ومتى يقر القذافي باختطاف موسى الصدر؟

نايف كريم


هل هي صحوة ضمير يعيشها الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي ام هو درك آخر يهوي اليه آخذاً معه شعبه الليبي وربما الشعوب العربية بفضل سابقة اقرها لن تقتصر آثارها على ليبيا وحدها؟

لو كانت صحوة ضمير لكان على القذافي بعد اقراره بمسؤوليته عن حادثة تفجير طائرة "بان اميركان" فوق لوكربي وموافقته على دفع تعويضات بقيمة 2.7 ملياري دولار، مضافا الى اقراره سابقا بحادثة تفجير طائرة "يوتا" الفرنسية فوق النيجير عام 1988 ودفع تعويضات تطالب فرنسا بجعلها مماثلة للتعويضات الاميركية والبريطانية، وبعد بدئه التفاوض مع المانيا على دفع تعويضات لقتلى حادثة تفجير احد المراقص في برلين عام 1986 بعد ذلك عليه ان يكمل فيقر باختطاف السيد موسى الصدر ورفيقيه وتوضيح مصيرهم ودفع التعويضات المناسبة. وحبذا لو يفعل ذلك مع الذكرى الـ25 لاختطافهم التي تصادف بعد ايام عدة.

وان يقر معترفا بعدد الذين قتلهم من المعارضين الليبيين، والذين شردهم، وان يتحمل مسؤولية المآسي التي تسبب بها للعمال العرب والافارقة الذين قضوا سنوات طويلة من حياتهم يكدحون في ليبيا وخرجوا منها تاركين كل شيء وراءهم او محملين على الاكف، والمآسي التي تسبب بها في افريقيا بدولها العربية والافريقية، ومسؤولية رمي اللاجئين الفلسطينيين على الحدود بين مصر وليبيا غداة ولادة السلطة الفلسطينية في اعقاب اتفاق اوسلو... الخ والقائمة تطول وما خفي اعظم مما هو معلن.

وبعد ذلك حبذا لو تنتقل العدوى الى الحكام العرب فيعترفوا بما اقترفوه ضد شعوبهم ويقرروا دفع التعويضات المناسبة لورثة من قتلوهم من مواطنيهم فلربما تسعد بذلك الرعية وتصفح عن حكامها وتكف عن حسدهم وقد تتمنى لهم المزيد من البقاء!

اما ان يقتصر الامر على اعتراف بالمسؤولية عن اعتداءات طاولت اوروبيين واميركيين فقط دون اكتراث بما اصاب الليبيين والعرب، وهو ما يبدو انه حاصل، فلا بد عند ذلك من جملة كلام.

اولاً: اذا كان القذافي يعتبر نفسه اخطأ بارتكاب اعمال كان الشارع العربي بسطحيته يعتبرها في زمانها وظروف الصراع القائمة انها اعمال انتقام مبررة تساوى بلا اخلاقيتها مع لا اخلاقية السياسيات والاجراءات الاميركية والاوروبية، عليه اذاً ان يدفع ثمن الخطأ بنفسه وليس ان يدفعه مما تبقى من ثروات الشعب الليبي الذي انهكه الحصار واستنزف طاقته نتيجة افعال قيادته المتهورة.

ثانيا: ان على الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة وبريطانيا والمانيا وفرنسا التي تسعى للحصول على مليارات الدولارات الليبية نتيجة اقرار القذافي ان تتضافر تحت مظلة الامم المتحدة او بدونها (لم يعد مهما) لاعتقال القذافي (وليس احتلال ليبيا) واقتياده مخفورا الى محكمة العدل الدولية ومحاسبته شخصيا على افعاله بدل القيام بمعاقبة الشعب الليبي بعقابين اضافيين يضافان الى عقاب سنوات الحصار الطويلة، وهما الحصول على مليارات الدولارات من الاموال الليبية ومن ثم ابقاء القذافي في السلطة.

ان هذه الممارسة الابتزازية ممن يصفون انفسهم بزعماء العالم الحر وحماة حقوق الانسان تؤكد انهم ليسوا سوى لصوص محترفين يستغلون افعال الطغاة ليسلبوا الشعوب المقهورة او الغبية.

ثالثاً: بما ان القذافي ارسى قاعدة جديدة في تعامل الولايات المتحدة الاميركية مع زعماء العالم العربي وهي الحفاظ على كرسي الحكم مقابل مال الشعب وثرواته التي تدفع علنا تحت عناوين تعويض الضحايا. فلتسارع العائلات العربية المتضررة من حكامها وهي بالملايين لرفع دعاوى على حكامها لدى المحاكم الدولية او الاوروبية والاميركية. وانا اجزم انها ستكون اكثر فائدة للشعوب العربية من رفع الدعاوى على شارون. لأنها ان لم تفعل ذلك فسيفعله الاميركيون واعوانهم. وما حدث مع ليبيا نموذج، وما حدث في شهر تموز الماضي مع العراق نموذج آخر عندما امر قاض اميركي بدفع 653 مليون دولار من الودائع العراقية كتعويض الـ17 اسير حرب اميركيا اعتقلوا في العراق عام .1991 ولربما سيكون النموذج الأكبر ما سيحصل مع السعودية التي يطالب ذوو ضحايا 11 ايلول 2001 في اميركا بتحميلها المسؤولية وتغريمها تعويضات لا تقل عن تريليون دولار.

فلماذا لا يرفع ذوو ضحايا المجازر الجماعية في العراق دعوى في المحاكم الدولية ليطالبوا بتعويضهم من النفط العراقي وكذلك ذوو الاسرى الكويتيين. واللبنانيون الذين قتلوا بقذائف ميشال عون المرسلة من صدام حسين او الذين قتلوا بقذائف مرسلة من العقيد القذافي. وعلينا ان لا نشعر بأي ذنب بازاء هذا الامر من قبيل انه عمل يخدم اميركا وتوجيهاتها بل اعتباره عملا لاستنقاذ شيء من ثروات الشعوب العربية التي اهدرها الحكام.

فكم من عربي من ذوي ضحايا اجهزة القمع العربية تمنى مع سماع ارقام التعويضات الليبية البالغة عشرة ملايين دولار لذوي كل ضحية لو ان قريبه او احد افراد عائلته الذي قضى تحت التعذيب او اغتيالا على يد احد الاجهزة الامنية العربية، لو انه كان من ركاب طائرة "البان اميركان" او ركاب طائرة "يوتا" الفرنسية، وربما ينضم قريبا الى قائمة التمني المرقص البرليني و"برج التجارة العالمي".

مع فعلة القذافي الجديدة نشاهد وجها آخر للحاكم العربي الذي اذ فعل أذنب، واذ اعتذر كان وقع اعتذاره اقبح من ذنبه.

واذا كان صحيحا القول كما تكونوا يولّى عليكم، فاين يصبح القبح في الحاكم ام في المحكومين؟

نقلا عن صحيفة النهار اللبنانية