أموال النـفط السائـبة: خلفـية عـن الإستـثمارات الليـبـية فـي الخـارج


بدايات إستـثمار البترودولار في الخارج: بلغت الأصول المالية لمصرف ليبيا المركزي والمصارف التجارية الليبية في الخارج عام 1973 مبلغا قدره 2,4 مليار دولار. وفي عام 1982 ارتفع هـذا الرصيد الى 22,2 مليار دولار. في عام 1972 أنشأت الحكومة الليبية المصرف العربي الليبي الخارجي Libyan Arab Foreign Bank - LAFB المملوك بالكامل لمصرف ليبيا المركزي ليتولى جميع العمليات المالية والإستثمارية خارج البلاد. وكانت أنجح عملية استثمارية دخلت فيها الحكومة الليبية هي شراء أسهم في شركة فيات الإيطالية للسيارات عام 1977. فقد اشترت 15% من أسهم الشركة ثم أجبرت على بيعها في عام 1986 ولكن بعد أن تضاعفت قيمتها بشكل كبير جدا. إلا أن تلك العملية ظلت يتيمة رغم وجود خطة طموحة للإستثمار في المجالات الصناعية من خلال الشركة الليبية للإستثمارات الخارجي Libyan Arab Foreign Investment Company - LAFICO. لكن الخطة لم تتحقق رغم توظيف كميات هائلة من أموال النفط فيها، واقتصرت الإستثمارات الخارجية على إدارة العمليات النفطية من خلال الشركة العالمية للإستثمارات النفطية (أويل إنفست) Oil Investments International Company - OILINVEST التي تأسست في عام 1988. وأويل إنفست شركة قابضة مملوكة من قبل المصرف العربي الليبي الخارجي LAFB والشركة الليبية للإستثمارت الخارجية LAFICO والمؤسسة الوطنية للنفط NOC. وكانت مهمتها الرئيسية أن تتولى إدارة جميع العمليات الإستثمارية في الخارج تقريبا. ظلت الإستثمارات الليبية في الخارج دائما متأثرة بدوافع الحكومة السياسية وبالإعتبارات السياسية المترتبة على علاقاتها مع العالم الخارجي. فقد اضطرت ليبيا إثر فرض الحظر الدولي عام 1992، وتفاديا لخضوع أموالها للتجميد، الى ترحيل أصولها المالية الى حسابات سرية في مصارف سويسرية وعدد من الدول الأخرى. واشيع أن الأصول المالية الليبية بلغت 6,2 مليار دولار في عام 1992. ويجد المراقبون والمحللون صعوبات بالغة في التعرف على مدى نجاح أو إخفاق الإستثمارات الليبية لغياب الأرقام والإحصائيات الدقيقة المضمونة عن أداء الإقتصاد الليبي. فلم توجد منذ منتصف الثمانينات لدى صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي مثلا أي بيانات يمكن الإعتماد عليها. كما أنه لا يمكن الإطمئنان الى صحة ما تنشره الأمم المتحدة أو بعض المصارف العالمية مثل باركليز والمؤسسة المصرفية العربية من بيانات عن الإقتصاد والتجارة في ليبيا. ليـبيا تقتحـم صـناعات مشتـقات النـفط: ظلت ليبيا منذ السنوات الأولى لاكتشاف النفط تسعى الى أن يكون لها دور فعال في مجال صناعة المشتقات النفطية Downstream أو ما يعرف أحيانا بالمراحل الثانوية (التكرير وما يليه) من صناعة النفط. وفي مقابلة مع مجلة ميدل إيست إكونوميك سيرفي MEES في صيف عام 1966 أعلن وزير النفط الليبي فؤاد الكعبازي أن "ما نهدف إليه هو ترتيبات كاملة للمشاركة في الأرباح في كل مراحل عمليات الصناعات النفطية". اتجهت ليبيا ابتداء نحو إنشاء مصافي محلية لتلبية احتياجات الإستهلاك المحلي. فأنشأت مصفاة البريقة وميناءها المعروف باسم مرسى البريقة في عام 1963، ثم مصفاة الزاوية في أواخر عام 1969. وفي عام 1977 نقلت الحكومة الليبية مصفاة طبرق الخاصة بالتصدير الى راس لانوف على ساحل خليج سرت لتكون على مقربة من حقل مسلة النفطي الكبير. وهناك بدأ العمل في تحديث وتطوير هذه المصفاة عام 1979 ولم يبدأ الإنتاج فيها حتى عام 1984. في أواخر عام 1989 أعلنت الحكومة الليبية عن خطتها لتوسيع إنتاج النفط المكرر محليا. وفي عام 1991 صادقت على الخطة الخمسية التي أعدتها المؤسسة الوطنية للنفط والتي تضمنت زيـادة قدرة ليبيا في تكرير النفط الى نحو مليون برميل في اليوم مع حلول عام 1995. كما تضمنت الخطة تطوير مصفاتي الزاوية وراس لانوف. ومن هذا المنطلق نصت عقود الإمتيازات النفطية على أن تقوم شركات النفط بإنشاء مصافي ومعامل تكرير للنفط داخل ليبيا. وفي السنوات الأولى التي تلت انقلاب عام 1969 دخلت الحكومة الليبية مجال إنشاء وإدارة المصافي المحلية، ومنها انطلقت نحو امتلاك مصافي وشركات توزيع خارج البلاد وخاصة في أوروبا. الحـظر الأمريكـي يـدفع ليـبيا الى التركيز على أوروبا: كانت هناك أسباب تجارية واقتصادية وجيهة وراء الرغبة في امتلاك مصافي أوروبية. غير أن سياسة الحكومة الليبية في امتلاك وإدارة وتسيير منشآت تكرير النفط خارج ليبيا اتسمت بالإرتجالية، وظلت على طوال المدة تفتقر الى الحسابات التجارية الواقعية والخطط التجارية الرصينة طويلة المدى، القائمة على مستلزمات السوق ومعاييره الحقيقية وعلى عوامل العرض والطلب. ومن الأسباب الهامة في الدفع بالحكومة الليبية الى الإتجاه الى أوروبا هو إقصاؤها من السوق الأمريكية مع بداية الثمانينات وتزايد الإجراءات المعيقة لتسويق النفط الليبي في الولايات المتحدة التي أخذت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تفرضها على ليبيا. وكانت لذلك أسباب سياسية أدت الى توتر في العلاقات الليبية الأمريكية تطور فيما بعد الى مقاطعة كاملة. في مايو 1978 منعت الحكومة الأمريكية تصدير المعدات العسكرية - ومنها الطائرات - الى ليبيا. في ديسمبر 1981 أصدر الرئيس ريغان أمرا رئاسيا يطلب فيه من جميع الرعايا الأمريكيين مغادرة ليبيا. في فبراير 1982 منعت الحكومة الأمريكية استيراد النفط الليبي الى الولايات المتحدة وصعّدت من حظر التصدير بالإضافة الى حظر تصدير معدات تقنية النفط والغاز وقطع الغيار. كما كان للمقاطعة الأمريكية ثم الحظر الدولي الذي فرض على ليبيا عام 1992 من جراء تورطها في تفجير طائرة الركاب الأمريكية فوق لوكربي عام 1988 أثر كبير ومباشر على أعمال المصافي المحلية. فقد شملت المقاطعة منع تزويد المصافي بالمعدات وقطع الغيار الأساسية الضرورية لتشغيلها وتطورها وتوسيع نشاطها ولاستمرار أعمالها اليومية. استـثمار البترودولار خارج ليـبيا: مع حلول عقد الثمانينات توفر لدى الحكومة الليبية فائض كبير من دخل النفط نتيجة الإرتفاع الهائل الذي شهدته أسعار النفط في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات. وقد شجع ذلك الحكومة (أسوة بغيرها من الدول المنتجة للنفط مثل فنزويلا والكويت) على التفكير جديا في الإستثمار في صناعة مشتقات النفط Downstream في أوروبا. وقد كانت المصافي الأوروبية آنذاك تشكل مصدرا هاما للدخل بالعملات الأوروبية التي كانت متفوقة على الدولار، ووفرت في الوقت نفسه حماية مطلوبة ضد انخفاض قيمة الدولار. ومما ساعد على ذلك أيضا رغبة شركات النفط الكبرى - والأمريكية منها على وجه الخصوص - في التخلص من مصافيها الأوروبية في بداية الثمانينات، واستعدادها لبيعها بأسعار مخفضة ومغرية جدا. والسبب الرئيسي في ذلك هو النمو الكبير في هذه المنشآت بحيث لم تعد مربحة، وأصبحت تشكل عبئا ماليا على تلك الشركات!! كانت ليبيا - إثر خسارتها للسوق الأمريكية بالكامل - في أمس الحاجة الى تعزيز علاقاتها التجارية مع جاراتها الأوروبيات. وكانت أول مغامرة اقتحمت بها هذا المجال في إيطاليا عام 1983 إذ اشترك المصرف العربي الليبي الخارجي (LAFB) مع مجموعة مصارف أخرى في توفير قرض لشركة تام أويل إيطاليا Tamoil Italia التي كان يملكها روجيه تمرز. وتمرز هو رجل مال وأعمال ولد في مصر ومقيم في لبنان كان يشاع أن له علاقات كثيرة ووثيقة بمسؤولين ورجال أعمال ومصرفيين كبار في البلاد العربية. كان الهدف من القرض شراء ممتلكات شركة أموكو إيطاليا لتكرير وتسويق النفط. في عام 1985 بلغت حصة المصرف العربي الليبي الخارجي في شركة تام أويل 70%. وفي عام 1988 أسست الحكومة الليبية الشركة العالمية للإستثمارات النفطية (أويل إنفست) Oil Investments International Company - Oilinvest وهي شركة قابضة مملوكة بالكامل للحكومة ومسجلة في جزر الكاريبي الهولندية. وكانت مهمة الشركة الإشراف "على جميع الإستثمارات الليبية في مجال النفط والغاز والبتروكيماويات والطاقة خارج البلاد". انطلقت شركة أويل إنفست للعمل من خلال عدد من الشركات التابعة لها لاقتناء حصص أغلبية في مجموعة من المصافي وشبكات توزيع الوقود ومنتجات النفط والبرتوكيماويات الأوروبية. واستطاعت على مدى 13 عاما تكوين محفظة معتبرة لا يستهان بها من هذه الإستثمارات. ففي إيطاليا زادت أويل إنفست حصتها في تام أويل الى 85% عام 1989 ثم الى 100% عام 1991. وفي عام 1988 اشترت 30% من مصفاة هولبورن بمدينة هامبرغ الألمانية بمبلغ 45 مليون دولار من شركة كوستال الأمريكية. وبعد سنتين زادت حصتها في نفس المصفاة الى 67% وأصبحت تعرف باسم شركة هولبورن للإستثمار Holborn Investment Company. كانت المصفاة في حالة سيئة للغاية واضطرت أويل إنفست الى صرف مبالغ كبيرة على تحديثها. في عام 1991 امتلكت أويل إنفست حصة مقدارها 90% في شركة توزيع وقود ألمانية عرفت باسم هولبورن يوروبيان ماركتينغ HEM. وفي سويسرا اشترت أويل إنفست عام 1990 شركة مفلسة اسمها غات أويل Gatoil لصاحبها خليل الغطاس وغيرت اسمها الى تام أويل سويسرا. واضطرت أويل إنفست مرة أخرى الى صرف مبالغ كبيرة لتسديد ديون الغطاس وتحديث محطات الشركة. كما امتدت استثمارت أويل إنفست الى مالطا وأسبانيا وفرنسا والمجر وسولوفاكيا وجمهورية التشيك ويوغسلافيا واليونان. وفي عام 1992 اشترت الشركة حصة 80% في شركة ستام أويل المصرية. غير أن هذه الشركات والمؤسسات الإستثمارية منيت منذ تأسيسها بإدارات غير كفوءة بل ومشبوهة. وظلت تدار بناء على أساليب وخطط غير علمية وغير تجارية، خالية من التخطيط الإقتصادي والإستثماري السليم. والأدهى من ذلك وأمر أنها أصبحت مجالا خصبا للرشاوى والتلاعب والعمولات الضخمة والسرقات على أعلى مستويات الإدارة. وهكذا تحولت إدارات هذه الشركات الى "مافيات" وتكتلات مصلحية همها الأول "غسيل" أموال النفط الليبية وتقاسمها بين المنتفعين وامتصاص أصول تلك الشركات وممتلكاتها. وأصبح من الثابت بعد عقدين من النشاط أن هذه الشركات إما فاشلة أو مفلسة تماما. وكان ولا يزال من ضمن المنتفعين من هذا الشركات شخصيات على أعلى المستويات في الحكومة والقيادة الليبية. ومع انكشاف بعض هذه الحقائق ظهرت مؤشرات على أن موضوع إستثمار أموال النفط الليبي في الخارج يخضع حاليا برمته الى مراجعات وإعادة تنظيم على نطاق واسع. ولكن المؤسف أن الهدف من هذه المراجعات ليس تصحيح الأسس القائم عليها الإستثمار أو تحديد من المسؤول عن إهدار هذه الأموال الهائلة أومحاسبتهم أو التخلص من العناصر السئية أو انتهاج الأساليب الصحيحة في التجارة والتعامل، ولكن الهدف هو محاولة التغطية على جرائم الماضي وحماية الشخصيات المنتفعة والمتورطة في الإختلاسات والفساد، ومن ثم مواصلة النشاط بما يكفل للمنتفعين مزيدا من المنفعة ولا يعرضهم الى أي مساءلة أو تحقيق أو عقوبات. (يشكل هذا المقال خلفية ضرورية للسياسة الليبية في توظيف دخل النفط منذ أواخر السبعينات، خاصة الإستثمار في الخارج. وينصح بقراءته ضمن ملف النفط الليبي المتضمن لمجموعة مقالات تـامر الـزيات المتعلقة مباشرة بهذا الموضوع. لمزيد من التفاصيل ينصح بقراءة كتاب Libya: The Political Economy of Oil لمؤلفته Judith Gurney من منشورات جامعة أكسفورد بإنجلترا)