|
سر الطلاق بين "وفا" و "فلسطين الثورة" ! بقلم : أسامة فوزي نشرت في سوراقيا العدد رقم 351 الصادر في 7 مايو 1990 حكاية الدكاكين التى اثارها الدكتور ادوارد سعيد وادت إلى نقل حسن عبد الرحمن – مدير مكتب الاعلام الفلسطينى فى واشنطن – الى كندا والاتيان بالدكتور ابراهيم ابو لغد ميدراً بالانابة ، ليست ظاهر مقصورة على العمل الاعلامى الفلسطينى فى اميركة فكل المؤسسات الاعلامية الفلسطينية تحولت الى "دكاكين" وثلاثة ارباع العاملين فيها ليسوا كتابا ولا صحافيين ، ولعل هذا يفسر فشل الاعلام الفلسطينى فى الرد على الحملات المشبوهة التى شنتها صحف "كامب ديفيد" مؤخراً فمسؤولو الاعلام منشغلون بالاسفار وفى جواز سفر زياد عبد الرحمن ومحمد سليمان واحمد عبد الرحمن وغيرهم من (اساطين) العمل الاعلامى الفلسطينى تاشيرات دخول وخروج الى عدد من الدول لم يصلها السندباد ولا غزاها (ابن بطوطه) فى رحلاته الشهيرة. يتحرج الكثيرون من العاملين فى الميدان الصحافى من الكتابة حول الموضوع الفلسطينى ويزيد حرجهم عندما تكون الكتابة حول المؤسسات عن اختلاط الحابل بالنابل والسئ بالردئ والمخلص بالمغرض فيما يتعلق بمثل هذا النقد ويزيد فى الحرج ان اقلاما مشبوهة – مثل انيس منصور – تتصدى بين حين وحين للكتابة عن الموضوع الفلسطينى من زاوية قول كلمة حق يراد بها باطل، الامر الذى يحول بين الاقلام الصادقة وبين اسهامها فى نقد مسيرة اعلام الثورة حتى لا يفسر نقدها على انه تكريس لنهج انيس منصور وصحبه. ويبدو أن القائمين على المؤسسات الاعلامية الفلسطينية، المنتفعين منها مالا وجاها ،قد احسنوا توظيف هذه "اللا سامية " الصحافية ، لمصلحتهم ، بحيث اصبحوا يتهمون كل ن يخالفهم الرأي أو ينتقد ممارسات مؤسساتهم او يشير إلى انفاقاتهم وبذخهم، بمعاداة الثورة والارتباط بجهات مشبوهة عربية او اجنبية ، الامر الذى احاطهم يفيتو فلسطينى جعلهم فى مأمن من المحاسبة على تقصيرهم الفاضح فى تبنى القضايا الفلسطينية الراهنة والدفاع عنها ومواكبة الثورة العظيمة فى الاراضى المحتلة. وقصة المؤسسات الاعلامية الفلسطينية تعود الى عام 1969 يوم انتخب الشهيد كمال ناصر رئيسا لدائرة التوجيه والاعلام فباشر مهمته واضعاً نصب عينية مفهوماً ثوريا واضحا لاعلام ثورى ناجح مشيرا الى تلك الرؤية بقوله: "أن الثورة هى التى تصنع اعلامها وليس العكس ، ومن خلال فوهة البندقية استطعنا ان نغير اكثر من موقع كان مستعصيا على وسائل الاعلام الكلاسيكية. لكن اختلاط الحابل بالنابل، جعل كل من هب ودب يدلى ببيانات وتصريحات باسم اللجنة المركزية ، الامر الذى دفع كمال ناصر – وكان يومها ناطقا باسم المقاومة – الى الضغط باتجاه اصدار اول قرار "بمنع التحدث واصدار بيانات سياسية منفردة، وقد حذر كمال ناصر من ان كل خروج عن ذلك يشكل خروجا عن الوحدة الوطنية وامن الثورة ، ومع ذلك واصل خالد الحسن وغيره من القيادات اطلاق التصريحات من الكويت، الامر الذى دفع كمال ناصر الى رفع استقالته الى اللجنة التنفيذية ليس من منصبه كناطق رسمى باسمها بل ومن عضويته فى اللجنتين التنفيذية والمركزية. لذا عندما اقدمت ، اسرائيل فى نيسان (ابريل) 1973 على اغتيال كمال ناصر فى عملية فرد ان المشهورة ببيروت ، وعندما اطلق الاسرائيليون عشر رصاصات فى فمه، انما ارادوا اسكات صحافى وثائر وصاحب مدرسة فى الاعلام الثورى، لعلمهم ان الرجل قد وضع اسس التحرك الاعلامى للثورة الوليدة، ولعلمهم ايضا ان البدائل المطروحة لكمال ناصر ليست ذات فلسفة اعلامية ثورية واضحة وانما هى عناصر …. فبعد كمال ناصر اصيبت المؤسسات الاعلامية الفلسطينية بالازدواجية والمحسوبية وتضخمت وظيفيا واصبحت عبئا على الثورة لا تستنزف اموالها فحسب بل وتعيق التحرير وتجعل طريقه اطول. وبسبب غياب استراتيجية اعلامية فلسطينية منذ اغتيال كمال ناصر، فشل الاعلام الفلسطينى فى نقل قضيته العادلة ليس الى المواطن العربى فحسب بل والى العالم كله، ويمكن ان نجزم ان كل المواقف الى ظهر بها ياسر عرفات على شاشة التلفزيون الاميركانى – وآخرها قبل شهرين – كان ظهورا غير مدروس واعطت نتيجة عكسية اضرت بالموضوع الفلسطينى وهذا يدعو للدهشة فعلا فالرئيس ياسر عرفات محاط بنخبة من الاستشاريين العاملين فى الميدان الاعلامى خصوصا فى الولايات المتحدة مثل الدكتور ادوارد سعيد والدكتور ابراهيم ابو لغد وحسن عبد الرحمن وغيرهم وهؤلاء اعلم بالدور الذى يلعبه التلفزيون فى تشكيل الرأى العام، ومع انهم ينظرون فى مقالاتهم ومحاضراتهم لهذا الدور الا انهم يخفقون على الدوام فى تقديم (المشورة) للقيادات الفلسطينية التى تظهر على شاشة التلفزيون الاميركانى. تعتبر وكالة الانباء الفلسطينية (وفا) من اهم المؤسسات الاعلامية الفلسطينية وميزانية الوكالة لا تقل عن ميزانية مثيلاتها فى اى بلد عربى، ويعمل فى كادرها العشرات، ولها حسابات مصرفية مفتوحة على مصراعيها ، يتصرف بها زياد عبد الفتاح، السندباد الطائر الذى يحط كل اسبوع فى عاصمة او فندق، ويلاحظ العاملون فى الميدان الصحافى ان الوكالة مقصرة فى متابعة اخبار الانتفاضة إلى درجة تستدعى تشكيل لجنة تحقيق مع رئيسها زياد عبد الفتاح، وباستثناء نشراته التى يصدرها نقلا عن صحف ومجلات الاراضى المحتلة ، فان الوكالة تكاد لا تقدم خدمة اعلامية تذكر للقضية الفلسطينية يبرر لها هذا الانفاق الباذخ والتنقل السندبادى لرئيسها لكن السر الذى لم نتمكن حتى الان من سير اغواره هو معرفة ابعاد وخفايا واسباب هذا الطلاق النهائى بين وكالة الانباء الفلسطينية (وفا) وبين مجلة "فلسطين الثورة" الناطقة باسم منظمة التحرير، حتى اننا لم نقع منذ سنوات طوال على خبر واحد فى مجلة "فلسطين الثورة" منسوب الى وكالة الانباء الفلسطينية (وفا) والاطرف من هذا انه عندما عممت "وفا" بيانات لمصدر مسؤول فى المنظمة تبرات فيه المنظمة من تصريحات بسام ابو شريف الذى كان قد ابدى استعداده للسفر الى القدس، عز على "فلسطين الثورة"، أن تنشر البيان منسويا الى الوكالة فسارع مسؤولها فى تونس الى استصدار بيان آخر خاص بها ، جاءت صيغته ومحتواه بل ومدلوله على النقيض من بيان "وفا". والصراع الوظيفى بين "وفا" و "فلسطين الثورة" هو امتداد للصراع الذى نشب بعد اغتيال كمال ناصر للهيمنة على المؤسسات الاعلامية الفلسطينية، وقد بات من الوضح ان احمد عبد الرحمن وبسام ابو شريف وهانى الحسن وغيرهم يقومون بادوار (الناطق الرسمى باسم المنظمة). لذا تميل فلسطين الثورة ، الى ما يميل اليه عبدالرحمن باعتباره رئيس التحرير بينما تحاول "وفا" ان تبلور بسام ابو شريف وتبرزه، وفى عودة لى الى اخر مئتى عدد من "فلسطين الثورة" لم اجد ذكرا واحدا لزياد عبد التفاح مع انه يشغل منصب رئيس وكالة الانباء الفلسطينية وله (مونة) فى الامانة العامة للكتاب والصحافيين الفلسطينيين. وعلى ذلك قس ، فالمكاتب الاعلامية الفلسطينية فى دول العالم – ومنها مكتب الاعلام الفلسطينى فى واشنطن – تنشط فى كل الميادين الا فى الميدان الاعلامى ، ولكل مكتب ميزانية ، وبين كل مكتب وفروع المؤسسات الاعلامية الاخرى طلاق "كاثوليكى"، أى لا انفكاك منه ، الامر الذى يزيد اعباء الثورة من ناحية مادية فضلا عما يلحق بها من اضرار معنوية وسياسية ودعائية. والامر اللافت للنظر اكثر من ممارسات المسئولين عن المؤسسات الاعلامية الرسمية المرتبطة بمنظمة التحرير انهم يحرصون على تجنب التعامل والتعاطى مع الكتاب والصحافيين الفلسطينين ، ومن ثم فان غياب معظم الاقلام الفلسطينية البارزة عن صفحات مجلة "فلسطين الثورة" له ما يبرره، فأصحاب المجلة يتصرفون وكأن المجلة (عزبة) توارثوها من آبائهم ، وهم وفى ظل الظروف الموضوعية التى تمر بها القضية الفلسطينية فى مأمن من المحاسبة والمحاكمة ، طالما انهم حيدوا القيادات الكبيرة بالاهتمام بها ونشر اخبارها اولا بأول، ومثل ذلك فى "وفا" التى جعلها زياد عب الفتاح (تكيه) حتى ان موفدية الى بوخارست لم ينجحوا فى كتابة تقير واحد للوكالة عن الاوضاع المتردية فى رومانية قبل سقوط تشاوشيسكو وادى فشل الوكالة فى الرصد والتحليل الى كارثة اصابت الوجود الفلسطينى هناك!! والاطرف من هذا ان احمد عبد الرحمن – الناطق الرسمى ورئيس تحرير، "فلسطين الثورة" والامين العام للاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين ، الذى سقط فى انتخابات المجلس المركزى ، فتم اصدار (قرار) بتعيينه فى المركز الذى فشل فى الوصول إليه عن طريق الانتخابات، يخطلط – فى تعاملاته مع من حوله من كتاب وصحافيين – بين وظيفة الصحافى ووظيفة رجل المخابرات ، لذا تراه يستقطب من حوله كتابا وصحافيين، ليس للكتابة الى "فلسطين الثورة" مثلا وانما لتزويده بالمعلومات الاستخبارية ، ليس عن العدو الاسرائيلى لا سمح الله وانما عن (ابو فلان) و (ام علان). عندما وقف الاذاعى الفلسطينى الشاعر يعقوب شاهين – وهو استاذى بالمناسبة – على منصه المؤتمر العام للاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين الذى انعقد فى الجزائر لينقد ممارسات احمد عبد الرحمن ، تم استدعاء يعقوب شاهين مساء اليوم نفسه الى جلسة حضرها رئيس المنظمة ياسر عرفات ومدير مخابراتها "ابو الهول" وعدد كبير من اعضاء فتح، ليس للتحقيق فى الاتهامات الخطيرة التى كالها شاهين لاحمد عبد الرحمن باعتباره يحتل مركزاً اعلاميا مؤثراً فى الثورة، وانما لبهدلة هذا الاذاعى المبدع، والشاعر الحساس، لانه تجرأ على انتقاد احمد عبد الرحمن، فكيف – اذن – نصادر حرية شاعر ونمتهنها على هذا النحو. ثم نطلب منه ان يقاتل "اسرائيل" !! اسامة فوزى
|