هل نختفي من شاشة الرادار

خليل علي حيدر

باعتراف النظام الليبي حول مسؤوليته عن كارثة اسقاط الطائرة الامريكية على بلدة لوكيربي في اسكتلنده، ومقتل جميع ركابها عام 1988، ربما اراح الرئيس القذافي ضميره بعد كل هذه السنوات من الكتمان، ولكن كيف سترتاح ضمائر الكتاب والمثقفين العرب الذين دافعوا عنه، واكدوا براءة ليبيا وزعيمها من هذه التهمة الامريكية البريطانية الاستعمارية الصهيونية؟ ومن منهم سيتراجع وينشر مقالات في النقد الذاتي واعلان التوبة والندامة؟

هذه الكارثة الارهابية المالية الاعلامية الاخلاقية، نموذج من نماذج مضار «التضامن العربي» في الحق والباطل. فما ان تنشب مشكلة بين دولة عربية او اسلامية ودولة اخرى اوروبية او امريكية، او حتى يقع بين الدولتين خلاف تجاري او ثقافي، حتى نرى الغوغائية العربية او الاسلامية، وقد هاجت وماجت، وأرغت وأزبدت واغرقت الصحف والتلفاز بالمقالات الطوال والصراخ الصاخب وهات يا اتهامات!!
كيف لا والعربي والمسلم دائما طاهر وبريء وشهم وشريف ومعتدل ومستقيم، وخصمه دائما على باطل. كما ان انا واخي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب.. ولتذهب الحقيقة والمسؤولية الاخلاقية الى الجحيم!
الذين دافعوا عن براءة ليبيا من تهمة وجريمة لوكيربي هم الذين كذلك دافعوا عن النظام العراقي خلال الحرب ضد ايران وكذلك عندما قرر التحالف الدولي تحرير الكويت وعندما تم محاصرة نظام بغداد. وهم انفسهم الذين طنطنوا عن قوة هذا النظام وخطورته على المصالح الاستعمارية وخدعونا حتى في الكويت عن قراءة الصحف الغربية وفهم الاعلام الامريكي بطريقة صحيحة عندما كانت امريكا واروبا تتحدث بأن صدام ونظامه على وشك ان يحتل الكويت!
نفس الاقلام والسيوف والألسنة تلتف اليوم حول «المقاومة الباسلة» في العراق ضد الاحتلال الامريكي، وهي نفسها التي بكت على النظام العراقي الصدامي الذي كان «عونا للعرب ضد اسرائيل» وصخرة شماء في وجه كل من تحدثه نفسه بالاعتداء على بلاد المسلمين.
كل اقلام وسيوف الغوغاء التي غطت على الارهاب والمذابح والعنصرية ومصادرة الحريات باسم القومية والدين تحاول اليوم توحيد صفوفها ضمن ما تسميه بالحوار والتقارب القومي ـ الاسلامي، كي تسد على ابناء وشعوب العالم العربي اي منفذ من منافذ الوعي واستنشاق هواء عصر جديد. لا أحد من كتاب هذه المقالات القومية او الاسلامية يقف متأملا تحولات العصر وتغيراته الكبرى، ولا احد منهم يدرك عفن مرتكزاته الفكرية التي نخرها سوس الزمن وتبدل موازين القوى، ولا أحد يشعر حقا بحاجتنا الماسة الى ان نغير اعلامنا وتعليمنا وثقافتنا وان نلتحم بالدنيا المتجددة من حولنا.
الااف الكتب تصدر كل يوم لا نؤلف منها الا اقل القليل ولا نسمح بنشر الا الفتات مما نكتب ويكتب الاخرون.
آلاف المخترعات الجديدة تظهر في المختبرات والاسواق لا نخترع منها او نصنع شيئا على الاطلاق. آلاف آلاف الملايين من دولارات الاستثمار، ربما بالترليونات، تدور وتستثمر في بلدان العالم ولا تستقطب منها بلدان العالمين العربي والاسلامي سوى اقل القليل. كل هذا التخلف، كل هذا الفقر، كل هذه الأمية، كل هذه الرجولة العاطلة الباطلة وكل هذه الانوثة المحبوسة المضطهدة، وكل هذه الافواه المكمومة المغلقة والألسنة المقطوعة، وكل هذه الحقوق المصادرة، كل هذا لا يعني الكثير لمثقفي العالمين العربي والاسلامي مقابل تنديد يبرد القلب ويثلج الفؤاد بالولايات المتحدة واوروبا والاستعمار والصهيونية.. والجن الأزرق والبطيخ الأصفر!
باختصار .. كفوا يا أهل الثقافة والكتابة والاعلام عن خداع انفسكم والاخرين، وحاسبوا انفسكم، دعونا نعرف عللنا وترياقنا قبل ان نختفي من شاشة رادار الزمن!

نقلا عن صحيفة الوطن الكويتية