منذ 4 أشهر اختفى رجل أعمال أردني من قطر واختفت معه 30 مليون دولار، تعود لأكثر من 400 زبون في صندوق «سيتي فوركس» الاستثماري، المعروف سابقا بشركة «المدينة للاستثمار» أو باسم «المدينة لتجارة العملات» التي كان رجل الاعمال الاردني يملكها ويديرها في الدوحة. قالوا يومها ان رجل الأعمال جورج رزق، البالغ عمره 44 سنة، والحاصل على الجنسيتين البريطانية والمصرية، بالاضافة الى الأردنية، اختفى بما حمله معه من أموال المستثمرين ليقيم في بحبوحة العيش بلندن، حيث تقيم زوجته البريطانية وأولاده منها، وكذلك أولاده من زوجته البريطانية الأولى. الا أن جورج شكري صليبا رزق، الذي لم يكن أحد يعرف أين استقر في العاصمة البريطانية طوال شهرين من اختفائه، الى درجة أنه لم يكن يتحدث الى أحدهم الا من كابينة للهاتف العمومي بالشارع، قال غير ذلك تماما، ونفى أن تكون مغادرته المفاجئة للدوحة احتيالا «بل غادرتها لأن بعضهم كان يريد قتلي عندما بدأت شركة الاستثمار التي كنت أملكها وأديرها، وما زلت، تعاني من نقص في السيولة نتيجة أوضاع السوق المالية وتدخلات البنك المركزي.. لست لصا، وما كان للمستثمرين (من اموال) سيستعيدونه مع الفوائد خلال 8 أشهر على الأكثر، وبدءا من الآن» وفق قوله عندما التقته «الشرق الأوسط» في 13 أبريل (نيسان) الماضي بأحد فنادق لندن، أي بعد يوم من توقيعه اتفاقا مع وكيل المستثمرين، وزير العدل القطري السابق، المحامي الدكتور نجيب النعيمي. وكان النعيمي طار الى لندن بعد أن بقي يتحدث الى رزق عبر الهاتف طوال شهرين من اختفائه، فأمضى فيها 3 أيام، تلاها توقيعهما على اتفاق، يحول القضية الى المحاكم البريطانية، بعد أن كانت محصورة بالقطرية وحدها، ويضمن للمستثمرين استعادة حقوقهم على مراحل خلال 8 أشهر. الا أن أكثر من شهرين مر على توقيع الاتفاق، ولم يستعد المستثمرون فلسا مما تعهد رزق باعادته اليهم، لذلك اتصلت «الشرق الأوسط» ثانية بالدكتور النعيمي، سعيا وراء تفاصيل ما استجد وطرأ، فاذا بعضها مذهل، كقوله الآن ان المصيبة «أكبر بكثير» مما كان يتصور حين وقع الاتفاق مع جورج رزق، المختفي عن الأنظار منذ شهر، اذ اتضح له أن رجل الأعمال الأردني لم يختف من الدوحة بثلاثين مليونا من الدولارات فقط، بل بأكثر من 125 مليونا «تعود لمستثمرين توفي بعضهم غيظا وحزنا، ومنهم من يزورني في مكتبي بالدوحة كل يوم ويبكي طالبا أمواله التي سبق وأن طمأنته بأنه سيستعيدها عبر الاتفاق الذي وقعناه. بل اتضح لي أيضا أن عدد المستثمرين ليس 400 كما كنت أظن، اذ أظهرت كشوفات جديدة بأنهم 1460 وأكثر حتى الآن، كما هناك ما يزيد على ألفي مستثمر لم يظهروا بعد، وهم من قطر ومعظمهم من السعودية ودول الخليج» وفق ما قال عبر الهاتف وهو يتحدث الى «الشرق الأوسط» من مكتبه في الدوحة أمس. موقف لحظة وتعود الأزمة الى شركة مالية في قطر، كان اسمها «المدينة للاستثمار» وهي عبارة عن «صندوق استثماري» يضع فيه المستثمر مبلغا، قد يكون ألف دولار على الأقل، أو بالملايين اذا أراد، بهدف أن تستثمره الشركة، لقاء أن تدفع له أرباحا تزيد في العادة بعشرات المرات عما تدفعه المصارف التجارية من فوائد سنوية. وكان جورج رزق يعمل قبل 7 سنوات في الشركة مديرا فيها، الا أنها تعرضت لخسائر، وباتت مهددة بالافلاس عندما حامت حولها شبهات، حملت المستثمرين لأن يطالبوا بأموالهم المستثمرة فيها، الى درجة أنهم استعادوا في أسبوع واحد أكثر من 56 مليونا من الدولارات كانت لهم برسم الاستثمار. الا أن آخرين استمروا يتعاملون معها، ولم يسحبوا ما كان لهم، وسط استمرارها في الخسائر، حتى تفاقمت الأمور وبدأت الشركة تستعد لرفع الراية البيضاء استسلاما لمصيرها الافلاسي. فجأة، في بداية العام الماضي، اشتراها جورج رزق، واشترى معها مشاكلها أيضا، ليحولها الى شركة جديدة أسسها باسم «سيتي فوركس» وهي من نوع الشركات المسجلة في الخارج «اوفشور»، مركزها بجزر الباهاما، في البحر الكاريبي، بأميركا الوسطى، لتصبح باسمها الجديد بديلا عن «المدينة للاستثمار» التي كان أصحابها يحوّلون من يطالبهم من المستثمرين الى «سيتي فوركس» التي عرفت باسم «المدينة لتجارة العملات» في السوق المحلي بقطر. كل شيء جرى رائعا تقريبا، الا أن ما عانته «المدينة للاستثمار» من مشاكل مع السوق المالية، عانته أيضا «سيتي فوركس» أو «المدينة لتجارة العملات» حين ضاقت بها الحال في ما بعد، وبات المستثمرون يطالبونها باستثماراتهم، ووصلت أوضاعها في فبراير (شباط) الماضي الى ما لا يمكن لأي شركة تحمله، فقد كان للمستثمرين فيها أكثر من 60 مليونا، بينما لم يكن في الصندوق سوى نصف المبلغ، أي كان ينقصها 30 مليون دولار. وانتشرت الأخبار سريعا عن «سيتي فوركس» من أنها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها، فركض أصحاب الاستثمارات، وأصغرها ألف دولار لمواطن قطري، وأكبرها 3 ملايين دولار لمواطن سعودي، مطالبين بأموالهم وحقوقهم، فلجأ رزق الى تهدئة الحاحهم بشيكات بتواريخ مؤجلة، أعطاها لهم كمهدئات. الا أنها كانت معظمها من النوع المطاطي: ذهبت الى البنك وسريعا عادت منه بلا رصيد. من الدوحة الى عمان ثم لندن ازدادت الضغوط على جورج رزق، الذي أصبح يرى في مكتبه بالدوحة غاضبين، ممن كان بعضهم يزوره مسلحا، كما قال. وأحيانا كان يتلقى اتصالات هاتفية من آخرين يهددون بقتله، فأصبح رأسه ساخنا، ولا يعرف كيف يجد مخرجا لحل الأزمة غير باب المطار، فغادر فجأة الى الأردن، ومن بعده اختفى عن الأنظار، الى أن اتضح أنه أصبح في لندن. لكن أحدا لم يكن يعلم عنوانه في العاصمة البريطانية، التي أراد وهو فيها التوصل الى حل للمشكلة عبر الهاتف، فكان يتصل بالمحامي النعيمي طوال شهرين، حتى كان ما كان من تسوية بين الطرفين موقعة في 12 أبريل (نيسان) الماضي. بعدها بيوم، عثرت «الشرق الأوسط» على جورج رزق في لندن، فكان لها لقاء معه بأحد الفنادق، وسألته أمام الدكتور النعيمي من أين سيدفع للمستثمرين 30 مليونا من الدولارات حملها معه، ومع فوائدها في 8 أشهر بدءا من ابريل (نيسان) الماضي بالذات، طبقا لما نص عليه الاتفاق الموقع بينه وبين الدكتور النعيمي، كمحام وكيل عن المستثمرين، فقال رزق ان ما ينقصه ليدفع ليس معدوما، بل هو في سوق المال بقطر وباسم الشركة، التي ما زالت تمارس عملها قانونيا هناك، وأن كل شيء موجود في حساباتها وخاضع للمراقبة، وأنه يتابع الأمور من لندن يوما بيوم. وذكر أن له مصادر وواردات عن أعمال خاصة يقوم بها منذ زمن بعيد تضمن للمستثمرين أموالهم، لكنه رفض شرح التفاصيل عن هذه الأعمال والواردات، وقال رزق «أنا لم أسرق، وسأعود الى شركتي في قطر بعد التسديد لأتابع الأعمال نفسها هناك»، مؤكدا ان «سيتي فوركس» لم تمت». الا أن الدكتور النعيمي يقول الآن ان رزق لم يف بالاتفاق «اذ لم يدفع فلسا لأي مستثمر، ثم لم نعد نراه، فقد توارى عن الأنظار بمبلغ هو أكبر ما اختفى بهذه الطريقة من دول الخيج حتى الآن، أي 125 مليون دولار، اذا لم يكن أكثر» على حد تعبيره. وقال النعيمي انه كتب لجورج رزق عبر البريد الألكتروني رسائل عدة يدعوه فيها الى تنفيذ الاتفاق واعادة الأموال الى أصحابها. كما حدثه عبر هاتفه النقال مرارا «الا أنني كنت أشعر بأنني الغني وأموالي المواعيد»، كما قال المتنبي وفق تعبيره. وذكر النعيمي أنه تلقى اقتراحا قبل أسبوع من رجل أعمال أردني، وآخر أردني حاصل على الجنسية المصرية ومقيم في القاهرة، ينص على تأسيس شركة جديدة استثمارية، يكون لكل مستثمر سابق في «سيتي فوركس» أسهم تعادل قيمة ما كان له من أموال في الشركة السابقة، وبواقع دولار عن كل سهم، على أن يشتري رزق بعد سنتين جميع أسهمها، فتعود بذلك الأموال لأصحابها. لكنهما اشترطا أن يشتري رزق الأسهم بعد سنتين بقيمتها الاسمية «التي لا أحد يدري، سوى الله سبحانه، كم ستكون.. أي أن قيمة السهم قد تصبح فلسا واحدا بعد سنتين من اشراف أصحاب الاقتراح على الشركة، وبذلك يخسر المستثمرون أموالهم بالكامل، ولا نعود قادرين على مطالبة أحد بالدفع» كما قال النعيمي. واضاف وزير العدل القطري السابق ان كثيرا من المبالغ التي حملها رزق معه ذهبت الى حسابات لأحد أقربائه في بنوك مصرية «حيث سأرفع دعوى ضد نسيبه في القاهرة أيضا، مثبتا ما أقول بالوثائق والكشوفات» على حد تعبيره. وقد اتصلت «الشرق الأوسط» مرارا ببيت قريب رزق في القاهرة، وهو رجل الأعمال «ش. ر» بعد أن كان صعبا التحدث اليه عبر هاتفه النقال، لأنه كان مقفلا دائما، فقالت زوجته انه غادر القاهرة الى بلد آخر، لا تعرف عنوانه ولا رقم هاتفه. كما اتصلت «الشرق الأوسط» أربع مرات، تركت فيها 4 رسائل صوتية في مسجل الهاتف النقال، الخاص بجورج رزق في لندن، تدعوه فيها الى ابداء رأيه في ما يقوله النعيمي. الا أن رزق لم يرد. وقال النعيمي انه سيكون في لندن الاثنين المقبل ليقدم طلبا قانونيا الى المدعي العام فيها، بضرورة تحويل دعواه التي رفعها منذ أسبوع في المحاكم المدنية بالعاصمة البريطانية، الى دعوى جزائية، بحيث يقوم القضاء البريطاني بتجميد ممتلكات جورج رزق في بريطانيا وأمواله في مصارفها، واعتقاله للتحقيق.