النظام الليبي بعد ان ظل لسنوات عديدة يرفض الاعتراف بمسئوليته عن حادثة تفجير طائرة بان امريكان في لوكيربي باسكوتلندا عام 1988م، وظل ينفي ويدافع ويهاجم الامبريالية الامريكية ومعها زمرة المتآمرين الغربيين.

وصار بفضل دفاعه ونفيه بطلا قوميا يشار اليه بالبنان، وفي سبيل ذلك اخضع شعبه لسنوات عجاف من الحصار البؤس والجوع، واستنزف من طاقات ابنائه الكثير الكثير، واستنفد من قوت اهله وناسه واهدر من اموالهم وثرواتهم مازاد بلده فقرا علي فقر لم ينفع معه ما تمتلكه اراضي ليبيا من بترول جعلها في مصاف الدول المصدرة له!
النظام الليبي صاحب الطموحات والنزوات يفجعنا في مطلع هذا الاسبوع بتوقيعه صك الادانة علي نفسه ويقدم تعويضا علي طبق من ذهب لاسر ضحايا حادث لوكيربي البالغ عددهم 270 قتيلا ما يقارب ثلاثة مليارات من الدولارات، دفعها في الحقيقة الشعب الليبي من ضنك العيش والحرمان، ومن الذل والحصار والألم والعذاب، ومن السجون والمنافي.
هكذا، وبكل هذه البساطة والسهولة بعد سنوات الرفض والحصار والمحاكمات و کالتشحطط بين اروقة المنظمات الدولية ودهاليز المحاكم الاوروبية، وبعد ان لازم الشعب الحزن والانين، وصارت المعاناة الليبية مظهرا للصمود والتحدي، يتم الاعتراف بالمسئولية والانصياع للتعويض.. فما الذي حدا مما بدا؟ وعلام كان الشقاء والتعب؟!!
لقد اعتادت العشوب العربية في الحقيقة علي مسألة الاكتشافات المتأخرة والاستنتاجات المفجعة، فهاهي القيادة العراقية في عام 1990 اعلنت علي الملأ خطأ حربها مع ايران، وهي الحرب التي دامت لعشر سنوات راح ضحيتها الآلاف من البشر وكلفت من الاموال مئات الملايين والمليارات! ثم تكرر القيادة العراقية خطأ عجرفتها وعدم رضوخها وتزعم قدرتها علي التصدي وتحذر الامريكان من اقتحام اسوار بغداد التي ستكون مقبرة للعلوج، لكنها لم تلبث ان تبيع بغداد وتتخلي عن خنادقها وبنادقها دون مقاومة وتستقر في الملاجئ والمخابئ! ليس بعيدا عنا ايضا اعتراض ومقاطعة الدول العربية لمصر ابان توقيعها معاهدة كامب ديفيد مع اسرائيل ثم تتسابق الدول العربية نفسها في جريها لمثل هذه المعاهدات والاتفاقيات!!
غني عن البيان ان اوضح ان التعويض المجزي ستنال بموجبه اسرة كل ضحية من ضحايا لوكيربي عشرة ملايين دولار! وعلينا ان نقارن هنا قيمة الانسان الامريكي مع قيمة الانسان العربي او المسلم الذي صارت دماؤه في رخص التراب - ان لم يقل - مع ان للامريكان انفسهم من حوادث الارهاب والاختطاف ما يفوق لوكيربي، لعل اقلها واقربها حادث اسقاط الطائرة المدنية الايرانية فوق مياه الخليج في نفس العام الذي حصلت فيه حادثة لوكيربي عام 1988م وراح ضحيته ک298Œ قتيلا، وقد اعترفت واشنطن حينها ان ذلك تم بطريق الخطأ لكنها لم تسمح بالتحقيق كما لم تقدم اعتذارا، وبالطبع لم يتكلم احد عن شيء اسمه تعويض. وهو امر ما كان ليحدث لو لا هوان الانظمة العربية والاسلامية علي نفسها وبيعها لشعوبها بثمن بخس، ولولا ان المسلمين لا بواكي لهم.
لا شك انه ستكون لوكيربي فصل جديد آخر في سلسلة العار والشنار في التاريخ الحديث للامة العربية.

بقلم : جمال زويد

jzowaid@yahoo.com

نقلا عن صحيفة الايام البحرينية 19 أغسطس 2003