|
ابتلاء
ليبيا
صلاح
الغزالي
اذكر
في نهاية الثمانينات كنت في إحدى الولايات الامريكية، وكان هناك العديد من
الطلبة والعاملين الليبيين، تعرفت عن قرب على بعضهم، كان بعضهم يعمل في أمريكا،
وبعضهم طلبة جاءوا على حسابهم الخاص وبعضهم مبتعثون من قبل الحكومة
الليبية،ولكن ما يجمع بينهم انهم جميعا قرروا العيش خارج الوطن، إما لأنهم لا
يستطيعون العودة اليه وإما لأنهم غير راغبين بالعودة بعد انتهاء دراستهم
وبعثتهم، والغريب في الأمر ـ في تلك السنوات - انهم كانوا تحت رقابة شديدة من
قبل CIA وكانت تعتقل بعضهم للتحقيقات خوفا من ارتباطهم بالمخابرات الليبية..
ومن يدري؟ وكان بعضهم يعطينا اشرطة فيديو مسجلة لمحاكمات همجية لمعارضين تتم في
ملاعب رياضية وسط حشد الجماهير ثم يصدر حكم الإعدام فيتم التنفيذ من قبل
الجماهير الغاضبة!
هذه بعض المعاناة للشعب الليبي، وغيرها كثير، منذ قيام تنظيم الضباط الوحدويين
الأحرار بالقضاء على النظام الملكي في ليبيا عام 1969 وليبيا والليبيون مبتلون
يخرجون من محنة ليدخلوا في محنة اخرى، فالعمل السياسي في ليبيا خارج الاتحاد
الاشتراكي العربي الذي تم العمل به منذ 1971 كتنظيم سياسي شعبي وحيد يعتبر
جريمة تستحق عقوبات رادعة، وفي 1973 اعلن الأخ القائد «الثورة الشعبية
الثقافية» ليعقبها تأسيس «اللجان الشعبية» في المناطق وعلى مستوى المهن.
لقد كان لليبيا طموحات اقليمية ودولية كثيرا ما دفع الشعب الليبي ثمنها باهظا،
فقد دخلت ليبيا في نزاع مع تشاد حول قطاع اوزو الذي تسبب في حرب بين البلدين،
كما عانت مصر السادات وسودان النميري كثيرا من ليبيا، كذلك تعرضت ليبيا لاعتداء
امريكي فوق خليج سرت وقصف منزل القذافي بعد اتهام ليبيا بدعم الارهاب.
آخر ابتلاءات ليبيا ما نقرأه بوسائل الاعلام اليوم، هو خطاب ليبيا الى الأمم
المتحدة بأنها تتحمل المسؤولية عن حادث تفجير طائرة «بان اميركان» فوق بلدة
لوكربي في اسكتلندا عام 1988 والذي ادى الى مصرع 270 شخصا، ويمهد هذا الاعتراف
حسب الاتفاق لحصول اسر الضحايا على نحو عشرة ملايين دولار تعويضا عن كل شخص قتل
في الحادث.
وللنظام الليبي ابتلاءات اخرى على شعوب العالم، فقد وجهت اتهامات الى ليبيا
بأنها وراء حادث تفجير طائرة شركة اوتا الفرنسية أثناء رحلتها فوق النيجر عام
1989، لذلك ففرنسا تطالب بتسوية مماثلة لرعايا امريكا وبريطانيا والا فانها
ستعارض هذا الاتفاق في مجلس الأمن، وهذا يعني ان فرنسا تطالب بعشرة ملايين
دولار تعويضات لكل أسرة من ضحايا الطائرة وعددهم 170 فردا.
كما تم توجيه اتهامات المانيا لليبيا حول دورها في الاعتداء على الاميركيين في
مرقص «لا بيل» الليلي ببرلين الغربية عام 1986، وقد اعلنت مجلة المانيا ان
ليبيا التزمت لدى برلين بتعوض عائلات الأشخاص الذين لقوا حتفهم وعددهم ثلاثة
أشخاص والذين أصيبوا في المرقص وعددهم 260 اخرين.
ورغم دفع كل التعويضات الا ان الولايات المتحدة تقول انها لا تعارض رفع
العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة على ليبيا لكنها لن ترفع عقوباتها المفروضة
على طرابلس الغرب في الوقت الراهن، وكذلك قالت بريطانيا.
اذا اضفنا لكل تلك التعويضات التي سيتم دفعها من قوت الشعب الليبي، سنوات
الحصار الاقتصادي على ليبيا والتي امتدت خمس عشر سنة.. ستكون النتيجة هي افلاس
هذا البلد الذي حباه الله ثروة اقتصادية ضخمة وخسارة اقتصادية بلغت عشرات
المليارات من الدولارات كان يمكن توظيفها لنهضة الإنسان الليبي والإنسان العربي
والافريقي الذي طالما نادى النظام الليبي بوحدته وتنميته.
والابتلاء لم يتوقف على أبناء الشعب الليبي، ولا على أبناء الشعب الاوربي الذي
قد يكون خصما للنظام الليبي، بل تعداه الى الشعوب العربية، والأحداث هنا اكثر
من أن تحصى، ولكن يمكن ان نذكر هنا بعضها وأقربها، فالموقف الليبي من الاحتلال
العراقي لدولة الكويت غير مفهوم، فقد قدم زعيم الثورة مبادرة سلمية قوامها
احلال قوات الأمم المتحدة محل القوات العراقية، والنظام في الكويت واختيار
الحكومة متروك للشعب! وتمكين العراق من جزيرة بوبيان! مع عدم استخدام القوة!
والمملكة العربية السعودية لم تسلم من أذى النظام، فقد تم توجيه اتهام خطير
للمملكة منذ أيام وهي في عز أزمتها مع امريكا، بالقول ان نظام المملكة ومناهجها
وأجواءها تساعد وتشجع على ظهور ونماء وتقوية التطرف والارهاب! وهي المملكة التي
وقفت معه في محنته واستخدمت كل دبلوماسيتها وعلاقاتها مع أمريكا لانهاء الحصار
ورفع العقوبات وتسوية لوكربي!
من بقي؟ حل المشكلة الفلسطينية التي اطلق على مبادرته «اسراطين»! أم انسحابه من
جامعة الدول العربي؟ أم تحذير للاتحاد الاوربي من المخاطر التي قد تنجم عن
السماح لتركيا بالحصول على عضوية الاتحاد لأن شعبه مسلم وسيضر بالاتحاد!
واخر المبادرات.. كما نشرها موقعه على الانترنت هذه الأيام.. «ترقبوا.. الحل
السلمي والنهائي والعادل.. لمشكلة كشمير» استر علينا يا رب..
alghazalis@yahoo.com
صحيفة الوطن الكويتية |