هل أصبح الإرهاب دين العرب؟

د. احسان طرابلسي

-1-

لأول مرة في تاريخ الدول وتاريخ الانسانية، تعترف دولة بعظْم لسانها وبخط يدها، أنها مسؤولة عن عملية إرهابية ضخمة فوق لوكربي 1988، راح ضحيتها المئات، وأنها مستعدة لتعويض أهالي الضحايا بالمال الوفير، الذي يبلغ المليارات (7و2 مليار دولار). كما سبق لهذه الدولة أن اعترفت سابقاً بمسؤوليتها عن تفجير الطائرة الفرنسية فوق النيجر في عام 1989، مما أسفر عن مقتل 170 شخصاً، ووافقت على دفع مبلغ تافه ( 33 مليون دولار). كما أوردت صحيفة "دير شبيغل" الالمانية أن ليبيا أبلغت حكومة برلين باستعدادها لتعويض الضحايا غير الاميركيين في حادثة تفجير ملهى ليلي ألماني عام 1986!

-2-

ويضاف إلى هذه المليارات ما دفعته "دولة القذافي" في حرب تشاد، والملايين التي دفعت للجيش الجمهوري الايرلندي السري و "جبهة تحرير كورسيكا" في فرنسا، وجماعة "الدرب المضيء" في امريكا اللاتينية، ومنظمة "ايتا" في اسبانيا، و"بادر- ماينهوف" في المانيا، و "الجيش الياباني الاحمر" اليساري، و حركة "الفهود السود"، و "أمة الإسلام" في امريكا. بالاضافة الى ما صُرف على منظمة "ايلول الاسود"، وجماعة "أبو نضال"، والأموال التي صُرفت على ملاحقة "الكلاب الضالة"، وهو المصطلح المُستخدم لوصف المعارضة الليبية في وسائل الاعلام الرسمية في طرابلس الغرب، والملايين التي صرفت على العديد من الأنظمة الافريقية لدعم هذا الانقلاب ومؤازرة ذاك الرئيس!

وهات يا جرائم بشعة، وهات يا بلايين الدولارات، تنفق على الإرهاب، بلا حساب ولا عقاب من جمهور الجماهيرية المتجمهر!

-3-

يا للفضيحة العربية المجلجلة!

دولة، عربية، جمهورية، جماهيرية، متجمهرة، شعبية، اشتراكية، قومية، وحدوية، زعموية، وطنية، ناصرية، تحررية، ثورية، كتابية أخضرية، إرهابية، افريقية، بترولية.. الخ، زعيمها "مخلوق" معتوه ومجنون، وقع على ثروة كبيرة كالثروة الليبية وقوع اللصوص على البنوك والخزائن، وراح يُبددها يمنياً وشمالاً، دون حسيب أو رقيب، تبديد المقامر المعتوه، المطلوب الحجْر عليه، وكأنه ورث هذه الثروة عن آبائه وأجداده "العظام"، ويموّل بها الإرهاب في شتى صوره وأشكاله، وكان آخرها فضيحة لوكربي التي دفع ثمنها هذه البلايين من الدولارات من دم الشعب الليبي، ومن عرقه، ومن قوت يومه، وهو يتلهّى ويتباهي بالانجاز العظيم الذي صنعه لليبيا على مدار أكثر من ثلاثين سنة من الفساد والظلم والطغيان والخراب ومصادرة الحريات، وقتل أولياء الله الصالحين كالإمام موسى الصدر وصحبه الكرام.

ماذا بقي من العرب حتى الآن؟

إرهاب، إرهاب، إرهاب!

إرهاب في كل مكان، في الشرق والغرب، في آسيا، وافريقيا، وأوروبا، وأمريكا، وفي كل مكان.

-4-

لقد أصبح الواحد منا يخجل نحن معشر المثقفين الذين نعيش في الغرب، أن نقول عن أنفسنا أننا عرب!

فما هو دور العرب في الحياة الإنسانية المعاصرة الآن غير الإرهاب؟

ما هو النتاج العربي والابداع العربي الذي نساهم فيه الآن، في المجال الانساني، غير الإرهاب؟

لقد أصبح العربي في الغرب محتقراً ومنبوذاً كالكلب الأجرب. بل إن الكلاب الجرباء أكثر كرامة من العربي الذي أصبح عنوان الإرهاب والدمار، بفضل هذه العصابات؟

كيف سيتعامل العالم من جديد غداً مع العقيد الفقيد القذافي الذي اعترف بخط يده بجريمة لوكربي الشنعاء، وقبلها بجريمة الطائرة الفرنسية واليوم بجريمة نسف النادي الليلي الألماني.

يا لوقاحة العقيد الفقيد القذافي وجرأته في الاعتراف بالجرائم الشنعاء؟

من يستطيع غداً أن يصافح يد العقيد الفقيد الملطخة بدماء الأبرياء من النساء والأطفال الذي كانوا على ظهر الطائرة الأمريكية والفرنسية المنكوبتين، وفي النادي الليلي الألماني؟

بماذا سنواجه العالم غداً؟

هل سنقول له أن القذافي لا يمثل العرب، وأن ابن لادن، والظواهري، وجماعة الاخوان المسلمين، والجماعات الإسلامية الأخرى في مصر، وأنصار الإسلام، ومليشيات صدام حسين، ومليشيات البعث في سوريا ولبنان، وفلول "القاعدة" و "الواقفة" في السعودية، والإرهابيين الترابيين في السودان، والإرهابيين الأصوليين في الجزائر واليمن والأردن وفلسطين، والإرهابيين الذين فجروا البرجين في نيويورك، لا علاقة لهم بالعرب؟

إذن من هم العرب؟

وأين هم العرب؟

هل هم الحكام الديكتاتوريون المسؤولون عن كل هذا النار الموقدة من الإرهاب؟

والعجيب الغريب، أن مجموعة من "كتبة عروض الحال" في صحافة العالم العربي، ما زالوا يلقون اللوم في كل هذا الإرهاب على الغرب وعلى أمريكا بصورة عامة.

فهل كانت أمريكا وراء القذافي في الإرهاب الذي قام في حادثة لوكربي الشنيعة وفي الطائرة الفرنسية، وفي النادي الليلي الألماني، والمخفي أعظم ، ولا ندري غداً ماذا سيتكشف لنا من جرائم العقيد الفقيد؟

-5-

إن هذه المليارات التي سيدفعها القذافي ثمناً باهظاً لجرائمه الكبرى، وهذا الاعتراف القذافي الوقح بالمسؤولية عن هذه الجرائم سيكون امتحاناً كبيراًً للشعب الليبي الذي يجب أن يحاسب هذا البهلوان المشعوذ حساباً عسيراً.

إن الشعب الليبي، شعب الشيخ محمد الشريف السنوسي، وشعب رمضان السويحلي، وشعب صفي الدين السنوسي، وشعب يوسف أبو رحيل، وشعب عثمان الشاوي، وشعب عمر المختار، وشعب كل الأبطال الذين قهروا الاستعمار الايطالي ودحروه، يجب أن يدحروا القذافي وعصابته ويخرجوهم من ليبيا كما اخرجوا الايطاليين الذين لم يلحقوا الأذى والسمعة السيئة بليبيا والشعب الليبي كما فعلت "دولة القذافي"؟

إن ليبيا بُراءٌ مما يفعل القذافي الذي سرق ليبيا، وراح يهدر ثروتها على الإرهاب. فالسارق والوارث لا يعرف للمال قيمة كما يقولون.

-6-

أما كان الشعب الفلسطيني المنكوب أحق بهذه المليارات من الدولارات التي سيدفعها العقيد الفقيد ثمناً لجنونه وطيشه؟

كم من جامعة تعليمية يمكن لنا أن نبني بهذه المليارات من الدولارات، لكي تضم آلاف الطلبة العرب الذين ضاقت بهم الجامعات العربية، وتشردوا في الشوارع؟

كم من مدرسة يكمن لنا أن نبني بهذه المليارات من الدولارات المهدورة لنفسح المجال أمام عشرة ملايين طفل عربي قال تقرير التنمية البشرية للأم المتحدة عام 2002 بأنهم لا يجدون مدارس لهم؟

كم من مستشفى ومستوصف يمكن لنا أن نفتتح بهذه المليارات من الدولارات المهدورة للمرضى من الفقراء والتعساء العرب؟

كم من مصنع يمكن لنا أن نبني بهذه المليارات من الدولارات المسروقة من مال الشعب الليبي، لكي نقضي على البطالة العربية التي وصلت إلى ثلاثين بالمائة في الدول البترولية وحدّث ولا حرج عن نسبتها في الدول العربية الفقيرة؟

ومتى أصبح المال العربي مالاً حراماً، يذهب في الحرام. فإما أن ننفقه على تمويل الارهاب، وإما أن ننفقه في حروب مجانية دونكيشوتية، ,وإما أن ننفقه على قصورنا وقبورنا، وإما أن ننفقه على أهوائنا ومغامرتنا الليلية في المقامِر الليلية وفي المجامِر الأفيونية.

-7-

إن "دولة القذافي" الإرهابية ليست ليبيا، وليست الشعب الليبي. إنها دولة عصابات استولت على ليبيا بقوة السلاح وبالإرهاب!

إن القذافي وعصابته كانوا كارثة على الشعب الليبي أكبر من كارثة الاحتلال الايطالي. كما كان صدام حسين كارثة أكبر على الشعب العراقي من كارثة الاحتلال الأنجلو – امريكي. ولا نريد أن نقول أن الديكتاتورية المصرية في العهد الجمهوري كانت كارثة على مصر ايضاً أكبر من كارثة الاحتلال الانجليزي، أو أن الديكتاتورية الجزائرية كانت كارثة على الجزائر أكبر من كارثة الاحتلال الفرنسي.. ويطول مسلسل الاستعمار والديكتاتورية العربية إلى ما شاء الله!

ورحم الله الاستعمار وأيامه، للأسف الشديد!

-8-

فبأي أي وجه غداً سوف يقابل القذافي العالم بعد أن سلّم الاعتراف الرسمي بمسؤوليته عن حادثة لوكربي لمجلس الأمن؟

وكيف ستقبل منظمة الأمم المتحدة غداً بين اعضائها دولة إرهابية معترِفة بالإرهاب، كالدولة القذافية؟

وكيف ستسمح الدول الغربية غداً بفتح سفارات "دولة القذافي" الإرهابية، وتتبادل مع دولة المجرمين الإرهابيين المعترِفين، التمثيل الديبلوماسي؟

وكيف ستقبل الجامعة العربية والدول العربية غداً دولة إرهابية على هذا النحو بين صفوفها، وقد اعترفت بعظْم لسانها أنها إرهابية ؟

أم أنه "كله عند العرب صابون" كما يقولون. وبوس اللحى غداً سوف يمحو آثار الجريمة الشنعاء المخزية كما هي العادة عند العُربان الذين أصبحوا كالغربان لا يبشرون إلا بالموت والدمار؟

وسوف يظهر غداً القذافي الإرهابي على شاشات الفضائيات بابتسامة بلهاء، وهو يلبس العباءة العربية فوق البذلة الافرنجية كالبهلوان، ويبرر ما فعله بألف كذبة وكذبة, دون أن يستحي أو يخجل، مثله مثل صدام حسين واسامة بن لادن ومن ولاهم، وكأن شيئاً لم يكن!

بل سيجد غداً في الإعلام العربي من يصفق له، ويحييه، ويعتبره "بطلاً ورمزاً"، كما اعتُبر صدام حسين كذلك. وإذا نفق، فسيكون "شهيداً" كالنافقين الشقيين: عدي وقصي.

-9-

لقد بدأ القذافي ينثر ذهبه الغالي على الشعب الليبي والرخيص عليه على فرسان الإعلام العربي الذين ذهب حاضنهم السابق المقبور، للدفاع عن حق دولته في دفع ما تدفع مقابل رفع العقوبات عليها. ولقد بدأ فرسان الإعلام العربي الذين ملأ القذافي جيوبهم بالذهب، في لوم أمريكا التي لن ترفع العقوبات عن ليبيا وانما ستكتفي برفع مجلس الأمن هذه العقوبات عن ليبيا. وعقوبات امريكا تختلف عن عقوبات مجلس الأمن، وليس والرفع واحداً! كما بدأ هؤلاء الفرسان بالثناء على "دولة القذافي" لدفعها هذه المبالغ الطائلة ثمناً لمغامرات حاكم معتوه كالقذافي. وقال واحد من هؤلاء الفرسان (محمود الريماوي) في ("الرأي " الأردنية، 18/8/2003):

"إن تحمّل المسؤولية والاستعداد لتعويض ذوي الضحايا هو أمر حسن، بل إنه من الأخلاقيات المفقودة التي تتم استعادتها في عالم السياسة".

وهكذا يُعلّم القذافي العالم ببلايينه الطائلة المسروقة من الشعب العراقي، الأخلاقيات المفقودة!

وهكذا يحيل ذهب القذافي البرّاق في أيدي وجيوب فرسان الإعلام العربي، الأسود إلى أبيض، والحرام إلى حلال، والشر إلى خير، والجريمة إلى مغفرة، وقتل الأبرياء إلى رحمة، والارهاب إلى أخلاقيات مفقودة كما قال الريماوي!

-10-

إن الإعلام العربي الذي مجّد في الماضي كل الديكتاتوريات العربية وغير العربية، هو إعلام (ممحون) بالديكتاتورية، والذي نراه اليوم يمجّد الديكتاتورية القذافية. بل هو أكثر من ذلك، فهو يمجّد ديكتاتورية عيدي أمين.. آكل لحوم البشر!

فهل قرأتم الكاتب الأردني جورج حداد في صحيفة الدستور الأردنية (18/8/2003) كيف يُمجّد الديكتاتور المقبور عيدي أمين ويرثيه، في مقال له تحت عنوان (العملاق الأسود المظلوم) ويقول:

"صحيح ان ثمة غرابة وسلوكيات غير مألوفة في مسيرة عيدي امين الرئاسية، ولكنه بكل تأكيد، لم يكن ابداً على الصورة اللئيمة الحاقدة المزيفة الكاريكاتورية التي اظهرته فيها وكالات الأنباء، أمس الاول!

وسيأتي يوم تعيد فيه افريقيا الاعتبار لهذا العملاق الاسود!!".

فقط هناك غرابة وسلوكيات غير مألوفة في تصرفات الديكتاتوريين في عُرف فرسان الإعلام العربي، فلماذا إذن نلومهم على ارهابهم لشعوبهم؟

هذا ما يريد فرسان الإعلام العربي أن يسوّقوه لنا صباحاً ومساءً، ليلاً ونهاراً!

***

وبعد:

فهل نسي العرب دينهم الإسلامي؟

دين محمد، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي؟

دين التسامح، والفطرة، والمحبة، والصفاء، والنقاء؟

أم أن الإرهاب أصبح دين العرب الجديد، والعياذ بالله؟

Ihstrabulsi@Yahoo.com

نقلا عن موقع ايلاف