|
تكالـب الـثوريين على
عـطاء قيمته 75 مليون يورو
اعتادت الشركة الوطنية لإستيراد الأدوية والمعدات الطبية في ليبيا طرح عطاء
عالمي مفتوح كل سنتين لتوريد أدوية ومستلزمات طبية لتغطية احتياجات البلاد.
وكان آخر عطاء طرح في عام 1999. ولأسباب سنشرحها في هذا التقرير تأجل عطاء سنة
2001 - وقيمته 75 مليون يورو – إلى أوائل عام 2002 ولكنه لم يعقد وأجل للمرة
الثانية حتى مارس 2003. إضافة إلى التأجيل والتسويف طرأ على العطاء تطور آخر
مهم في أسلوب الطرح ألا وهو التحول من عطاء مفتوح يطرح على جميع الشركات الكبرى
دون استبعاد أو أقصاء لأي منها وينشر إعلان عنه في الصحافة ووسائل الإعلام
المحلية والعالمية (كما هو المعتاد في السابق).. الى عطاء "مغلق" ومحصور في
شركات مختارة مسبقا من قبل "جهات معينة" في الإدارة الليبية. وتعود أسباب ذلك
إلى الخلاف الذي نشب داخل اللجنة الشعبية التي تتولى إدارة الشركة الوطنية
لإستيراد الأدوية والمعدات الطبية. فعندما كُلف الدكتور سليمان الغماري بتولي
أمانة اللجنة من قبل العقيد معمر القذافي شخصيا كان أول قرار اتخذه نقل مقر
اللجنة إلى بنغازي. وكان رأيه الذي أصر عليه أن يورد جزءً من الأدوية
والمستلزات الطبية المطلوبة في العطاء عن طريق لجنة الهلال الأحمر الدولي لضمان
الجودة والأمانة، وأن يسمح لكبريات الشركات العالمية بالإشتراك في العطاء. وقد
سبق للدكتور الغماري أن استقال من إدارة مستشفى الأطفال في بنغازي بسبب حادثة
الإيدز التي أسفرت عن مقتل أكثر من مائتي طفل ليبي. وكان رئيسا للهلال الأحمر
الليبي ثم أصبح مديرا له بعد تولي سيف الإسلام معمر القذافي للرئاسة. وكان
يستعد للإلتحاق بلجنة الصليب الأحمر في جنيف ليكون ممثلا لليبيا فيها عندما
استدعاه العقيد القذافي وكلفه بأمانة لجنة شركة الأدوية. واشترط الغماري نقل
مقر الشركة إلى بنغازي وعدم تدخل الثوريين فيها. وكان يساعده في أمانة الشركة
علي بلعيد الذي سجن فيما بعد لعدة أشهر ضمن من سجنوا في قضية شراء تذاكر مباراة
فريق الإتحاد الليبي ضد يوفينتس الإيطالية. وكان فيها مصطفى الفاخري الذي اضطر
إلى العودة إلى العمل كأستاذ في الجامعة. وهكذا أدى خروج هذه العناصر من لجنة
شركة الأدوية إلى تغلغل العناصر الثورية فيها وفسح لهم المجال للتحكم في شؤونها
وإدارتها. قوبلت مقترحات سليمان الغماري بالرفض من قبل بعض أعضاء اللجنة
المعروفين بعلاقتهم القوية بمكتب الإتصال باللجان الثورية وممن لديهم مصالح
خاصة في عمل اللجنة. وعليه اضطر سليمان الغماري إلى الإستقالة من اللجنة، –
وربما أجبر عليها. وكان من أشد المعارضين للغماري طبيب الأسنان السنوسي الطاهر
الذي حل محله في أمانة اللجنة. وهو على علاقة متينة بأحمد إبراهيم ولا يمتلك أي
خبرات إدارية أو فنية أو مالية. ومنهم فتحي الجميل وهو محاسب يتولى إدارة
الشؤون المالية والإدارية في اللجنة، ويعتبر أحد رجال مكتب الإتصال باللجان
الثورية المزروعين في اللجنة. ومن العناصر الثورية السيئة التي لها نفوذ على
اللجنة مصطفى الزايدي رئيس المجلس الطبي الأعلى ورئيس مستشفى الحروق. وهو من
أكبر المنتفعين من قطاع الصحة نتيجة علاقات الرشوة والعمولات التي تربطه مع
شركات أدوية أوروبية – خاصة النمساوية والألمانية. انطلقت الشركة لطرح العطاء
فشكلت لجنة برئاسة طارق صويدق أمين المخازن الرئيسية مهمتها إعداد كراسة العطاء
والقائمة النمطية للشركات ودعوتها للمشاركة في العطاء الذي لم يعد عطاءً مفتوحا
بل أصبح مقتصرا على شركات معينة "مختارة" حددتها اللجنة. فأرسلت إليهم دعوات
خاصة وحددت يوم 17 مارس كآخر موعد لتقديم الأسعار والعروض. ونصت الدعوة على دفع
رسم اشتراك في العطاء قدره 2000 يورو (لا يسترد) يحول على حساب خاص في أوروبا
قبل نهاية شهر فبراير الحالي. أثارت تصرفات اللجنة موجة من الإستياء والغضب في
أوساط الأطباء العاملين في قطاع الصحة الذين اعتبروا أن العطاء تحول إلى مهزلة
وستستفيد منه شركات معينة لها تحالف خاص مع مجموعة من المستفيدين في الحكومة
ومكتب الإتصال باللجان الثورية. كما يرى بعض الأطباء والعاملين في قطاع الصحة
أن هذه الممارسات تكرس الفساد المالي والإداري بما يزيد من تدهور الأداء
والخدمات في قطاع الصحة الليبي الذي يعاني مشاكل وأزمات كثيرة لما يزيد عن عقد
كامل من الزمن. |