »أن وجود »الجزيرة« مازالت أسبابه غامضة، ولكن رائحة المال الإسرائيلي تفوح على بعد 5 آلاف كيلومتر أو أكثر«.

وبعد أن أشار كاتب المقال إلى أن العملاء في الشرق والحاقدين في الغرب تحركوا في محاولة يائسة للنيل من المجتمع التونسي، اعتبر أن قناة »الجزيرة« هي الأولى التي تسترت على أفعال الإسرائيليين في قطر، وهي الأولى أيضا التي بادرت بإدخال المسؤولين اليهود إلى بيوت العرب عبر ما تدعيه من موضوعية في الأخبار، راسمة بذلك في ذهنية المواطن العربي شرعية الوجود الإسرائيلي كجزء لا يتجزأ عن الوطن العربي.

وذهب صاحب المقال بعيدا في هجومه على قناة »الجزيرة« إلى حد وصف ما تقوم به بخيانة للأمة العربية وتاريخها ولنضال الشهداء في فلسطين وغيرها، ثم يتوجه بعد ذلك إلى طاقمها الإخباري الذي لم يسلم هو الآخر من الهجوم حيث كتب يقول: »وإذا نظرنا إلى طاقمها الإخباري فإننا نجده متكونا لسنوات عديدة في الـ »بي.بي.سي« وبالتالي متمرس على حب بريطانيا وخدمة أهدافها، وبريطانيا هي التي أنشأت إسرائيل، ثم تخلص في النهاية إلى القول إنه وبسرعة فائقة نكتشف أن الجزيرة غير عربية توجد بقطر لتخدم الصهيونية وتكون البوابة التي تدخل منها إسرائيل إلى الخليج وكل الدول العربية تماما كما فعلت قبل 60 سنة صحيفة »إطلاعات« الإيرانية التي أدخلت أميركا إلى إيران«.

ويعد هذا المقال الأعنف من نوعه الذي تشنه صحيفة تونسية على قناة »الجزيرة«، كما أن الفضائية التونسية خصصت الليلة الماضية حلقة من برنامج »وجهات نظر« لمناقشة دور الفضائيات، وذلك بمشاركة عدد من رجال الإعلام والفكر والسياسة من بينهم سفير تونس لدى قطر السيد محمد البلاجي.

وكانت الحلقة الاخيرة من برنامج أكثر من رأي قد أثارت استياء العديد من الشخصيات الفكرية والثقافية والسياسية في تونس، واعتبروها تندرج ضمن حملة تستهدف تونس.

وحسب هذه الشخصيات، فإن الحلقة كانت معدة سلفا بقصد الإساءة إلى تونس عبر ترديد »الأكاذيب والأراجيف«، حتى تحولت إلى ما يشبه منبرا لتصفية بعض الحسابات ضد تونس.

وقد تزامنت هذه الآراء مع نشر صحيفة »الشروق« مقالا تحت عنوان »مغالطات كثيرة في قناة الجزيرة: أكثر من رأي، حصة للمغالطة والانحياز والانتهازية«، هاجمت فيه بشدة برنامج قناة »الجزيرة« المذكور والضيوف الذين شاركوا بمن فيهم الدكتور الهاشمي الحامدي الذي حاول الدفاع عن تونس.

وبعد أن استعرضت بعض الأقوال التي اعتبرتها تؤكد الانحياز الصارخ لقناة »الجزيرة« لجهة تشويه الحقائق في تونس، خلصت الصحيفة التونسية في مقالها الذي لم يحمل أي توقيع إلى القول إن قناة »الجزيرة« تفتقر للحياد والموضوعية، وأبعد ما تكون عن إعطاء الدروس والمواعظ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
الطريف في الموضوع ان جريدة الوطن القطرية انضمت الى حملة التنديد بمحطة الجزيرة في افتتاحيتها وجاء في مقال الوطن :

لا شك أن قناة »الجزيرة« مكسب إعلامي عربي هام، ارتقى بالعمل الإعلامي العربي من درجة صوت السلطة إلى درجة صوت الجماهير، وشكلت بذلك نقلة نوعية أطفأت قدرا من العطش العربي لإعلام يحاول أن يكون »الصوت الآخر للجرس« كما يقول المثل الفرنسي.

إلا أنه للموضوعية وللحقيقة، فإن قناة »الجزيرة« لم تكن دائما موفقة في سعيها ذلك، وربما ذهب بها هوسها بالاستقلالية وبالحرية أحيانا إلى الجنوح، وإلى السقوط في مطبات، وخلل في القياس وفي الوزن، مما سبب لها ولقطر احراجات كثيرة.

لكن الأهم والأخطر، أن يتحول الحرص على »الجزيرة« إلى توجس من أن تخطيء الهدف الذي نريده جميعا، فتنقلب النتائج، وتصبح أداة للفرقة، ووسيلة لتحقيق مزيد من التباعد، عبر استفزاز متكرر لعناد السلطة الطبيعي في كثير من بلادنا العربية.

ولعل ليبيا التي قررت سحب سفيرها من الدوحة.. والضجة العنيفة التي أثارتها مؤخرا في تونس على المستويين الرسمي والشعبي، إضافة إلى قائمة دول أخرى لا تكف عن الشكوى، من بعض ما تقدمه »الجزيرة« دليل على أن هناك خللا ما.

فحتى إذا سلمنا بأن الجانب الرسمي العربي لم يتعود سماع اللحن الذي تعزفه الجزيرة، فإن ذلك لا يلقي باللوم كله على الرسميين العرب، ولا ينفي المسؤولية عن »الجزيرة« التي لابد لها أن تعلم أن الواقع العربي الموضوعي يفرض عليها قدرا من الموازنة ومن الفهم الصحيح، أكثر من التمادي في الاستفزاز، وفي إثارة الآخرين عليها.

ونحن هنا لا ندعو إلى تدجين إعلام »الجزيرة« بقدر ما ندعو إلى عقلنة منتوجها، لكي يصبح مهضوما من الجميع، ولكي يحقق هدف الإصلاح والتقدم، والارتقاء بالوعي العام لدى الحكام والمحكومين على السواء، فقد اثبتت التجارب أن الضجيج لا يورث سوى الدخان، وأن الإثارة والتطرف لا يقابلان إلا بالمثل، وهنا تحديدا تكمن مسؤولية الإعلام ورسالته التي نريد من »الجزيرة« أن تكون نبراسا لهما، وليس فأسا عليهما.