من المعروف لدى الجميع أن النهر الصناعي مشروع قام بهندسته "القايـد" شخصيا قبل أن ينكر ذلك لاحقا. والمشروع هو آخر محاولة لإنقاذ ليبيا من الجفاف! وسبحان من هو الأول والآخر، القادر على كل شيء، الذي جعل الفارق في منسوب المياه بين منطقة السرير ومنطقة بنغازي 160 مترا حتى تنساب المياه في اتجاه واحد بسبب ذلك الفارق وليس رغما عنها.
فوجيء الليبيون بما نشر في الصحف الليبية الرئيسية عن هذا المشروع الذي وصف بأنه أعجوبة العالم الثامنة، وباتخاذ مؤتمر الشعب العام قرارا في أكتوبر 1983 بإنشاء "جهاز النهر الصناعي". بعد الإعلان وافقت المؤتمرات الأساسية – صاحبة القرار - بالإجماع على المشروع. واختيرت أول لجنة شعبية للجهاز التنفيذي الذي تولى إدارة مشروع النهر الصناعي. وزعت المهام وكانت كالتالي:

1. محمد المنقوش أمينا للجنة
2. الدوكالي المقريف عضو اللجنة للشؤون المالية
(وهو أمين اللجنة الشعبية لشركة البريقة لتسويق النفط سابقا،وقبل أن يطرده حسن اشكال القذافي)
3. نوري السنوسي عضو اللجنة للعمليات(وهو أمين اللجنة الشعبية لشركة الخليج للنفط قبل أن يطره منها حسن اشكال القذافي)
4. الطاهر سيالة عضو اللجنة للتخطيط والتفيذ
5. إدريس الحمري عضو اللجنة للشؤون الإدارية

فتحت أبواب الخزينة العامة للمشروع.. وقد كانت وماتزال مقفلة أمام المواطن العادي صاحب المرتب البسيط غير القابل للزيادة بموجب القانون 15 لعام 1981. بل فرضت ضريبة خاصة على راتب المواطن لتوفير السيولة المالية للمشروع وعلى المواد الأساسية التي لا يكفي الراتب المتناقص لتوفيرها. ففرضت ضريبة قدرها 20 درهما على لتر البنزين أو الكيروسين، وبع دينار على اسطوانة الغاز، ونحو نصف دينار على لتر زيوت المحركات. هذا عدا ما فرض على التبغ وتذاكر السفر والجمارك وتصريف العملة مما أدى بصورة مباشرة أو غير مباشرة الى ارتفاع تكاليف الإنتاج.

صاحبت المشروع ضجة إعلامية لم تر ليبيا مثلها (حتى عندما أسقطت طائرة الخطوط الليبية قرب مطار طرابلس في ظروف مشبوهة نجهل أسبابها حتى اليوم). وبدأت الشركات المنفذة عملها في المرحلة الأولى في ظروف تعاقد شابها الغموض. وكان المقاول الرئيسي هو إئتلاف شركات دونغ آه DAC الكورية، وكان الإستشاري هو شركة براون آند روت B&R الأمريكية الأصل بريطانية الفرع.

وصول الإستشاري كان بداية المشاكل:
ما هي إلا فترة قصير حتى أخذت المشاكل تظهر داخل جهاز النهر. قدم الدوكالي المقريف، عضو اللجنة للشؤون المالية، استقالته من اللجنة الشعبية لعدم رضاه على عقد الإستشاري (براون آند رووت) الذي كان يخلو من الشروط الجزائية. وكان أقصى جزاء يمكن أن يتعرض له الإستشاري هو إعداد تصميم جديد عند اكتشاف خطأ في التصميم الجاري تنفيذه. وهذا يعني التحرر من المسؤولية بالكامل. يضاف الى ذلك أن قيمة العقد لم تكن محددة. فهي تزيد بعدد الخبراء الذين يوظفهم الإستشاري في المشروع، وكان غالبيتهم من حملة الشهادات المتوسطة أو ممن تلقوا دورات قصيرة ومن ذوي الخبرة الوظيفية المحدودة.

والإستشاري لم يدخر جهدا إذ كرس موظفيه إبتداء من الذين في لندن وانتهاء بالعاملين في مواقع المشروع المختلفة. بل وبلغ به الأمر الى تعيين خبير مهمته الأساسية حفظ أشرطة الفيديو التي يشاهدها موظفوا الإستشاري في أوقات فراغهم، وهي بالتأكيد ليست أشرطة تعليمية أو وثائقية!! وكان يصرف لهذا الموظف مرتب شهري يزيد بكثير عن قيمة الأشرطة التي يرعاها. وبعد نجاحه في وظيفته تلك – التي فقدها بعد ظهور الفضائيات!! - أصبح رئيسا لقسم التوثيق والمحفوظات. وفقد إضافة الى ذلك الإقامة وتذاكر السفر المجانية.

وفي المساء كنت تجد موظفي الإستشاري بسيارات المشروع الفارهة والمكيفة تحمل الممرضات الأجنبيات القادمات من أوروبا الشرقية وآسيا. وكنت ترى تلك السيارات واقفة أمام سكن الممرضات أو تنتظرهن عند مداخل المستشفيات لكي تأخذهن لقضاء ليال سعيدة على أحواض السباحة في المساكن المعدة لهن.

وعودة الى موضوعنا الرئيسي. بعد قبول استقالة عضو اللجنة الشعبية الدوكالي المقريف كلف بإدارة الشركة الأفريقية ثم عين مفوضا في الشركة العربية للإستثمارت الداخلية. وللأمانة نقول أنه ليس بوسع أحد التشكيك في قدرات الدوكالي المقريف الذي لاحظ منذ البداية أن عقد الإستشاري (براون آند رووت) كان أكثر من هزيل. ولكن الإستشاري أصر على الإستمرار في عمله رغم كل شيء حتى أصبح شريكا في شركة أسست لاحقا مشتركة بين الإستشاري وجهاز مشروع النهر الصناعي. عرفت تلك الشركة باسم براون آند رووت شمال أفريقيا. وضمن الإستشاري بهذه الشراكة الإستمرار في المشروع حتى آخر قطرة من المياه الليبية.

مسرحية خـزان اجدابـيا:
حدثت غلطة. نشرت صحيفة "الفجر الجديد" خبرا مفاده أن مياه النهر الصناعي ستصل خزان اجدابيا في سبتمبر 1989. ولكن هذا فعليا لم يكن صحيحا. فخزان اجدابيا لم يكتمل إنشاؤه وخط الأنابيب الموصل إليه لم يكتمل والآبار لم تكن جاهزة. ولكن الأمر أصبح واقعا ولم تعدم الحكومة وإدارة المشروع الوسيلة للخروج من هذا المأزق، فحصل الآتي:
كان يوجد خزان صغير في موقع قبل موقع خزان اجدابيا الرئيسي ويسمى خزان "الموازنة". وظيفة هذا الخزان هي خلط المياه القادمة من آبار السرير مع تلك القادمة من آبار تازربو، حتى تصبح بنفس درجة التركيز. فمياه تازربو أكثر عذوبة من مياه السرير. تم على الفور تجهيز هذا الخزان وفي نفس الوقت قامت السيارات بتعبئة الخط الأنبوبي الواقع قبل الخزان، وأعلن عن موعد وصول المياه والمضخات التي لم تكن وصلت بعد الى البلاد من الخارج.

ووصل "القايد" الى اجدابيا، ونصبت المنصة على الخزان، وحضر ممثلو أجهزة الإعلام وكل رجالات الحكومة، يتقدمهم طبعا "الأخ القايد". وذهبوا الى خزان الموازنة الصغير ليخدعوا الشعب الليبي كله مجتمعا. ولم تكن تلك هي الخدعة الأولى ولا الأخيرة في هذا المشروع الأعجوبة. ركّب زر وهمي على جانب الخزان، وجاء القايد ليضغط على الزر الذي بجانبه مصباح صغير أحمر اللون يضيء بمجرد الضغط على الزر.

ولكن الحقيقة المرة أنه لم يكن الزر موصلا بأي شيء آخر ولم يكن هناك ما يشغله. فالإشارة الحقيقية كانت هي عندما يرفع المهندس محمد المنقوش يده بعد ضغط القايد على الزر الوهمي. وعندها تقوم مجموعة من المهندسين والفنيين بفتح صمام خاص وتشغيل الخزان يدويا، وإيهام الحاضرين والمشاهدين عبر التلفزيون أن مياه النهر الصناعي العظيم قد بدأت تتدفق!!

وكانت المسرحية واضحة في الصورة التي يظهر فيها القايد وهو يضغط على الزر والى جانبه الرائد عبدالسلام جلود، ومحمد المنقوش رافعا يده في إشارة للمهندسين والفنيين بفتح الصمام يدويا. ولا يمكن وصف ما حدث إلا بأنه مسرحية ساذجة. وأدعوكم الى الإطلاع على تلك الصورة قبل أن تسحب من المخازن والملفات. فما قلته واضح فيها تماما.

مشاكل آبـار السرير:
ظهرت بعد ذلك مشكلة في آبار حقل السرير حيث بدأ الرمل والحصى يخرج مع المياه عندما بدأ تجريب المضخات.

ولكن دعوني أعرفكم بالمقاول الذي تولى حفر الآبار، وهو شركة (براسبيرتردا) البرازيلية. وهي شركة كانت تعمل آنذاك في حقول النفط وهي خاضغة لسيطرة الحكومة البرازيلية. فعقودها تحددها الحكومة البرازيلية، والتعليمات التي أصدرها عبدالسلام جلود بإرساء العطاء على هذه الشركة هي خير دليل على ذلك. والشهود على ذلك كُثر.

تعاقدت الشركة البرازيلية مع إدارة المشروع على حفر 126 بئرا في منطقة السرير بلغ متوسط عمق البئر الواحد 400 متر. ونص العقد على أن تكون الآبار مغلفة من الداخل بأنابيب من الفولاذ (ستاينليس ستيل) مصنعة في ألمانيا ويتوسطها حاجز على هيئة غربال يمنع دخول الحصى والرمل مع المياه الى داخل البئر. إذ إن تسرب الحصى والرمل الى داخل البئر يؤدي الى حدوث مشاكل في المضخات فتتعطل وتتلف.

انتهى المقاول من حفر الآبار بعد زيادة كبيرة في قيمة العقد ومدة التنفيذ. وجاءت شركة يابانية تسمى (ماروبيني) لتولى المقاولة في توريد المضخات. بدأت الشركة بتركيب المضخات التي وردتها الى ليبيا. بلغ حجم أول دفعة من المضخات نحو 45 مضخة وكانت مصنعة في بريطانيا. ولكن بمجرد الشروع في تجريب المضخات ظهرت العيوب وأهمها وأخطرها تسرب كميات من الرمل والحصى مع المياه.

ومما راد من تعقيد مشكلات الحفر كثرة عدد المقاولين في الموقع الواحد. فقد كان يعمل في البئر الواحد ثلاثة مقاولين هم شركة دونغ آه (أعمال الكهرباء والتوصيل مع خط الأنابيب) وشركة براسبيتردا (الحفر) وشركة مارديني (المضخات). وكما حدث في خزان اجدابيا من قبل شرعت السلطات في العمليات ومحاولات توصيل المياه الى خزان عمر المختار أو خزان سلوق.

غادرت الشركة البرازيلية المواقع وسفّرت عمالها، لكن دون التأكد من أن العمل الذي قامت به يساوي الملايين التي استلمتها. وهنا يبرز سؤال:
كان عدد الآبار المطلوب حفرها 126 بئرا، ومدة العقد المتفق عليها نحو 4 سنوات، فلماذا لم تصل المضخات الى الموقع إلا بعد انتهاء حفر الآبار؟ هناك رأي يقول إن الآبار سبق تجريبها ولم تظهر بها عيوب، ولكن التجريب كان لمدة بسيطة جدا. وهناك رأي آخر - وهو الأصح على ما يبدو – يقول إن هناك عيبا في الحاجز الفولاذي المانع لتسرب الرمل والحصى الى البئر حيث ظهر فيه تآكل.

بعد تصوير الآبار من الداخل رفعت إدارة الجهاز دعوى في فرنسا ضد المقاول إستنادا على فقرة في العقد تنص على أن يبلغ المقاول المالك بأي عيوب في المواد التي يتم تركيبها خلال 60 يوما وإلا تحمل المقاول كامل المسؤولية على ذلك. ولكن هل قيمة التعويض كافية؟ فالخسارة لا تقتصر على هذا العقد فقط، بل تشمل الوقت والشركات الأخرى التي تضررت من جراء هذا التأخير، والتي طالبت هي الأخرى بتعويضات عن ذلك. هذا، عدا تكاليف الإستشاري وغيرها من التكاليف الأخرى المترتبة على العطل والتأخير. وإذا كان هناك عيب في هذا الحاجز فأين كانت إدارة المشروع والإستشاري طوال تلك الفترة؟ وكيف تم وضع هذا العدد من الحواجز دون أن يكتشف الخلل بعد حفر ذلك العدد من الآبار لا من قبل الإستشاري ولا من قبل جهاز إدارة المشروع؟

وهناك سؤال سبق طرحه وهو: على الرغم من فشل مشروع السرير الزراعي الذي يقع على بعد نحو 40 كيلومترا شرقي آبار السرير، إلا أن الآبار هناك لم يحدث فيها ما حدث في آبار النهر الصناعي، لمــاذا؟

وما دخول ممثل الإستشاري يترنح سكرانا الى القاعة التي عقدت فيها أول جلسة للدعوى التي رفعهتا إدارة الجهاز في فرنسا إلا لشعوره بالذنب ولكونه لم يكن قادرا على مواجهة الموقف. وهذا مؤشر واضح على مدى الفشل الذي صاحب هذا المشروع منذ بداياته. وقد كان طاهر سيالة عضو الجهاز شاهد عيان على حالة موظف الإستشاري داخل تلك القاعة.

تخبطت إدارة الجهاز في معالجة هذا الأمر. فمرة تنشيء شركة بالآلات التي تركها المقاول خلفه، ومرة تنشيء شركة لمحاولة إصلاح بعض الآبار. وفي نهاية المطاف تم توقيع عقد مع شركة لافالين الكندية بعد أن سهّل المهندس رجب يوسف مهمة هذه الشركة في الحصول على هذه العقد الذي سنتحدث عنه بالتفصيل في مناسبة قادمة.جاء بعد ذلك دور المهندس جاد الله عزوز الطلحي. وعين في بداية عام 1994 أمينا للجنة الشعبية لجهاز تنفيذ وإدارة النهر الصناعي. وكان أول إجراء قام به جادالله الطلحي هو اختيار من يعمل معه في الجهاز. كان على رأس هؤلاء المهندس علي الغرياني الذي سرعان ما أصبح أقوى وأكثر نفوذا حتى من أعضاء اللجنة الشعبية المختارين عن طريق مؤتمر الشعب العام.
ورغم أن الغرياني درس الهندسة في مصر إلا أنه لم يعمل كمهندي لمدة طويلة. فقد انشغل بالعمل الإداري إبتداء من مصنع الإسمنت. وهو يتميز بقدرة غير عادية على إرضاء رؤسائه وقد ظهر اسمه العام الماضي في قضية الفساد المالي المعروفة باسم قضية "عمر الشيخي" في بنغازي.
وأنشأ الطلحي إدارة خاصة لإبن أخته مختار الطلحي لم يعرف لها مثيل في مشروع النهر الصناعي. ومختار الطلحي هو خريج كلية العلوم في بنغازى قسم جيلوجيا وكان - كما يقول أحد معلميه - يمتاز بغباء غير عادى وكان يستغل اسم خاله جادالله اثناء الدراسه في الجامعه. وبعد تخرجه من كلية العلوم عمل مختار الطلحي في شركة الخليج للنفط حيث وجد ان الجو مهيأ فاستغل علاقة مدير عام ادارة الاستكشاف - الذ ى كان مرتشيا - الحميمه بأمين اللجنه الشعبيه وبدأ يستعمل اسم خاله ويهدد زملاءه بأنه على علم بكل ما يدور في الشركه من واسطة وقبلية وشللية. وللتخلص منه تم إيفاده الي بريطانيا للتدريب حتي قيل انه تحصل علي الماجستير والله اعلم.
بعد رجوعه استدعاه خاله ليعينه مديرا بالنهر ويبدأ مشوار مهماته الذيى انتهي برحيل خاله عن جهاز النهر الصناعي. ومنذ اللحظة الأولى لاستلامه مهامه في مشروع النهر لم يعرف مختار الطلحي الراحة. فقد أخذت المهام خارج ليبيا تتوالى عليه في الوقت الذي كان غيره من الزملاء يشتاق حتى لمهمة ليوم واحد في طرابلس ناهيك عن الإيفاد الى الخارج.
لقد كان المهندس جاد الله الطلحي يعلم أن بعض المهندسين الليبيين العاملين في المشروع مضطرون لكي يعيشوا الى ممارسة وظائف ونشاطات أخرى خاصة بعد الظهر. ونظرا الى أنه لا يؤيد الواسطة والمحاباة، ولا يتهاون في المصلحة العامة، فلم يعدم الوسيلة للتضييق على هؤلاء المهندسين وإرغامهم على ترك العمل في المشروع. وفعلا ترك العمل في المشروع عدد من المهندسين بمن فيهم الذين تولوا مناصب عليا وحساسة في الجهاز. ومن هؤلاء المهندس بشير الزوي الذي كان مديرا للإنشاءات والذي يشهد له كل من عرفه بالنزاهة. ثم تبع ذلك استقالة عضو اللجنة نوري السنوسي الذي عاصر معظم مراحل المشروع.
ونظرا الى حرص المهندس جاد الله على معرفة كل تحركات ونشاطات الذين يعملون معه، فقد بث له عيونا وأذانا في كل موقع من مواقع المشروع. وهؤلاء هم غالبا من صغار الموظفين ذوي الطموحات أو الأحقاد الشخصية. وكانت مهمتهم الأساسية إبلاغ المهندس جاد الله بتصرفات الموظفين الشخصية ورفع تقارير عن علاقاتهم وأوضاعهم. وكان المهندس جاد الله يتباهى في اجتماعاته مع مدراء الإدارات بما لديه من معلومات شخصية عن موظفيه.
كان المهندس جاد الله يهتم بكل شيء حتى الأمور التافهة. فقد أصدر يوما ما تعليماته بعدم السماح بمشاهدة التلفزيون في مواقع المشروع بعد الساعة العاشرة مساء. واستاء العاملون في المواقع النائية في قلب الصحراء من ذلك لأن غالبيتهم من الشباب ولا وسيلة لهم للترويح عن أنفسهم بعد عناء العمل في تلك البيئة القاسية سوى مشاهدة التلفزيون. وكان المبرر دائما هو: "الحرص على المصلحة العامة"!!
وكان جاد الله الطلحي كثيرا ما يقول إن بنغازي لا تحترم المدراء!! ولكن السبب الذي يدفعه لأن يقول ذلك غير مفهوم. فبنغازي هي التي وفرت له سكرتيرا يحمل حقيبته، ويسير خلفه، ويتحمل الإهانات التي لا يتحملها من في وجهه قطرة دم واحدة. وهذا السكرتير – مع الأسف – هو إبن إحدى عائلات بنغازي المرموقة. كما زودت بنغازي الطلحي بمديرة مكتب تتحدث الإنجليزية بطلاقة، اتخذت سكنا لها في شقة بجواره في عمارة كانت مخصصة لبعض العاملين بالمشروع في مخيم منطقة الهواري رغم أنها من سكان مدينة بنغازي.
وزودته بنغازي بالمهندس آدم كويري الذي ساعد في تمرير قرار حصول شركة هونداي الكورية على عقد أعمال الكهرباء للمرحلة الثانية رغم أن شركة إيطالية تقدمت بعطاء أقل من عطاء الشركة الكورية بنحو 14 مليون دينار. ولكن لأسباب غير معروفة سحب العطاء من الشركة الإيطالية وكلفت شركة هونداي بالتنفيذ. ولا ندري ما إذا كانت المكافآة التي صرفت المهندس آدم كويري – وهي ما يعادل مرتب شهرين فقط!! – هي كل ما حصل عليه أم أن هناك دفعات أخرى لا نعلمها.
ومن حسن الصدف أن المهندس آدم كويري هو الوكيل الرسمي في ليبيا وعضو مجلس إدارة إستشاري مشروع النهر وهو شركة (براون آند روت شمال أفريقيا ومقرها لندن) التابعة لشركة المنشآت والإستشارات الهندسية (براون آند روت) الأمريكية القحة ومقرها مدينة هيوستن بولاية تكساس. ويزاول الإستشاري أعماله من بريطانيا كشركة مسجلة في بريطانيا للتحايل على القيود التي تفرضها الحكومة الأمريكية على تعامل الشركات الأمريكية مع ليبيا.
وهذا مكن آدم كويري وبعض أعضاء اللجنة الشعبية الآخرين أن يتقاضوا مرتباتهم بالدولار بحكم عملهم في شركات مشتركة بين الجماهيرية وشركات أجنبية. ولن نسمح لأنفسنا بأن نظلم الرجل. فهو ثوري أصيل وصاحب لسان لاذع ويتلذذ بإهانة المهندسين العاملين معه. ولكنه خالف ضميره ومرر عقد شركة هونداي.
كما أن منصب مدير عام المشروعات منصب مغري جدا، خاصة وأن كويري شخص نفسيته فيها شيء من المرض الناتج عن إهانة القايد له وسخريته منه. فقد دخل مرة هو والمهندس الطاهر سيالة ونوري السنوسي على القايد في خيمته التي نصبها بالقرب من مدينة جالو عندما كان يتفقد المشروع فقال له القايد: "شنو إدير هنا يا بنّاي؟" وذلك كناية عن تخصصه فهو مهندس مدني. ومنذ ذلك التاريخ تولدت عنده عقدة نفسية جعلته يهزأ دائما بالآخرين من حوله!!
المهم، لنعد الى موضوعنا. معروف أن وكيل شركة هونداي المرحوم الحاج ابريك هو من أعز أصدقاء المهندس جاد الله. وصحيح أن أحد جيران المهندس جاد الله قال أنه رأي شركة أجنبية تقوم ببعض الأعمال في فيلا المهندس جاد الله... ولكن بعض الظن إثم. هل يمكن أن تكون هذه الشركة هي هونداي؟ صحيح أن أبواب الفيلا لم تصنع في ليبيا، ولكن هذا لا يعني أن شركة أجنبية هي القائمة بالعمل. نعم، الفيلا مقامة أصلا على أرض حديقة عامة. أجل، الأرض التي بنى عليها المهندس فيلته كانت حديقة أمام مدرسة إبتدائية تقاسمها مع ثلاثة أشخاص آخرين، ونظرا الى أن الباشمهندس يقدر المصلحة العامة ويخاف ويحرص عليها فقد قرر أن تبنى فيلته على أرض عامة في حديقة عامة أمام مدرسة عامة... وتبنى بأموال عامة حتى يمكن اختياره لمنصب أمين مجلس التخطيط العام قبل أن يعتزل الهندسة ويتفرغ للكتابة.
وعودة الى مشروع النهر وانفجار خط الأنابيب. فقد كان ذلك نتيجة لتآكل في جدران الأنبوب وهي مشكلة لم تكن متوقعة. والسؤال هو كيف يمكن أن تظهر مثل هذه العيوب الرهيبة والمشروع لم يزل تحت التنفيذ ولم يكتمل بعد؟
جاء المهندس محمد المنقوش للتحقيق في المشكلة. مسرحية جديدة!! فكيف يحقق المهندس المنقوش في هذه المشكلة وهو أصلا كان أمين جهاز النهر الصناعي. وكان يبدو أنه ما يزال زعلانا من زميله المهندس جاد الله لأنه عندما كلفه بتولي أمانة الجهاز نتيجة ذهاب جاد الله في مهمة سارع المنقوش بإصدار قرار بتعيين بعض المستخدمين، وجاء جاد الله وألغى ذلك القرار فور عودته من المهمة. وربما يعطيك هذا التصرف الصبياني والتلاعب بمصائر الناس تفسيرا لسبب تدهور حالة البلاد الى ما هي عليه! فإذا كان هذا النوع من التصرف يجري على أعلى المستويات ومن قبل أشهر وأقدر الشخصيات بلا رقيب ولا رادع فما بالك بما يجري في الدوائر والمصالح الأخرى.
أقول فقط لهذا السبب جاء المنقوش ليترأس لجنة التحقيق، أو تحديدا لإعداد تقرير خاص للقايد وبصورة مستعجلة. والمشكلة – كما قلت – هي تآكل في جدران الأنابيب أدى الى انفجارات في مواقع متعددة من الأنابيب على مدى 200 كيلومتر أو يزيد بالقرب من مدينة جالو. وقد أدى ذلك الى تسرب التربة داخل الأنابيب وتلوث المياه المنقولة. وهذا ناتج عن عدم وجود حماية كافية للخط. وكما ورد في بداية هذا التقرير عن الإستشاري وعقده الغريب كانت المسؤولية على إدارة الجهاز دون سواها.
فقد كانت كل التقارير والدراسات تفيذ بضرورة وضع برنامج لحماية الأنابيب من التآكل على طول امتداد الخط. ولكن اللجنة الشعبية للجهاز رفضت ذلك بدافع توفير المصاريف، وألغت تنفيذ هذا الجزء من العقد، وتركت الأنابيب بدون حماية. وكانت القيمة التقديرية لتنفيذ برنامج الحماية هي 200 مليون دينار.
حدث ما حدث، واضطرت سلطات المشروع الى وقف ضخ المياه لفترة من الزمن. ولكن هذا يعني على المدي الطويل إصلاحات واسعة النطاق للأنابيب وبأرقام وتكاليف أكبر. وستضطر إدارة المشروع في المراحل المقبلة الى تنفيذ برنامج للحماية من التآكل ولكن بمبالغ أكبر هذه المرة، وسيدفع الوطن ثمن ذلك كله.
ورغم ذلك تواصل إدارة الجهاز– ومعها الإستشاري – التبجح بهذا المشروع "المعجزة" وبدقة تنفيذه وأسلوب إدارته. ويواصل مهندسو المشروع والمسؤولون عليه التفحيط بسياراتهم الفارهة نكاية في الليبيين... وبإمكانك أن ترى ذلك في أي وقت في طرابلس وبنغازي وغيرهما من المدن القريبة من مواقع المشروع. ولكن فضيحة تآكل الأنابيب جاءت صفعة قوية لإدارة الجهاز ومهندس المشروع(!!) ومهما بلغت التكاليف فستعالج هذه المشكلة وكل المشاكل التي يمكن أن تستجد مستقبلا مثل حدوث انفجارات في الأنابيب في أماكن أخرى. وذلك للتغطية على الفشل ولإثبات جدوى المشروع "المعجزة" مفخرة عصر الجماهير!!

وخلف المهندس عبدالمجيد القعود سلفه جاد الله الطلحي في إدارة المشروع. ودمجت هيئة استثمار مياه مشروع النهر الصناعي في الجهاز. وهي الهيئة التي كانت ضمن إدارات المشروع ثم فصلت عنه لتصبح هيئة مستقلة. ولكن ها هي تدمج مرة أخرى مما يعكس التذبذب والإرتجالية في إدارة المشروع وسياساته وأجهزته.
والمهندس القعود معروف لدى الجميع. فهو من أصحاب السوابق، صدرت في حقه أحكام قضائية واتهم بالشذوذ الجنسي من قبل صحيفة "الزحف الأخضر" في مقال تحت زاوية "مرة أخرى نعود". دائم التلفظ بالعبارات البذيئة، وفي خصام دائم مع أعضاء اللجنة الشعبية للجهار. أصدر قرارا بترقية أحد الموظفين ثلاث درجات وظيفية مرة واحدة، وهو مخالف لكل القوانين. ونفذ قراره وسط موجة من التذمر بين كل العاملين في المشروع. ويعتبر فعليا أنه نقل إدارة المشروع الى طرابلس. وأصدر قرارا بتقاعد الأمين المساعد إدريس الحمري دون أن يعلمه إلا قبل أيام من سريان نفاذ القرار، مما أغضب الحمري وجعله يلتزم بيته ويترك العمل.
ومن مآثر القعود تهميشه لأعضاء اللجنة الشعبية للمشروع. فلم يكلفهم بأي مهام ذات قيمة أو مسؤولية حساسة فيه. وقد أدى ذلك بأحد أعضاء اللجنة وهو المهندس الطاهر سيالة الى التهديد بالإستقالة وأصبح على خلاف دائم مع القعود. إضافة الى ذلك فقد أحضر القعود معه عددا من الموظفين وكدسهم حوله في مكاتب إدارة المشروع في طرابلس وأصبح يدير العمل من خلالهم.

هذه وغيرها من المظاهر والتصرفات تعكس ضعف هذه الإدارة ووهنها من الداخل رغم كل المظاهر التي تحاول الخروج بها أمام المجتمع. فلا يخدعنك ما تراه... فياما تحت السواهي دواهي وخللي التبن مغطي شعيره. فهناك مشاكل أخرى كثيرة لا يتسع المجال الى الحديث عنها ومنها – على سبيل المثال - مشكلة الأسماك في الأحواض والخزانات وما لحق بالطرق العامة المجاورة لمسار خطوط الأنابيب أو تلك التي تؤدي إلى المصانع في منطقة السرير والبريقة من تلف نتيجة استعمال المقاولين لها. وهناك فضيحة المقاول شركة (دونغ آه) الكورية الذي استغل الإعفاءات الجمركية الممنوحة للمشروع وقام بإدخال مواد لصالح شركة (داوو) الكورية وعرفت هذه القضية في بنغازي بمشكلة مكاتب التخليص الجمركي مع مكتب الجزيرة للتخليص الجمركي.
وعموما فإن هذه ليست السابقة الأولى لشركة (داوو) فقد سبق لها وأن قامت بالتلاعب في اشتراكات الضمان الإجتماعي وتهربت من دفع ملايين الدينارات للضمان الإجتماعي. وما الحديقة التي أنشأتها أمام مستشفى الجلاء في بنغازي - والتي عرفت على أنها هدية من شركة (داوو) لمدينة بنغازي – إلا نوعا من التعويض والإعتذار المغلف عن تلك الفضيحة. ولكنها لم تعتذر هذه المرة عن تحايلها على الجمارك... لا هي ولا شركة (دونغ آه)!!

إن تناول القضايا الداخلية لهذا المشروع "المعجزة" بالنقد والدراسة لا يعني بأي حال من الأحوال الإعتراف بجدواه العملية أو الإقتصادية أو الصناعية. ولا هو اعتراف بنجاحه كما يدعي المسؤولون. بل، وعلى العكس من ذلك، فإن جدوى المشروع يكتنفها الشك والغموض من أساسها. وعلى رأي صحيفة "الزحف الأخضر" فإننا "مرة أخرى سنعود" الى الموضوع بإذن الله. )