|
نحو تحرك ليبي معارض
جمعة القماطي
يوم الجمعة الخامس عشر من أغسطس 2003 دخل تاريخ ليبيا، وستذكره الأجيال القادمة
ويتناوله المؤرخون. انه اليوم الذى خطت فيه يد أحمد عون سفير ليبيا المؤقت في
الأمم المتحدة ـ بأمر مباشر من سيده العقيد القذافي ـ توقيع الاعتراف بمسئولية
ليبيا الكاملة عن جريمة لوكربى، وتم حفظ هذه الوثيقة السوداء في أدراج الأمم
المتحدة أعلى هيئة في الشرعية الدولية.
ما خطته يد عون بأمر من القذافي هو كارثة ومصيبة جلل لأنه بذلك ارتهن ليبيا
وأجيالها القادمة الى مسلل لا نهاية له من الابتزاز والمقاضاة من أفراد وجهات
عديدة تضررت أو ستدعي(!!) أنها تضررت ماديا ومعنويا من جريمة لوكربى.
ولأن القضاء في الغرب مستقل ولا يتبع لأمانة العدل (وزارة الداخلية) التى
يديرها عتاة الثوريين من أمثال محمد المصراتي، فإن الحكومتين الأمريكية
والبريطانية لن تستطيعا ايقاف مسلسل المقاضات والابتزاز الذى سيأتي. وها هى
ألمانيا لا زالت تدفع وتخضع لابتزاز اليهود بعد ستة عقود من جريمة ارتكبها هتلر
الذي رفضه ولفظه الألمان، ومع ذلك فانهم مازالو يدفعون.
يوم الخامس عشر من أغسطس كان أيضا تاريخيا بالنسبة للمعارضة الليبية في الخارج،
فالموقف القوي الواضح الذي صدر عن تسعين من المثقفين والسياسيين في الخارج في
وثيقة موجهة الى الأمم المتحدة كان قويا واضحا، وردا يعبر عن لسان حال كل
الليبيين والليبيات في الداخل ليؤكد براءة الشعب الليبي الكاملة من هذه
الجريمة، ومن هذا الاعتراف بها والارتهان لوطننا ومستقبله.
صدرت هذه الوثيقة بعد ساعة فقط من تسليم سفير القذافي لرسالة الاعتراف، فكان
التوقيت كالمحتوى حاسما. وربطت أغلب المؤسسات الاعلامية رد المعارضة الليبية
بالخبر الأساسي في تناولها، وظهر في أقل من أربعة وعشرين ساعة ست شخصيات ليبية
معارضة ـ على الأقل ـ على قنوات الجزيرة والعربية و (نيو تى في) والعالمية و
(بى بى سى) وغيرها من المؤسسات والصحف والوكالات لتظهر للعالم الرأي الآخر في
الشأن الليبي بكل وضوح.
ما برهنت عليه وثيقة المعارضة الليبية أيضا هو قوة وفعالية العمل الجماعي، وروح
الفريق والتنسيق، بين كل الأفراد والأطراف والتيارات داخل المعارضة الليبية،
خاصة عندما نرتقي الى مستوى التحدي، ونضع مصلحة الوطن ومستقبله فوق كل
الاختلافات الفكرية والاجتهادية، وفوق كل الحواجز النفسية، مع العلم بأن كثيرا
من الاستقطابات والمشاحنات التى نشاهدها هي في واقعها من زرع وتأجيج عناصر نظام
القذافي المدسوسة، وأساليب المكر المخابراتية المعروفة.
فيا ليتنا ندرك ذلك دائما ولا ندع لهم فرصة في النجاح. الأمر الأخر هو أن
الاختلاف الفكري والتنظيمي ظاهرة صحية حتى داخل التيار الواحد مثل التيار
الاسلامي، وكذلك بين التيارات المختلفة من اسلامية ووطنية وليبرالية وغيرها.
ولكن التحدى الحقيقى هو في أن نجعل هذا الاختلاف عامل تنوع واثراء، ومصدر قوة،
وليس مصدر فرقة وتشتيت. وألا نقدم العربة على الحصان فنخوض معارك ايديولوجية هي
أقرب الى الترف الآن، وفي الوقت الذى يحتم علينا التفاعل مع معاناة أهلنا
وشعبنا في الداخل، وبذل كل الجهد لرفع الضيم والظلم الماحق عنهم، لأن هذا هو
الأساس، وهو جوهر قضيتنا، ومن أجله يجب أن نلتقي وننسق ونتعاون فتتقوى جهودنا
ببعضها ونكون فاعلين مؤثرين لا مفعولا بنا.
هناك الأن روح جديدة، وأجواء ايجابية بناءة، وقنوات مباشرة مفتوحة بين كل
التيارات والأفراد والتجمعات،. والمطلوب هو أن نأصل هذه الروح ونجذرها..
المطلوب أن نبني عليها وننطلق الى الأمام بالمزيد من المبادرات العملية
والنشاطات المشتركة، وأن نوظف اختراق المؤسسات الاعلامية وانتباه العالم لصوت
المعارضة الليبية الذي هو صدى أنين الشعب الليبي في الداخل لصالح قضيتنا.
لا شك أن الخيار النضالي الاستراتيجي الأفضل من الخارج هو العمل السلمي العلني،
وأن أهم آلياته هي الضغط السياسي والاعلامي والحقوقي، وأية آليات أخرى مشروعة
لا تخدش استقلاليتنا وتوجهنا الوطني الأصيل. وإنه قد آن الأوان أن نقلب الطاولة
على النظام واعوانه بأن نظهر علنا بأسمائنا وشخوصنا ووجوهنا لأن قضيتنا
ومطالبنا عادلة مشروعة وأساليبنا مشروعة كذلك. وليلجأ أعوان النظام الى التخفي
والكتابة بأسماء وهمية لأنهم يدركون أن الشعب الليبي والتاريخ سيسائلهم يوما
على ما اقترفوا. واذا ما لجأ النظام الليبي الى اساليبه الخسيسة في التنكيل
بأهلنا وأطفالنا، وأخذهم بجريرة غيرهم فيجب أن نعلن ونبلغ ذلك الى كل العالم في
الاعلام وعند المؤسسات الحقوقية والقانونية الدولية.
المطلوب تحرك منتظم ومدروس في كل العواصم المهمة ذات التأثير الدولي مثل لندن
وجنيف وباريس وواشنطن وغيرها. فيمكننا أن نلتقى بالبرلمانيين، ونراسل المؤسسات
الاعلامية ومراكز البحوث والدراسات صاحبة النفود. يمكننا أن ننظم مظاهرات
واعتصامات. وليست امكانية تجمع ألف ليبي وليبية في احتجاج علني في عاصمة مثل
لندن بالأمر المستحيل، خاصة في الأجواء الايجابية الموجودة الآن داخل المعارضة
الليبية. يمكننا أن نطلب لقاءات مع السياسيين ومسئولي ادارة العلاقات مع ليبيا
في عدة دول مهمة لها مصلحة في ايجاد علاقات حقيقية متينة مع ليبيا. ويجب أن
يكون خطابنا متطورا عاقلا يتناسب ويتماشى مع عالم الألفية الثالثة.
يجب أن تكون مطالبنا محددة في أن يربط كل الذين يدعون تبني ونشر قيم الحرية
وحقوق الانسان... قيم المشاركة السياسية لكل المجتمع... قيم الاقتصاد الحر...
قيم حرية واستقلالية منابر التعبير ومؤسسات المجتمع المدنى المستقلة.. أن يربط
كل هؤلاء من حكومات وهيئات علاقاتهم بالنظام الليبي بضرورة تواجد هذه القيم في
ليبيا أيضا. فالشعب الليبي من حقه أن يعيش فوق أرضه بحرية ويتمتع بثرواثه التي
يخرجها من باطنها. ويجب أن نذكر العالم أن من قمة النفاق والمعايير المزدوجة أن
يبرروا لنا اقصاء صدام حسين تحت شعار التحرير والحرية تم يطبّعون مع - ويضفون
الشرعية الكاملة على - شخص العقيد القذافي بعد أن أقر بكل الجرائم الارهابية
ودفع المليارات من قوت الشعب الليبي ليشتري العفو والصفح عن هذه الجرائم. وكذلك
في الوقت الذي يعامل فيه القذافي الشعب الليبي كما كان يتعامل صدام مع الشعب
العراقى، ولكننا يجب ألا نطالب بتدخل أي طرف أجنبي داخل ليبيا لاحداث أي تغيير،
وانما فقط المقاطعة والضغط على هذا النظام الذي تجاوز تاريخ نهاية صلاحيته
بكثير حتى يتمكن شعبنا من استرداد حقوقه. وهذا أمر مشروع ولا يعتبر تدويلا
لقضيتنا.
مرحلة ما بعد الخامس عشر من أغسطس هي مرحلة جديدة وحاسمة في القضية الليبية
تتجاذبها عدة أطراف وتتكون معادلة الصراع والتدافع فيها من أربعة أرقام رئيسية
هي: الشعب الليبى.. نظام القذافى.. المعارضة الليبية في الخارج.. والادارة
الأمريكية.
النظام الليبى يريد أن يشترى رضى أمريكا ومباركتها لاستمراره من خلال دفع
استحقاقات خارجية ولكن دون دفع أية استحقاقات داخلية لصالح شعبه، وأن يستمر
بنهجه الشمولي الاستبدادي المدمر وعقليتة الأمنية في ادارة الحكم.
الادارة الأمريكية تتجاذب قراراتها ورسم سياساتها عدة مراكز قوة داخلها مثل
البيت الأبيض.. مجلس الأمن القومى.. وزارة الخارجية.. لوبى النفط والشركات
الكبرى.. وتيار المحافظين الجدد الذي يدفع بسياسة أمريكا الحالية في الشرق
الأوسط ومن أبرز شخصيات تيار المحافظين الجدد... جون بولتون وكيل الخارجية
لشئون التسلح.. والمستشار ريتشارد بيرل.. وبول وولفويتز وكيل وزارة الدفاع
والعقل المدبر لسياسات أمريكا الحالية في الشرق الأوسط، وبعض الشخصيات
الاعلامية والفكرية الأخرى المتنفذة في ادارة بوش.
النظام الليبى يراهن على عبور المرحلة الأولى من اتفاق لوكربي الى مرحلة الحوار
والتفاوض المباشر مع الادارة الأمريكية، كما عبر عنها أعوان النظام مؤخرا.
ويراهن على ضغوط لوبي شركات النفط من أجل قبول الادارة الأمريكية بالتعامل معه
وتسهيل عودة شركات النفط الأمريكية واستعادة امتيازاتها واستثمارها في بلد يملك
تحت أرضه أكثر من ثلاثين مليار برميل من احتياطى النفط. وها هو السيد رتشارد
راينتش رئيس مجلس التجارة الخارجية الأمريكية يقول بالأمس ضاغطا على الادارة
الأمريكية... ليبيا تغيرت ويجب أن نقابلها بموقف ايجابى مقابل منا.. فأي تغيير
يا ترى يتحث عنه أحد رموز دولة الحرية وحقوق الانسان!! وهل يعي ما يعانيه الشعب
الليبي من هذا النظام.. النظام الذي حول ليبيا الى جماهيرية الخوف الحقيقية!
والسؤال المطروح الأن هو ماذا ياترى سيكون موقف الشخصيات الوطنية الليبية
المقيمة في أمريكا من سياسيين وأكاديميين وكتاب وصحفيين من هذا التدافع
والتجاذب الذى ستشهده السياسة الأمريكية تجاه ليبيا في الشهور القادمة؟ وماذا
يمكن أن نقدم لهم من مساندة ودعم؟ نتمنى من اخوتنا في أمريكا أن يقوموا بدور
فاعل وهام قد يرجح كفة السياسة الأمريكية في اتجاه دون غيره اذا ما تحركوا
بذكاء وفاعلية وديناميكية، وبأساليب اللوبي السياسي والاعلامي المعروفة
والمشروعة.
فلابد من فضح الانتهازية الاقتصادية عند بعض الأطراف في أمريكا والغرب التي لا
ترى في ليبيا الا بحيرة من الزيت! ان ليبيا وطن وشعب أولا وأخيرا، ومن حق هذا
الشعب أن يتمتع بحقوقه السياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها كاملة اسوة
بغيره، وأن يعيش في أمن وسلام مع بقية العالم دون أن يتنازل على سيادته فوق
أرضه. هذا هو مبتغانا وهدفنا ومن أجل هذا يجب أن نتحمل دورنا التاريخي كليبيين
وليبيات في الخارج وأن نتحرك بإصرار وفاعلية ونشاط في كل العواصم الهامة وأينما
وجد تجمع لليبيين.
* أحد مؤسسي منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية
gamaty@libyaforum.org
|